عرض جماجم مقاومين في المتاحف -صورة عن الجرائم الإستعمارية-

رابح لونيسي
2020 / 7 / 4

أنه من المؤسف جدا أن يسكت الإعلام العالمي، خاصة الثقيل منه الممثل في الفضائيات على حادثة نقل الجزائر24 جمجمة من أبطالها من ضمن مئات إن لم يكن آلاف الجماجم التي تعرضها فرنسا في متاحفها بعد ما تقطع رؤوسهم، فهل هؤلاء الساكتون يدعمون قانون تمجيد الإستعمار في فرنسا الصادر في 23فيفري2005، أليس عار على فرنسا الإستعمارية أن تقتل مقاومين لها في الجزائر، وتقطع رؤوسهم بكل وحشية، ثم تفتخر بذلك بوضعهم في متاحف يتفرج عليها الإنسان، ولعل يستغرب البعض الظاهرة، فليعلم القاريء الكريم أن فرنسا الإستعمارية كانت تصور الجزائريين في القرن19 بأنهم همج متوحشين، وكل مقاوم لها هو رافض للحضارة والتمدن، فقد نشرت في القرن19عشرات الكتب والمقالات حول ما تدعيه فرنسا الإستعمارية أنه همجية الجزائريين كي تعطي شرعية لجرائمها، فقد كان كل القادة العسكريين الفرنسيين يفتخرون في كتابات لهم وفي رسائل إلى آهاليهم بتلك الجرائم وأفعالهم الشنيعة التي يندى لها جبين الإنسان، مثل إفتخار سانت آرنو وبيبلسيي وغيرهم من قادة كبار في الجيش الإستعماري بإحراقهم قبائل بأكملها هربت إلى مغارات هروبا من همجيتهم كما وقع مع قبيلة العوفية في جبال الظهرة بمستغانم وكذلك قبيلة أولاد رياح قرب العاصمة وغيرها من الجرائم الكثيرة جدا، وبالتالي لما الإستغراب من عرض جماجم هؤلاء الأبطال الجزائريين من طرف أناس كهؤلاء يفتخرون بأعمال يندى لها جبين الإنسان السوي، وهذا ما يدل على أن الظاهرة الإستعمارية بعنصريتها مقرونة ببشر يعانون من أمراض نفسية خطيرة جدا.
أن حديثنا عن هذه الجماجم 24 التي استردتها الجزائر لإعادة دفنها يجرنا للتعريف بها، فهي تحمل دلالة لعل لايفهمها غير العارفين بتاريخ المقاومات في الجزائر، فهؤلاء كلهم استشهدوا في إطار مقاومات متفرقة على كل التراب الجزائري بعد شهور من إلقاء القبض على الأمير عبدالقادر وإدعاء فرنسا انه إستسلام منه، وأنه أقتنع ب"المهمة التمدينية" لفرنسا في الجزائر، لكن خفي عليها أن الأمير قد قهر بفعل خيانات وحصار من كل الجهات، وكان من شروطه هو عدم المساس بأصحابه، وقد كان الهدف من ذلك هو مواصلة مشعل المقاومة على يد هؤلاء الذين كانوا قادة صغار في جيش الأمير عبدالقادر، فانتشروا في كل مناطق البلاد، فقد عرفت الجزائر في تلك الفترة عشرات المقاومات، لكن حاول الإستعمار إخفاء ذلك وحاول إعطائها طابع محلي، فالإستعمار كان يعلم أنها إستمرارية لمقاومة الأمير عبدالقادر التي شملت كل التراب الوطني بواسطة قادة صغار في جيشه، وهو ما يدحض فكرة "إستسلامه" وإقتناعة ب"المهمة التمدينية" لفرنسا في الجزائر.

فإن كانت مختلف الأبحاث لم تؤكد لنا إلى حد اليوم عن وجود ثورة شاملة آنذاك إلا أن ما لا يمكن أن ينكره أحد هو وجود الكثير من الذين قاتلوا تحت لواء الأمير عبد القادر في مختلف هذه الانتفاضات كالشريف بوزيان والحاج موسى الدرقاوي في الزعاطشة وأحمد بن عمر العيساوي بمجانة وبن شبيرة ببوسعادة وبوبغلة وبن سالم بالقبائل وغيرهم، مما يؤكد صحة طرح الأمير عبد القادر وبعد نظره عندما اشترط عدم المساس بأصحابه مقابل الاستسلام لان هؤلاء هم الذين حملوا مشعل المقاومة بعدما أبقوا شعلتها مستمرة لمدة طويلة.

وقد كانت من أهم هذه المقاومات آنذاك مقاومة زعاطشة بقيادة الشيخ بوزيان في الزيبان، والتي تحدث عنها الجنرال هيربيون بإسهاب في مذكراته، ونشير أنه بعد ما قضى عليها أمر هيربيون بعلق رأس الشريف يوزيان وابنه والحاج موسى الدرقاوي عند مدخل بسكرة كي يتأكد جميع السكان بأنه قتل، ولم يهرب إلى المناطق المجاورة فيثير فيهم الأمل بمواصلة الانتفاضة، فكأنه كان يدرك أن هذه المقاومات والانتفاضات كثيرا ما ترتبط بزعمائها، كما قتل الجنرال هيربيون أكثر من 800 جزائري معهم دون إحصاء الموجودين تحت الأنقاض واستعمل في ذلك طرقا وحشية يندى لها جبين الإنسانية.
فلم يشر هيربيون في مذكراته إلى مختلف الانتفاضات التي عرفتها البلاد آنذاك باستثناء البعض منها التي لها علاقة قريبة بانتفاضة الزعاطشة كانتفاضة ابن شبيرة في بوسعادة وعبد الحفيظ المنهي في الأوراس وانتفاضة أولاد سحنون في بريكة، فهل أراد هيربيون إبعاد أي علاقة بين مختلف هذه الانتفاضات مما يمكن أن توحي أن هناك انتفاضة شاملة هزت البلاد، إلا أنه اضطر إلى ذكر بعضها فقط لتبرير المصاعب التي لاقاها في القضاء على انتفاضة الزعاطشة.


فليعلم القاريء الكريم أنه بمجرد ما وطئت أقدام الإستعمار الفرنسي في الجزائر، شرع الشعب الجزائري في المقاومة، وقد أخذت طابعا مسلحا منذ البداية، فنجد مقاومة محمد بن زعموم في المتيجة التي انطلقت من منطقة القبائل، والذي كبد جيش الإحتلال خسائر فادحة في معركة البليدة، وكان مدعوما من الطريقة الرحمانية بقيادة الشيخ الحاج علي السعدي، لكن لم تستمر هذه المقاومة مدة طويلة، لكنها التحقت بمقاومة الأمير عبد القادر فيما بعد.
وتعد مقاومة الأمير عبد القادر من أكبر هذه المقاومات، وقد انطلقت من الغرب الجزائري عام 1932، لكنها أمتدت إلى عامة التراب الوطني، وما ميز مقاومة الأمير عبد القادر هو إدراكه بضرورة إقامة دولة يرتكز عليها لمقاومة الإستعمار وإعادة بناء الأمة الجزائرية وإتخاذها قاعدة لإستعادة الأرض الجزائرية كلها، ولهذا وسع نفوذ هذه الدولة إلى أغلب التراب الوطني، فقسم البلاد إلى ثمانية أقاليم غطت كل البلاد الجزائرية بإستثناء المناطق التي كان يسيطر عليها الفرنسيون، وامتد نفوذ هذه المقاومة إلى الغرب الجزائري كله ومليانة والمدية وبلاد القبائل الكبرى والصغرى، كما كان له ولاة له في الصحراء والجنوب الشرقي، لهذا يمكن لنا القول أنها مقاومة وطنية شاملة بأتم معنى الكلمة .
وقامت إلى جانب مقاومة الأمير عبد القادر مقاومة أخرى غطت أجزاء من الشرق الجزائري بقيادة أحمد باي، ولم يتمكن الطرفين –أي أحمد باي والأمير عبدالقادر-من توحيد المقاومة، ويعود سبب ذلك إلى إختلاف حاد بينهما تمتد جذوره إلى الفترة العثمانية، أي قبل الإحتلال الفرنسي للجزائر، فيجب أن نشير إلى أن عائلة الأمير عبد القادر، وبالضبط أبو الأمير الشيخ محي الدين كان معارضا للسلطة العثمانية القائمة في الجزائر عشية الإحتلال، وقد تعرض للنفي عام 1925، وأراد الأمير أن يقيم دولة جديدة في الجزائر، وتضع قطيعة مع أسس الدولة القديمة التي أقامها العثمانيون، وهذا كله على عكس ما يرغب فيه أحمد باي الذي أراد إحياء الدولة القديمة، وأعتبر نفسه إستمرارية لهذه الدولة القديمة، وقد كان هذا الصراع بين الطرفين، إضافة إلى عقد الأمير عبد القادر معاهدة تافنة مع الفرنسيين عام1937 هي التي سهلت على هؤلاء الأخيرين من الإستيلاء على مدينة قسنطينة عام 1837، ولهذا يحمل البعض الأمير عبد القادر مسؤولية هذا السقوط، لكن نعتقد أن الأمير كان له تفكير آخر، وهو بناء دولة جزائرية ممتدة على كل التراب الوطني، وأن سقوط أحمد باي في نظره هو سقوط نهائي للنظام العثماني القديم الذي كان يعارضه وميلاد لنظام دولة جزائرية جديدة .
لكن في الأخير سقطا كلاهما، وذلك ب"إستسلام الأمير عبد القادر" عام 1947، وأفضل القول إلقاء القبض عليه بعد الحصار الفرنسي له وتخلي بعض القبائل عنه ومحاصرته، بالإضافة إلى الضغط المغربي عليه، وعرف أحمد باي نفس المصير، ورغم لجوئه إلى جبال الأوراس، إلا انه أضطر إلى الإستسلام حتى هو، ليموت عام 1853، وهو قابع في المحمية الإستعمارية .
ورغم فشل مقاومتي الأمير عبدالقادر وأحمد باي، إلا أن الجزائر لم تهدأ بعدهما، فقد ظهرت مقاومة في الجنوب الشرقي، وبالضبط بزعاطشة في بسكرة بقيادة الشيخ بوزيان، وهو يعد أحد قادة ضباط مقاومة الأمير عبد القادر، وقد جاءت هذه الإنتفاضة كرد فعل على الزحف الإستعماري على المنطقة، وقد انتهت عام 1849 بعد مذبحة يندى لها جبين الإنسانية، فقد علقت رأس كل من رأس زعيمها بوزيان وإبنه عند مدخل مدينة بسكرة، كي يعتبر بها الجزائريون وتخويفهم وترهيبهم .
وظهرت في نفس هذه الفترة عدة مقاومات هنا وهناك مثل إنتفاضة بن شبيرة ببوسعادة وإنتفاضة عبدالحفيظ الخنقي بالأوراس وإنتفاضة أولاد سحنون ببريكة وغيرها من الإنتفاضات التي لم تتمكن من توحيد جهودها، مما مكن الإستعمار من القضاء عليها في ظرف وجيز.
كما ظهرت مقاومة أخرى بقيادة لالافاطمة نسومر وبوبغلة في منطقة القبائل التي هبت كلها لمواجهة الجيش الإستعماري الزاحف على المنطقة لإحتلالها، وأمتدت هذه المقاومة من عام 1853 حتى عام 1957، وما ميزها هو قادتها، فلأول مرة نجد إمرأة على رأس المقاومة الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي، وإلى جانبها رجل هو بوبغلة الذي كان أيضا ضابطا في جيش الأمير عبد القادر مثل الشيخ بوزيان، ولشراسة هذه المقاومة الجزائرية كان يقود المعارك ضدها العديد من الجنرالات، وعلى رأسها الحاكم العام للجزائر راندون، وقد تكبد جيش الإحتلال خسائر فادحة وأنهزموا في معارك عدة، مثل معركة إيشريضن، كما برزت ظاهرة جديدة في هذه المقاومة هي ظاهرة المسبلين، وهي تشبه إلى حد ما ظاهرة الكاميكاز عند اليابانيين، ولم يتمكن الجيش الإستعماري الفرنسي من القضاء على مقاومة لالا فاطمة نسومر وإلقاء القبض عليها إلا بإستخدام المكر والخديعة، وماتت في السجن، وأخضعت المنطقة كاملة لأول مرة في التاريخ، لأنه لم يتمكن أي إحتلال منذ القدم من ولوج هذه المنطقة والسيطرة عليها كاملة .
وفي عام 1864 ظهرت مقاومة أولاد سيدي الشيخ في الجنوب الغربي الجزائري، وبعد فشلها في المنطقة عادت مرة أخرى بعد سنوات، لكن هذه المرة على أتباع آخرين للطريقة الشيخية، وكان على رأسها الشيخ بوعمامة في نواحي عين الصفراء، لكن حتى هذه المقاومة جاءت بعد زحف إستعماري على المنطقة، وقد دامت مدة طويلة، وعرفت صراعات قبلية بين الجزائريين ، وكان ذلك أحد أسباب فشلها، وانتهت بلجوء الشيخ بوعمامة إلى المغرب الأقصى.
وتعد إنتفاضة الشيخ المقراني والشيخ الحداد في منطقة القبائل إحدى أكبر هذه الإنتفاضات، ولو أنها لم تدم فترة طويلة، لكنها أقلقت السلطات الإستعمارية، لأنها لم تكن وليدة رد فعل مثل الكثير من الإنتفاضات، بل جاءت إستغلالا لوضعية سياسية عالمية، وهي هزيمة فرنسا وإنشغالها بحربها مع بروسيا في أوروبا، فأراد المقراني إستغلال ذلك لطرد الإستعمار، واستعان بالشيخ الحداد لتعبئة الشعب الجزائري، وقد أمتدت هذه الإنتفاضة من الشرق الجزائري وأمتدت غربا إلى نواحي شرشال، وكانت مركزها الرئيسي منطقة القبائل، كما حاول أحد أبناء الأمير عبد القادر المجيء إلى الجزائر لإعطاء دفع لهذه الإنتفاضة في الصحراء، لكنها أنتهت بإستشهاد الشيخ المقراني، وإلقاء القبض على الكثير من قادتها، ومنهم الشيخ الحداد وأبناءه، وقد نفي الكثير من هؤلاء الثوار إلى كاليدونيا الجديدة، وأتخذت ذريعة لمصادرة آراضي الجزائريين وإفقارهم بشكل رهيب.
ويمكن القول أن إنتفاضة المقراني والشيخ الحداد هي أكبر آخر الإنتفاضات التي عرفتها الجزائر في القرن التاسع عشر، لكن ظهرت إنتفاضات أخرى هنا وهناك، ومنها إنتفاضة محمد بن عبد الله بتوابة في الأوراس عام 1879، ومقاومة الشيخ آمود في بلاد الهوقار عام 1896 التي كانت كرد فعل على الزحف الإستعماري على المنطفة، كما نجد مقاومة بوشوشة في الصحراء، ونجد في بداية القرن العشرين إنتفاضة عيد التركي بعن الدفلى عام 1901، وكذلك ثورة الأوراس عام 1916، وهي تشبه إنتفاضة المقراني والحداد في إستغلالها الوضع الفرنسي الذي كان مشغولا بالحرب العالمية الأولى .
وكي نفهم أسباب فشل هذه الإنتفاضات ثم تراجعها في نهاية القرن التاسع عشر، يجب أن نتطرق إلى بعض خصوصياتها وطبيعتها .


تتميز إنتفاضات القرن التاسع عشر بعدة خصوصيات ومميزات، لكن بعض الخصوصيات هي التي انقلبت عليها، وكانت سببا في فشلها، ونذكر من ضمنها:
1-كانت أغلب الإنتفاضات عبارة عن ردود فعل تجاه الزحف الإستعماري، مثل إنتفاضات بوعمامة ولالافاطمة نسومر والشيخ آمود وزعاطشة بقيادة الشيخ بوزيان، ولم تتحرك إلا عندما وصل العدو إلى مشارف تلك المناطق، وبالتالي كانت المبادرة في يد الجيش الإستعماري .
ويمكن أن نستثني ضمن هذه الإنتفاضات إنتفاضة الشيخ المقراني والحداد في منطقة القبائل، حيث كانت المبادرة من الثوار الذين أرادوا إستغلال الوضع الفرنسي وضعفها أثناء حربها مع بروسيا، وندخل أيضا ضمن نفس المسعى ثورة ا-لأوراس عام 1916 .
أما بالنسبة للأمير عبد القادر، فقد كانت في البداية مجرد رد فعل على الإحتلال الفرنسي لوهران وأجزاء من الغرب الجزائري، وكانت بقيادة أبيه الشيخ محي الدين، لكن أخذت هذه المقاومة على يد الأمير عبد القادر طابعا آخر تتجاوز رد الفعل إلى التخطيط والإستراتيجية العالية، بل وصلت إلى درجة بناء دولة بكل أركانها .
2-تركيز كل المقاومات والإنتفاضات على الجانب العسكري البحت دون أي عمل سياسي ودبلوماسي، ونستثني في ذلك مقاومة الأمير عبد القادر التي أخذت طابع بناء دولة وأمة وإقامة علاقات دبلوماسية مع قوى عالمية مثل إسبانيا وأنجلترا، بل حتى مع عدوته فرنسا، كما اهتم بعدة أمور أخرى كالتعليم والثقافة والإدارة، فقد كان رجل دولة بأتم معنى الكلمة، ويمكن أن نذكر إلى جانبه مقاومة أحمد باي الذي بقي على علاقة بالدولة العثمانية، واستهدف طرد المستعمر وإعادة إحياء تلك الدولة، ولعل هذا هو سبب خلافه مع الأمير عبد القادر، وعدم توحيد جهودهما لطرد المستعمر.
3-محدودية أغلب الإنتفاضات في المكان، ويعود ذلك إلى أنها نتيجة ردود فعل على زحف إستعماري أو مساس له ببعض آراض الأعراش كما سبق أن أشرنا إلى ذلك آنفا، ويمكن أن نستثني في محدودية المكان مقاومة الأمير عبد القادر التي غطت جزء كبير جدا من التراب الجزائري، بل أمتدت من الغرب الجزائري إلى أقصى الجنوب الشرقي الجزائري مرورا بمنطقة القبائل ومناطق المدية ومليانة وغيرها وصولا حتى إلى بسكرة ومشارف الصحراء. كما حاول المقراني والحداد مد إنتفاضتهما إلى كل الجزائر فغطت مناطق واسعة في الشرق الجزائري والصحراء، لكن لم ينضم إليها الغرب الجزائري بسبب عملية مؤامراتية ومخابراتية إستعمارية، حيث زورت هذه المخابرات رسائل للأمير عبد القادر يطالب فيها السكان بعدم الإلتحاق بها وفاء منه لعهده مع الفرنسيين، وذلك ردا منه على سؤال وجهه له بعض أعيان المنطقة حول الموقف الواجب إتخاذه تجاه هذه الإنتفاضة .
4- إرتباط كل الإنتفاضات بزعيم، ولهذا كلما قضي على الزعيم أنتهت الإنتفاضة، وهذا ينطبق على كل الإنتفاضات، وهو أحد عيوبها القاتلة، ولهذا ركزت جبهة التحرير الوطني أثناء ثورة نوفمبر1954 على أن لايكون زعيم للثورة أو شخصنة لها، وبقيت تابعة لتنظيم عسكري وسياسي، ينتج القيادات والنخب المحلية والوطنية في حالة القضاء على القيادات السابقة أو سجنها .
5-إرتباط كل الإنتفاضات بالطرق الصوفية، ويمكن أن نستثني في ذلك إنتفاضة الشيخ المقراني، لكنه أستعان بالشيخ الحداد من الطريقة الرحمانية الذي تمكن من تعبئة الشعب، ونجد مثلا أن مقاومة الأمير عبد القادر وراءها الطريقة القادرية، ومقاومة الشيخ بوعمامة وأولاد سيدي الشيخ نجد وراءها الطريقة الشيخية، ومقاومة بومعزة الطريقة الطيبيبة، وكل من مقاومة بن زعموم ثم لالا فاطمة نسومر ثم المقراني والحداد ومحمد بن عبدالله، نجد وراءها جميعا الطريقة الرحمانية .
وقد أدرك الإستعمار مدى الدور الذي لعبته الطرق الصوفية في كل الإنتفاضات، ولهذا لجأت إلى القيام بدراسات علمية ودقيقة حولها، وذلك كله بهدف إيجاد الطرق والأساليب المثلى لإحتوائها أو تحييدها على الأقل، بل فكرت في طرق لإستخدامها لمصلحة السلطات الإستعمارية، وقد نجحت الإدارة الإستعمارية في ذلك مع الكثير من الطرق الصوفية، ولعل هو الذي يفسر لنا مدى تراجع المقاومات والإنتفاضات في الجزائر منذ أواخر القرن التاسع عشر .

يتبين لنا مما سبق أن أسباب فشل هذه الإنتفاضات والمقاومات تكمن في خصوصياتها ذاتها التي أوردناها مثل محدوديتها في المكان وعدم السعي لتوحيد الجهود، كما كان الكثير منها مجرد رد فعل مما أفقدها روح المبادرة والإمساك بها، كما ارتبطت بالزعيم مما جعلها تنتهي بمجرد ما يستشهد أو يلقى القبض على زعيم المقاومة، ونذكر من هذه الأسباب قدرة الإستعمار الفرنسي من إحتواء الكثير من الطرق الصوفية التي كانت وراء كل المقاومات والإنتفاضات .
وقد تمكن مخططو الثورة التحريرية في ليلة أول نوفمبر 1954 من دراسة كل هذه المقاومات والإنتفاضات وإستخراج عيوبها وأخطائها لتجنبها أثناء هذه الثورة، وهو ما سمح لها بتحقيق الإنتصار وطرد المستعمر الفرنسي بالمزج بين العمل المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي. .