عذرا لن أكتب الآن أدبا..

عبدالإلاه خالي
2020 / 7 / 3

الكتابة الأدبية عمل فني جميل مارسته واستمتعت به لِما يزيد عن ربع قرن، ولم يحدث لي ما حدث لي هذه الأيام.
كنت قد بدأتُ بكتابة رواية تحت عنوان "رهائن العبث"، ونشرتُ قبل شهور فصلَها الأول بالحوار المتمدن، ومن يومها وأنا أحاول كتابة فصول أخرى لكن دون جدوى، فكلما كتبت شيئا بدا لي بعد حين أن ما كتبته ليس أدبا.
إنّه نص يتمنّع، يضع العقبات ويخلق الحواجز.. فاللفظة تتفلت من ديناميتها وتظهر جافة لا شعر فيها ولا إيقاع، والعبارة الدالة تستعصي وإن خرجت بدت باهتة لا تنتج معنى أدبيا، والشخوص تأبى عن النمو والتحرك في فضائها وإن فعلت تاهت..
ظللتُ هكذا أرفع العقبات اللغوية والبصرية والإيقاعية أياما، أنا الفارس الذي لا يشق له غبار..
ظننتها قفلة نفسية سببها فيروس كورونا في ظل انشغال المِخيال الإنساني هذه الأيام بالجائحة، فاعتكفت ثلاثة أيام مصليا ذاكرا: "ربي أعوذُ بك من كل سقم"، وفي الختام تناولت حبة سوداء وأتبعتها بجرعة من ماء زمزم..
سكن فؤادي وهدأتْ نفسي فقررت الرجوع للنص..
فتحتُ الحاسوب وانغمستُ أداعب الأحداث والشخوص.. كتبت سطورا وسطور في نسيج قصصي حسبته سردا أدبيا، وحينما تأملت سطوري وجدتها شيئا لبس ثوب قصة!
فالسياقات لم تتعدد كي تتعدد بها المعاني، والمعاني إن تعددت تصادمت وتشابكت في فضاء القصة بشكل يطعن في الأدبية المرجوة..
ظننتها قفلة أدبية على غرار قفلات الأدباء والمفكرين، فتركت النص لأعود إليه بعد أيام..
عدتُ فكتبت وكتبت، وحينما ألقيت نظرة على مكتوبي شطبت كل شيء ثم عاودت الكتابة من جديد.. انتهيت وألقيتُ نظرة فاحصة على ما كتبت فتبَيّن لي مرة أخرى أن لا أدب في مكتوبي..
وبقيت هكذا أياما، أدور وأدور كقط يحاول قظم ذيله أو كطائر مقصوص الجناح..
ترى ماذا حدث لك يا جبريل؟!
مخزونك اللفظي والفكري ضخم، وقدرتك على صياغة المشاعر في قالب أدبي كبيرة.. فما الذي جرى؟!..
لِم نضبَت قدرتك الإبداعية هكذا فجأة؟!..
أَخَبا فيك بركان الإبداع وجفَّ لديك نبع الإلهام؟!
أم هو عذاب الكتابة الذي تحدث عنه بلزاك؟!
استشرتُ صديقا فنّانًا يبدع باللون والريشة، فقال:
- ‹‹ اطمئِنّ جبريل، قد تكون هذه القفلة أمارة شِفاك.. ››
لَم أُدرك مرماه وارتسمت علامة استفهام على محياي، فأردف:
- ‹‹ كل أديب مريض، وما يكتبه الأدباء لا يعدو أن يكون انعكاسا لعقدهم النفسية وأمراضهم الوجدانية.. ››
فهمتُ مزحته فمازحته بدوري:
- ‹‹ الأدب إشراق فكري لا يدركه من تعلّق بحَلمة أمه.. ››
قال:
- ‹‹ لا أمّ لي! ››
أجبته:
- ‹‹ أمُّك الأصباغ والألواح الخشبية.. ››
ابتسم وقام مودعا..
فتحتُ الحاسوب وكُلّي عزم وإصرار على مقارعة النص المغوار، كان علي وصف البطل وهو ينهل من روائع الأدب العالمي بعد أن خرج من السجن متعطشا للقراءة، فكان أن قرأ، وقرأ، وقرأ.. لكنه وجد نفسه مشدودا إلى رائعة واحدة وهي رواية "واخضرت الأرض" للكاتب النرويجي "كنوت هامسون"..
شدّت انتباهي الجملة الأخيرة فأعدت قراءتها: ( لكنه وجد نفسه مشدودا إلى رائعة واحدة وهي رواية "واخضرت الأرض" للكاتب النرويجي "كنوت هامسون".. )
قرأتها مرة ثالثة وابتسمت..
لقد وجدتها.. وجدتُ سبب قفلتي!!
انحلت العقدت فجأة وانفك اللغز وحْيًا كوحي العارفين، بعد أن انبثق خيطا مشعا كشواظ من أعطاف تلك الجملة المبثوتة في نص الرواية..
كيف ذلك؟
لقد أخذتني الجملة إلى أجواء بحثٍ انغمستُ فيه بالتزاوي مع كتابة "رهائن العبث"، وهو بحث استقرائي عن أثر أخطاء القرآن في ترجمته إلى اللغة النرويجية.
هذا البحث تطلّب مني الرجوع إلى متون تراثية كثيرة صيغَت بلغة جافة تستحمر الإنسان وتلغي عقله، وتحت وطأة هذا التراث وركامه الهائل استعصى عليّ المسك بناصية الإبداع وسرّ الكتابة الأدبية..
التراث يمرض الروح ويسئمها..
فكيف ستكتب أدبا وأنت منغمس في مصنفات تقسم الناس إلى مؤمنين وكفار؟!
كيف تكتب أدبا وأنت محاط بمصنفات تدعو لاستعباد البشر وسلب آدميتهم؟!
فكيف ستكتب أدبا والمتون بين يديك تتحدث عن بلاغة نص لن تجد فيه بعد إمعان غير الحشو والركاكة؟!
كيف ستكتب أدبا ومخلفات الأسلاف من كتب ومعاجم تتكلم عن إعجاز النص، فتمسك النص تُقَلِّبُه فاحصا متدبّرا، فلا تقف على مظهر واحد للإعجاز بل مظاهر عجز؟!
كيف تكتب أدبا وأنت ترى مترجم القرآن إلى اللغة النرويجية وقد أعمَلَ معاول التحريف لتغطية مواضع القصور فيه؟!
يا بُعْدَ ما بين الأدب والإسلام!
يا بعد ما بين جمال لا ينضب وقبح لا ينضب!
أحقّا كان ابن حزم أديبا؟!
أحقّا كان الشافعي شاعرا؟!
عجبا..
شخصيا، أجد نفسي مقفلا.. أصارع النص مرّة ومرّة فأراني مهزوما كل مرّة..
لقد تبلد حسي وفقدت باعث التذوُّق للفن والجمال.. غدوت كتلة إسمنتية..
راعني رأي الغزالي، ومن لم يَطْرَبْ للربيع وأزهاره وللعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له من علاج..
قررت التوقف عن كتابة "رهائن العبث" إلى حين الانتهاء من بحث "أخطاء القرآن وأثرها في ترجمته إلى اللغة النرويجية"..
قد يكون في هذا العلاج..
فعذرا عزيزي القارئ!..
عذرا، عذرا!..

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي