أخطاء القرآن البلاغية وأثرها في تحريف ترجماته -ترجمة النرويجي بيرغ نموذجا- الجزء السادس

عبدالإلاه خالي
2020 / 7 / 6

نختم بهذا المقال فصلا خاصا بتحريف بيرغ للقرآن بغية طمس أخطائه البلاغية على أن نشرع لاحقا في بيان تحريفات المترجم الهادفة إلى طمس أخطاء السهو والالتفات.

🔅 الأنبياء 1-3:
﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ
انظر لقوله: ( وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ) ولاحظ الركاكة اللغوية التي ينشئها موضع ( الذين ظلموا )!
افترض الفقهاء في الآية وجوها تبعد عنها الركاكة، فقالوا أنّ عبارة ﴿ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾:
- إما أنه مبتدأ مؤخر لخبر مقدم هو: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ أي أن المراد: ( والذين ظلموا أسروا النجوى ) !
- أو هو خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: ( وأسروا النجوى هم الذين ظلموا ) !
- أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، والتقدير: ( وأسروا النجوى أذمُّ أو ألعن الذين ظلموا ) !
- أو هو مرفوع على الذم بفعل مبني للمجهول محذوف، أي: ( وأسروا النجوى لُعِنَ أو ذُمَّ الذين ظلموا ) !
- أو هو منصوب على الاختصاص بفعل محذوف، والتقدير: ( وأسروا النجوى أعني أو أخص الذين ظلموا ) !
- أو هو مجرور لكونه نعتا للفظة "الناس" أي: ( اقترب للناس الذين ظلموا حسابُهم ) !
- أو هو فاعل ﴿ أسرّوا ﴾، وهي لغة سمّاها النحويون لغة أكلوني البراغيث، والتي تُجَوِّز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله! وهي لغة شاذة[1] زعم بعضهم أنها لغة بني الحارث بن كعب، أو لغة أَزْدِشَنُوءَة، أو لغة طَيِّء..!
- أو هو بدل من واو "أسَرُّوا" أو من "النجوى" أو من "الناس"، أي أن المراد في الحالة الأولى: ( وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى. وَأَسَرَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ: هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ.. ). وفي الحالة الثانية: ( وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى وَأَسَرَّ النَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ. هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ.. ). وفي الحالة الثالثة: ( ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ )!
وافترض البعض[2] الإبدال من واو "استمعوه"، أو من هاء "يأتيهم"، أو هاء "حسابهم"، أو هاء "قلوبهم"!!

أما بيرغ فلم يجد غير التحريف حلّا لطمس الخطإ مستفيدا من القول الذي اعتبر ( الذين ظلموا ) مبتدأ مؤخرا، فتأمل:
﴾ De urettferdige hvisker til hverandre: «Dette er jo bare et vanlig menneske som dere! Vil dere godta trolldom med åpne øyne?» ﴿
أي:
( الذين ظلموا يهمسون إلى بعضهم البعض: ‹‹ هل هذا إلا بشر مثلكم! أتقبلون السحر وأنتم تبصرون؟‹‹ ).

🔅 الماعون 1-2-3:
﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ. فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ. وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾
هذه الآية تقدم المُكَذِّبَ بالدين على أنه مَن يدُعّ اليتيم ولا يحض على إطعام المسكين، وهذه زلة لا تليق بكتاب مبين، إذ أن كثيرا من الملحدين أخلاقهم لا تضاهيها أخلاق المتدينين!
وقد حاول الفقهاء تصحيح الزلل، فقال بعضهم أن الآية تتضمن حذفا مقدرا، والمراد: "يكذب بيوم الدين" على اعتبار أنه قال في آيات أخرى: ( وكنا نكذب بيوم الدين )، ( الذين يكذبون بيوم الدين )، ( الذين يصَدقون بيوم الدين ).. قال الخازن: [ ومعنى الآية هل عرفت الذي يكذب بيوم الجزاء ][3].
وحَمَلَ جمهور الفقهاء لفظة الدين على معناها اللغوي أي الحساب والجزاء. قال الطبرسي: [ "الذي يكذب بالدين" أي هذا الكافر الذي يكذب بالجزاء والحساب وينكر البعث مع وضوح الأمر في ذلك وقيام الحجج على صحته ][4].
وقد حرف بيرغ النص آخِذا برأي الجمهور، فتأمل:
.﴾ ..Du har vel sett ham som fornekter dommen ﴿
أي:
( لقد رأيتَ حقّاً الذي ينكر الحساب.. ).

🔅 الليل 8:
﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾
الاستغناء هو ترك الشيء، وقد ورد في هذه الآية مطلقا، غير أن القرينة دلّت على أن المقصود الاستغناءُ عن شيء مادي عيني لاقترانه بلفظ البخل؛ ومن هنا ينهض التساؤل: أهناك بخيل يستغني؟!
لرفع هذا التهافت البلاغي قيّد فقهاء الإسلام لفظ الاستغناء بما هو روحي قيمي، إذ قالوا أن الاستغناء هو استغناء عن الله! قال النسفي: [ "وَأَمَّا مَن بَخِلَ" بماله "وَٱسْتَغْنَىٰ" عن ربه فلمْ يتَّقِه أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى ][5].

أما بيرغ فقد حرّف الكلمة مترجما إياها بتعبير الاكتفاء الذاتي..
فتأمل:
﴾ Men hva ham angår, som er gjerrig og seg selv nok ﴿
أي:
( أمّا مَن بخل واكتفى ذاتيا )

🔅 الأعراف 12:
﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾
منطوق قوله: ﴿ ما منعك ألاّ تسجد ﴾ يفيد أن إبليس سجد لآدم، على اعتبار أن ˝ألا˝ تفيد التقرير والإثبات إذا سبقها أسلوب نفي. لكن لمّا كان مُرادُ كاتب القرآن عكس المُفاد قال المفسرون وبإجماع غريب أنّ ˝ألا˝ زائدة [6[ !
وقد حرف بيرغ النص بحذف ألّا، فتأمل:
﴾ Gud sa: «Hva hindret deg i å bøye deg når Jeg gav deg ordre?» Han svarte: «Jeg er bedre enn Adam. Du skapte meg av ild, og ham skapte Du bare av leire.» ﴿
أي:
( قال الله: ‹‹ ما منعك أن تسجد إذ أمرتك؟ ›› قال: ‹‹ أنا خير من آدم. خلقتَني من نار، وخلقته من طين فقط. ›› )

🔅 القيامة 37:
﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ ﴾
تذكر الآية أن الله خلق علقة، ومنها خلق الإنسانَ ذكرا وأنثى، وقد عبّرت الآية عن الذكر والأنثى بلفظ الزوجين، وهذا خطأ بلاغي لأن لفظ "الزوجين" أربعة أفراد وليس فردين. وتكرر نفس الخطأ في "الرحمن 52"، حيث قال: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾.
برّر شرعيو الإسلام هذا الخطأ بقولهم أن "الزوجين" معناها هنا "الصنفين"! قال الشوكاني: [ "ٱلزَّوْجَيْنِ" أي الصنفين من نوع الإنسان. ثم بين ذلك فقال "ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ" أي الرجل والمرأة. ][7].
وقد تلقف بيرغ هذا التبرير وترجم الآية على أساسه، فتأمل:
﴿ .Alqiyamah 37 : ﴾ og laget det til to sorter, mann og kvinne
أي:
( فجعل منه صنفين، رجُلا وامرأة. )

﴿ Arrahman 52: ﴾ Det finnes to slag av alle frukter
أي:
( فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ نَوْعَان )

🔅 سورة ق. 2:
﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾
لاحظ عزيزي القارئ عجز البيان في هذه الآية، إذ تذكر أن الكافرين تعجبوا وقالوا هذا شيء عجيب!!
حاول شرعيو الإسلام رفع هذا التهافت البلاغي وزعم بعضهم أن لكل تعجب سبب، فالتعجب الأول سببه استهداف الكفار برسولٍ منذرٍ من أبناء جلدتهم، والتعجب الثاني سببه البعث والنشور المذكور في قوله ﴿ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ﴾!
وادعى البعض أن المتعجب الأول غير الثاني، فالتعجب الأول مصدره جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، أما التعجب الثاني فمصدره الكافرون فقط..
واستغل بيرغ تبرير فقهاء الإسلام لمحو هذه الزلة البيانية، فعبَّر عن المتعجب الأول بضمير الجمع ( هُم de ) وعن الثاني بضمير المفرد ( هذا den )، ثم أطلق على التعجب الثاني مرادفا مغايرا وسماه "شيئا لا ثاني له"، فتأمل:
﴾ !Nei, de undrer seg over at en advarer er kommet til dem fra deres egne rekker, og den vantro sier: «Dette er en selsom ting ﴿
أي:
( بل يعجبون أن جاءهم منذر منهم، ويقول الكافر: ‹‹ هذا شيء لا ثاني له! )

الهوامش:
[1] قال ابن مالك في ألفيته:
وجَرِّدِ الفِعْلَ إذا ما أُسْنِدَا لاثنيْنِ أو جَمْعٍ كـ(فازَ الشُّهَدَا)
قال السمين الحلبي في الدر المصون: [ ويعبِّر النحاة عن هذه اللغةِ بلغةِ " أكلوني البراغيث "ولكنَّ الأفصحَ ألاَّ تلحقَ الفعلَ علامةٌ، وفَرَّق النحويون بين لَحاقِه علامةَ التأنيث وعلامةَ التثنية والجمع بأنَّ علامةَ التأنيث ألزمُ؛ لأن التأنيث في ذاتِ الفاعل بخلاف التثنيةِ والجمعِ فإنه غيرُ لازمٍ ] ( تفسير المائدة 72 )
[2] انظر "تفسير هميان الزاد إلى دار المعاد". لصاحبه اطفيش.
[3] الخازن. لباب التأويل في معاني التنزيل. تفسير سورة الماعون. الآية 1.
[4] الطبرسي. مجمع البيان في تفسير القرآن. تفسير سورة الماعون. الآية 1.
[5] النسفي. تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل. سورة الليل. الآية 8.
[6] الغريب أن القرآن يأتي بالأسلوب سليما في مواضعَ أخرى، ففي الآية 75 من سورة ص قال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ ..
[7] الشوكاني. الفتح القدير. سورة القيامة. الآية 37.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي