الشيخ أحا

مختار سعد شحاته
2020 / 7 / 3

أخيرا كتبتها:
هذه رسالة عابرة للزمن إلى الشيخ أحا أو المدعو جلال الدين الرومي، لا تندهش من تلك الأحا، فوالله اندهاشي من تقديس ذلك الرجل المزيف أكثر منكم ويستدعي ألف أحا للاعتراض، ولكن و للأسف، أعرف أنها لن تحرك أي شيء، إنما ستجر عليّ الذباب الصوفي (الكيوت)، وهي رسالة ترددت سنوات في كتابتها، لكن يبدو أنه لا مناص منها.

منها لله بنت شافاق:
المدعو جلال الرومي ورفيقه التبريزي الدرويش الجوال، واللذان يتم ربط التصوف بهما الآن ويروج لهما كعلامة من علامات التصوف بين أوساط كثيرة ويجذب شبابا كثر، بل يكاد مريدوهما أن يخلعا عليهما صفة الولاية بمعناها الصوفي، وهو ما يبعدان عنه كل البعد. ربنا يكون ذلك مستهلكا حين (أخلع راسي وأدعي على الست) إيليف شافاق التي فتحت علينا تلك الماسورة (لاحظ أنني لم أقل خرارة بالمعنى المصري)، إذ وعبر روايتها المتواضعة وشديدة السطحية (من وجهة نظري النقدية أدبيا وبناء) فتحت علينا هذه الموجة التي لا نعرف متى يرحمنا الله منها، إذ أفرزت لنا ماسورة تصوف (بروحين) ماسورة لكتابات التصوف الروائي أو الرواية المتصوفة وماسورة أخرى للتصوف التركي حصرت مفهوم التصوف في مجرد رقصة وموسيقى، وهو ما لا علاقة له بأي تصوف في أي دين، فما قرأنا أو سمعنا في سير أولياء الله عن متصوف أو ولي تقرب إلى الله في خلوته بالرقص والموسيقى، وهنا أوضح أنني لست ضد الرقص ولا الموسيقى، لكني ضد التزييف الذي روجت له الثقافة التركية، فيصبح التصوف عند كثير من شباب (اليومين دول) مجرد رقصة وموسيقى، وربط بين ذلك بمقولات غامضة يجتهد المريدون في تفسيرها، وعندي لا يتعدى الأمر مجرد هلوسة وتخريف، حتى لو اجتهد المريدون في تأويل هذا الكلام الملغز بدعوى النورانية، التي أظنها مثل تلك النورانية التي يدعيها آخر في طنطا يسمى إبراهيم عبد ربه، صاحب الفيديو الشهير عن نسبة الماء ودوران الماء في القبر ووصولا إلى رأيه وتفسيره لثورة 25 يناير في مصر.

هدي أعضاءك يا نجم:
ما رأيك قبل أن تثور ثورتك تقرأ حقيقة الرجل، وخذ جانبا واحدا وقل لي كيف يدعو مثل هذا إلى أي شيء غير تسطيح الأمور والهروب من المسئولية، فالرجل فجأة يترك كل شيء من مسئولياته ويهيم غراما مع هذا التبريزي، والحقيقة لا أفهم، كيف لرجل تخلى عن مسئوليته كأب تجاه أسرته، بل ترك تلاميذا له تتعلم على يديه، وينشغل بذاك الجوال؟! وهنا دعني أزيدك من الشعر بيتا، فكيف يؤتمن ذلك الذي يزوج طفلة لم تبلغ الثامنة عشرة برجل في الخمسينيات من عمره، لإغراء ذلك الرجل بالجلوس إلى قربه؟! ما رأيك أن تحلل معي هذه الزيجة؟ فالأمر يثير تساؤلات منها، إذا كان الرومي عارفا بذلك التبريزي، ووجد أن زواجه سوف يلزمه الجلوس، فلماذا لم يزوجه امرأة مناسبة ومكتملة؟! هل مثلا كان يعرف خبايا التبريزي وميله لطفلة أكثر من امرأة؟! وفي المقابل كيف لهذا النوراني الذي يصدعوننا بنشر مقولاته وكأنها نصوص قدسية، كيف قبل بتلك الجريمة وتزوج طفلة؟!
لا أريد إحالتك إلى رواية كيميا للروائي وليد علاء الدين، لكن إن أردت المزيد من الأسئلة الشائكة حول هذين الرجلين اللذين يثار حول علاقتهما منطقيا وعقليا كثير من الشبهات، فابحث عنها واقرأها، وهي رواية لا تروى خيالا فقط إنما تفكك أسطورة زيفهما تلك بمزيد من أحداث واقعية تتبعها الروائي بحسه الصحفي وخبرة عمله.
أعود إلى ذلك الإلصاق المريب للرجلين بالصوفية، وأسأل، هل ما دعا إليه جلال الدين والتبريزي هو الصوفية؟ وهل الكتابات الغامضة (مشيها غامضة وعميقة كمان) هي الصوفية؟ وهل ترك المسئولية والسعي خلف الهوى الشخصي حتى لو كان الثمن موت طفلة ككيميا في ظروف غامضة، هل تلك الصوفية؟!

روق كده وتعالى نحسبها:
في ظني، أن الصوفية هي اختيار المرء واصطفاء الإنسان لنفسه، في لحظة مصطفاة، ومكان مصطفى، بفعل خاص مصطفى من أفعاله، وهو ما يعلل لي ويفسر مفهوم الخلوة عند المسلم الصوفي، فالتصوف هو الاختلاء بالنفس عما يشغلها طلبا السكينة والسكون الداخلي، وهنا كيف يمكن لحركة الرقص والموسيقى أن توفر السكون، إذ هما بالأساس نتاج حركة؟!
بعد الصدمات والإحباطات يميل الناس إلى الخروج من مسئوليتهم في تحمل الألم أو العواقب، الألم وعاقبة الاختيارات التي لم يوفقوا فيها، ولذلك هم يهربون من حمل مسئوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه تبعات اختياراتهم، ولأن الهروب أسهل وأهون من المواجهة، نجد نموذج الرومي والتبريزي يقدم المثال النموذجي لذلك الهروب، الهروب من المواجهة، وأولها مواجهة النفس، وهو ما يفسر هذه الموجة (ربنا يخلصها على خير بقى) التي ركبها كثير من شباب محبط لم نلاحظ سياق إحباطه الناتج بعد تداعيات الربيع العربي، والذي توافق مع ظهور كتابات (الحاجة إليف شافاق الله يسامحها)، وواكبه موجة من التجريب الموسيقى والفلس إن شئت الفني والأدبي، فيبدأ الاستدعاءات الأشعار التي كتبها أعلام التصوف كابن الفارض والحلاج وغيرهما، ويقدم لنا من بابين إما موسيقى التصوف والتي تخرج لنا مطربا اسمه زجزاج (باللي عليكم دا اسم مطرب دا حتى الاسم معناه وحش) لو حاكمناه طربيا لما تعدى 5 من عشرة، أو باب التجريب الموسيقى وهو ما لا أرفضه، لكن لا أستصيغ استمراره والترويج له باعتباره موسيقى صوفية، لسبب واحد عندي في فهمي، أن الصوفية لا موسيقى ولا رقص ولا حركة لها بالأساس والأصل، فهى البحث عن السكون لا الحركة.

أسهل حاجة الاتهام، شوف الاتهام ده:
عزيزي الجلالي التبريزي، أرجوك لتكن منصفا واجتهد قليلا وفكر، هذان رجلان أحبا الاختلاء إلى بعضهما دون الناس، وأحبا الحديث بكلام (غامض) لا يفهمه غيرهما، ثم وبإضافة السياق التاريخي لتاريخ الجنس في تلك المنطقة، حاول أن تجد وصفا مناسبا لهما. ماذا؟ مصدوم من الاستنتاج الذي ربما تصل إليه؟ (شوف الاتهامات بسيطة إزاي؟)، لا تنزعج فكل شيء وارد كما يقول المثل الشعبي (حتى جواز العجايز اللي شبه التبريزي من طفلة زي كيميا).
صديقي الباحث عن الصوفية، ابحث عن الصوفية بنفسك عبر تاريخ التصوف لا عبر هؤلاء المعممين الذين (الدم بيبُك من خدودهم وتخمة بطونهم)، والقنوعين بتقبيل الغُر لأياديهم حبا وكرامة وبركة، فلا التصوف موجود عندهم ولا في حضرة رقصة المولوية التركية التي لا تمت بصلة للتصوف الحقيقي. التصوف يا صديقي هو اصطفاؤك لنفسك، أي هو بالأساس تقدير لنفسك ولداخلك إذ تصطفيها دون الناس.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان