كعب أخيل فى دولة إسرائيل

طلعت رضوان
2020 / 6 / 29

ذكرتْ صحيفة معاريف الإسرائيلية أنّ الحاخام (باروخ غزهى) وصف السيدات الإسرائيليات بأنهنّ ينشرن الفساد، بسبب صدورهنّ المكشوفة..ولبسهنّ البكينى..وأنّ من تعرى صدرها فهى مثل البقرة، حيث ضرعها مكشوف لكل الناس (جريدة اليوم السابع20يونيو2020)
وهذا الخبريدل على أنّ التعصب للدين..ونظرة الازدراء والاحتقارللمرأة شمل شــُـعب الدين العبرى الثلاثة (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) وعن الصراع بين التيارالدينى..والتيار العلمانى، صدركتاب (القوى الدينية فى إسرائيل بين تكفير الدولة..ولعبة السياسة- تأليف د.رشاد عبدالله الشامى- سلسلة عالم المعرفة الكويتى- يونيو1994)

وعن تأثيرالمرجعية التوراتية، ذكرأنّ حزب (مفدال) عارض فى برنامجه الانتخابى أى مشروع يتضمّن تنازلاعن (أرض إسرائيل التاريخية بوصفها أرض الأجداد) وشجب هذا الحزب الحكم الذاتى الفلسطينى، لأنه يمكن أنْ يؤدى إلى نشوء دولة فلسطينية..ولذلك فهويعارض بشدة حزب العمل، لأنه انحرف يسارًا فى مجال الدين والدولة.
ومن بين الأصوليين اليهود الحاخام صموئيل حاييم لاندوا الذى كتب العديد من المقالات، هاجم فيها موقف اليهود الأرثوذكس السلبى من الصهيونية..وأكد على أهمية الاستيطان فى (أرض إسرائيل) لأنّ الإقامة فى الأرض المقدسة، هى أحد الأوامرالدينية..وأنّ ((القبس الإلهى لايؤثرفى الشعب اليهودى إلاّوهوفى أرضه..وعليه لايمكن اعتبارإسرائيل أمة حية وهى تعيش فى المنفى)) ورفع شعار(التوراة والعمل) وقال إنه لايمكن أنْ يولد العمل كقوة مبدعة فى بناء الأمة دون التوراة التى هى جوهرالانبعاث. أما الحاخام مائيربرإيلان، فيرى أنّ التوراة والتقاليد الدينية ليست من صنع الإنسان، بل هى قوانين إلهية..ويرى أيضًا أنّ الدين اليهودى كما يهتم بشئون العبادة، فإنه ينظم شئون الدولة، فليس هناك ((فى اليهودية فصل بين الدين والدولة..وأنّ اليهودية تحتوى على كل الشرائع المطلوبة لتسييرشئون الدولة))
وكما زعم الأصوليون الإسلاميون أنّ الكوارث الطبيعية التى تدمرالبيئة وتقتل البشر، غضب من الله، كذلك يروّج الأصوليون اليهود، حيث قال حاخام إسرائيلى أنّ إعصاركاترينا بالولايات المتحدة الأمريكية غضب من الرب ضد الرئيس الأمريكى بوش، بسبب دعوته لانسحاب إسرائيل من غزة.
وقد ساد اعتقاد فى الثقافة السائدة، سواء فى مصرأولدى العرب، أنّ الحركة الصهيونية التى تزعّمتْ وخطــّطتْ لتجميع يهود العالم (فى مكان ما) يكون لهم بمثابة الوطن (سيناء أوأغندا أ فلسطين) بدأتْ على يد هرتسل (1860– 1904) وبصفة خاصة عند محطة المؤتمرالصهيونى الأول عام 1897، فى حين أنّ التفكيرفى الاستيلاء على أرض الشعب الفلسطينى بدأ قبل ذلك بأكثرمن خمسمائة عام، إذْ عندما زارالفيلسوف اليهودى موسى بن ميمون القدس عام 1327وجد بها يهودييْن إثنيْن فقط. فقرّرالدعوة للاستيطان اليهودى فى فلسطين..ومن بين الصهيونيين الذين كانوا يأملون فى إعادة بناء طائفة يهودية فى فلسطين، الحاخام يعقيبا يوسف.
روّجت الأصولية اليهودية لخرافة (الشعب المختار) وخرافة (أرض الميعاد) لدرجة أنّ الحاخام موشيه بن نحمان (1194– 1270) فى تفسيره للتوراة أضفى القداسة على أرض فلسطين..واعتبرأنها (مركزالعالم) وأنّ أورشليم هى مركز(أرض إسرائيل) وأنّ هذه الأرض هى المكان المناسب والوحيد لتأدية الوصايا الدينية المنصوص عليها فى التوراة..وأنّ الاستيطان فى (أرض إسرائيل) واجب دينى..وأنّ هذا الاستيطان يوازى ((كل فرائض التوراة)) ووصل تأثيررجال الدين على عقول اليهود فى أوروبا إلى درجة أنْ ((أصبح رفض أحد الزوجيْن الذهاب إلى (أرض إسرائيل) والعيش فيها مبررًا كافيًا، حسب الشريعة، للزوج لطلب الطلاق..وأنّ مثل هذه الاجتهادات كانت من الأسباب التى دفعت بعض اليهود للهجرة إلـى فلسطين))
ولأنّ هرتسل وآخرين من دعاة الصهيونية السياسية نادوا بأنّ الوطن المنشود لليهود لابد أنْ يقام على أسس علمانية، فإنّ الأصوليين لم يغفروا له أنه عندما ((زارالقدس انتهك العديد من الشعائرالدينية اليهودية، ليؤكد تمييزنظرته اللادينية عن العقيدة اليهودية..ولذلك يقول هرتسل فى كتابه (الدولة اليهودية) الذى صدرعام 1896 ((لن نسمح بظهورأية نزعات ثيوقراطية (= دولة دينية) لدى سلطاتنا الروحية..وسنعمل على إبقاء هذه السلطات داخل الكنيس والمعبد. فالمتسلطون الدينيون إذا حاولوا التدخل فى شئون الدولة سوف يلقون مقاومة عنيدة وشديدة من جانبنا)) أما الكاتب ماكس نورداو( 1849 – 1923) الزعيم الصهيونى وصديق هرتسل المقرب فكان مؤمنـًـا بأنّ التوراة ((تــُـعتبركعمل أدبى أقل من أعمال هوميروس والكلاسيكيات الأوروبية..وبأنها طفولية كفلسفة ومقززة كنظام أخلاقى))
وقد يتساءل البعض عن هذا التناقض، بين دعاة الصهيونية السياسية ودعاة الصهونية الدينية..وعن تفسيرهذا التناقض، كتب د.رشاد الشامى المتخصص فى الدراسات العبرية ((تكثرفى خطب دعاة الصهيونية السياسية الاقتباسات التلمودية، مما يوحى ببعض التناقض مع ما يتبين من علمانية هؤلاء القوم، فإذا علمنا أنّ هذه الاقتباسات كانت من أساليب دعاة الصهيونية التى تطـلــّــعتْ إلى الاستثمارالأقصى للدين، واستغلال القيمة الدعائية..والرصيد العاطفى الذى تمتلكه العقائد الدينية عادة، فى سبيل أهداف الصهيونية، زال اللبس واختفى التناقض)) * وأضاف د.رشاد ((ومعنى هذا أنّ الصهيونية العلمانية نظرتْ إلى اليهودية باعتبارها فولكلورالشعب اليهودى المقدس. ففكرة العهد بين الله والشعب الذى منح الخالق بمقتضاه الشعب (أرض فلسطين المقدسة) كانت بمثابة الأسطورة الشعبية ل (بن جوريون) ولكنه مع هذا استخلص منها برنامجًا سياسيًا. وقرّرحدود دولته مسترشدًا بمفاهيم العهد القديم التى لايؤمن هونفسه بها، ولكنه كان يتقـبّـلها ((كأساطيرشعبية يهودية)) وأنّ بن جوريون لم يكن يهمه إنْ كانت واقعة (الوعد الإلهى) حقيقة أم لا، بل المهم أنْ تكون هذه الأسطورة مغروسة فى الوجدان اليهودى، ولذلك يجب أنْ تكون سارية المفعول، حتى بعد أنْ ثبت أنّ الوعد الإلهى المقطوع هومجرد أسطورة شعبية، ليس لها أى مصدرإلهى، وليست هناك ضرورة لإثارة ما إذا كانت التوراة من أصل سماوى أوأرضى..وعندما سئل بن جوريون عما إذا كان يؤمن بالله أجاب ((السؤال هومن الله؟ إنّ معظم اليهود يتصورونه رجلا عجوزًا. بيد أننى أومن بوجود قوى مادية فحسب فى العالم)) وعلّق د.رشاد قائلا ((بالرغم من هذه النظرة السلبية إلى الدين، فقد كان بن جوريون يدرك أهمية استغلال الدين فى سبيل تدعيم الفكرة الصهيونية..واجتذاب المهاجرين إلى فلسطين. فأعلن ذات مرة أنّ ((خلود إسرائيل يتميّزبإثنتين: دولة إسرائيل والتوراة)) وفى مناسبة أخرى قال ((على دولة إسرائيل أنْ تعتمد على نفسها وعلى إلهنا الذى فى السموات)) ولذلك فإنّ بن جوريون أخذ فى الحسبان الاعتبارات السياسية والحزبية ومسئولية الدولة، ونحّى آراءه الشخصية جانبًا عندما بدأ فى وضع أسس التعايش بين المتدينين والعلمانيين. لقد كان بن جوريون يتطـلــّع إلى بناء دولة عصرية، حتى لوخالف ذلك كل ما ورد فى التوراة..وكان يؤمن بأنّ العمل الصهيونى هوالكفيل ببناء الدولة والمحافظة عليها وليست الغيبيات، لأنه كان يعتقد أنّ الغيبيات انتهى دورها فى حياة اليهود منذ قيام الدولة..وكتب بن جوريون ((على اليهودى من الآن فصاعدًا، ألاّينتظرالتدخل الإلهى لتحديد مصيره. بل عليه أنْ يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية مثل الفانتوم والنابالم..وأنّ الجيش الإسرائيلى هوخيرمفسرللتوراة)) وكان يرى أنّ للدين وظيفة عليه القيام بها وكفى..وهوما عبّرعنه عندما قــال ((إنّ الدين هووسيلة مواصلات فقط..ولذلك يجب أنْ نبقى فيها بعض الوقت لاكل الوقت)) ولم يكن يرتاح للمتدينين والحاخامات لذلك قال ((إنّ حياة اليهود لوتــُـركت للحاخامات لظلوا حتى الآن كلابًا ضالة فى كل مكان يضربهم الناس بالأقدام..ويحتمى اليهود من أقدام الأغلبية الساحقة لهم فى كل مكان بأحلام العودة إلى أرض الميعاد والأجداد وانتظارالمسيح، الذى سيهبط عليهم من السماء لينقذهم ويقوم لهم بكل العمل، بينما هم يصلون الفجروالعشاء ويبكون ليلا ونهارًا))
000
فى مقابل التيارت الدينية التى تؤيد الاستيطان الإسرائيلى، وترفض أى حق للشعب الفلسطينى فى أرضه، هناك تيارات دينية أخرى تخالف الأولى وترفض الصهيونية السياسية، إلى درجة الهجوم العنيف على مؤسس الصهيونية السياسية هرتسل وأنصاره. من أمثلة ذلك الأحزاب الدينية المسيحانية المعارضة لدولة إسرائيل..وهم يؤمنون بأنّ الخلاص المسيحانى لايمكن أنْ يتم بوسائل بشرية، سواء كانت هذه الوسائل المال أوالسلاح، وأنّ الذين يسمون أنفسهم بالصهيونية ومساعيهم الرامية إلى تأسيس دولة قومية يهودية فى فلسطين، تتنافى مع العقائد المتعلقة بانتظارمجيىء المسيح فى اليهودية، وأنّ بناء مملكة إسرائيل لابد أنْ يتم على يد المسيح المنتظر. وأنّ هرتسل قادم من ((الجانب الملوث)) وأعلن المجلس الأمريكى لليهودية- وهوتنظيم مناوىء للصهيونية– ((إننا نعترض على إقامة دولة يهودية فى فلسطين أوفى أى مكان آخر، فتلك فلسفة انتهازية )) ويرى هذا التيارالرافض للصهيونية السياسية أنّ تحقيق ((هدف العودة سيكون على يد (يهوه القدير) نفسه الذى سيُرسل المسيح المخلص للقيام بهذا العمل..وليس ذلك من عمل شعب الله المختار)) ورفضتْ حركـة (نطورى كارتا) الاعتراف بالصهيونية وبدولة إسرائيل..وذلك لأنّ هذه الدولة قامت على يد نفرمن الكفرة الذين حرّفوا مشيئة الله بعملهم وتطاولوا على الرب)) ولذلك فإنّ غالبية هذا التيارلايخدمون فى الجيش الإسرائـيلى..ولديهم شبكة تعليم خاصة بهم..ويُقيمون فى أحياء منفصلة عن الجمهورالعلمانى. بل إنّ أحداث النازية وفقــًا لهذا المنظوربمثابة عقاب من الرب..وقصاص من أولئك الذين انتهكوا وصايا التوراة وأوامرها وسعوا للتشبه بالأمم والانصهاربها أولاثم بالتصميم على إنشاء دولة يهودية على غرارالدول الأخرى ثانيـًـا.
وبعد حرب يونيو67 طرأ تحوّل على مواقف معظم الأحزاب الدينية، حيث أعتبرتْ هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية لبداية الخلاص المسيحانى..ورغم ذلك انطلق صوت أحد الحاخامات ليؤكد أنّ ((دولة إسرائيل ككيان صهيونى هى تعبيرعن الكفروالتمرد على إرادة الله..وبينما تدعوإحدى الحركات الصهيونية إلى عدم التنازل عن الأراضى التى إحتـلتها إسرائيل من منطلق أحكام الشريعة الدينية، فإنّ جماعة أصولية أخرى عارضتْ هذا التفسير..وتساءل الحاخام الأكبرلهذه الجماعة ((كيف يقف الرب بجواردولة كافرة وملحدة لتنتصرفى الحرب؟))
يُعادى أتباع حركة (نطورى كارتا) الصهيونية، وينادون بالانعزال عن دولة إسرائيل، لأنها قامت على يد نفرمن الكفرة الذين تحدوا مشيئة الله وإرادته بإعلانهم دولة إسرائيل، بدلامن انتظارالمسيح..ومن الأمورالتى يتوقف أمامها الباحث، أنّ هذه الحركة أدانتْ غزوإسرائيل للبنان عام 1982..كما أنه بعد أنْ صدرتْ قرارات المجلس الوطنى الفلسطينى عام 1988 والتى أعلنتْ قيادة فلسطينية فى الضفة والقطاع والاعتراف بإسرائيل عمليًا، فإنّ جماعة (نطورى كارتا) أيّدتْ الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية..وفى نفس الوقت احتجّتْ على اعتراف منظمة التحريرالفلسطينية بإسرائيل..وإذا كانت الغالبية العظمى من الأحزاب الإسرائيلية تعتبرالكفاح الفلسطينى المسلح إرهابًا، فإنّ (نطورى كارتا) ترى أنّ هذا الكفاح مشروع..وقال الحاخام موشيه هيرش ((نحن ضد سفك الدماء..وأيضًا منظمة التحريرالفلسطينية ضد سفك الدماء..ونحن نؤيد حق الفلسطينيين فى استرجاع ما أخذ منهم بالقوة)) وقال أيضًا ((إذا كان هناك إهتمام وحرص من جانب الصهيونية تجاه اليهود، فعليها إصلاح الظلم الذى سبّبته للشعوب الأخرى)) وانتقد بقوة الحركات التى تحاول إجبارأتباعه على الخدمة فى الجيش الإسرائيلى..وقال ((إنهم يريدون إنضمامنا إلى آلة الحرب ضد العدوالذى أوجدوه خدمةً لمصالحهم..ولتوسيع سيطرتهم على مناطق تابعة لشعوب أخرى))
ومن بين الأحزاب الدينية الأقل تطرفــًا حزب (ديجل هتوراه) فذهب رئيسه بعد انتخابات عام 1988 إلى حد الموافقة، ليس على الانسحاب من المناطق المحتلة فحسب، بل على قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح. وأعرب عن استعداده لتأدية التحية لعلم هذه الدولة.
000
مخاطر الأصولية الدينية على المجتمع الإسرائيلى:
هذه التناقضات داخل التيارات الدينية الإسرائيلية، يواكبها تناقضات أخرى بين الأصوليين اليهود وبين العلمانيين..ويتمثل الصراع بين الطرفيْن فى الموقف من طبيعة الدولة التى ينشدها كل فريق. فبينما يرى العلمانيون أنّ المواطنين متساوون فى الحقوق والواجبات، يرى الأصوليون العكس. ويحرصون على التميزالذى يهدد أى مجتمع..ومن أمثلة ذلك الموقف من المرأة، حيث لايجوززيارة النساء لحائط المبكى..ورفض السماح لهنّ باستخدام حمامات السباحة المشتركة..ويـُـحظرعلى النساء لبس الملابس القصيرة أوالشفافة أوالخروج دون جوارب تغطى الساقيْن..وعلى المرأة حلق رأسها..وعدم خروج صوت غناء النساء خارج البيت..وعندما تكون الزوجة فى فترة الطمث، فلايجوزأنْ ينام زوجها معها فى سريرواحد..وإذا ناما فى سريريْن منفصليْن ولمس أحدهما الآخر، فهذا مُـحرّم.
وأخذ التطرف الدينى مداه إلى درجة الضغط على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لإستصدارتشريع يُحرّم تربية الخنازير..وقانون آخرينص على قداسة يوم السبت، حيث لايجوزتشغيل المواصلات العامة. وكذلك إغلاق المحلات العامة (عدا المطاعم والملاهى) وعدم القيام بأى عمل مهما كان فى مشروعات حيوية كثيرة، مثل الموانى وغيرها. والمحافظة على الطعام الدينى (الكاشير) وعدم تشريح جثث الموتى..وعدم زواج أى كاهن من أية مطلقة..ووصل الأمرلدرجة أنْ تشكل داخل حزب (المفدال) الدينى تشكيل خاص بالمرأة أطلقوا عليـه (كتلة المرأة المتدينة) وعلى الرغم من أنّ كافة الإسرائيليين ملزمون بأداء الخدمة العسكرية لمدة ثلاث سنوات، فإنّ أعضاء المدارس الدينية التابعة لمجلس كبارعلماء التوراة معفون من أداء هذه الخدمة..وأيضًا الوقوف بكل حزم ضد تجنيد النساء فى الجيش..وفسّركثيرون الإصرارعلى الاعفاء من الخدمة العسكرية على أنه هروب من خدمة الوطن، بحجة دراسة الديـن، وهوالأمر الذى جعل بن جوريون يــُـردّد دائمًا ((إننا نريد أمة من الجنود، لا أمة من الكهنة))
ويتصاعد التطرف والتعصب إلى درجة أنّ أتباع الطائفة (الحريدية) واثقون من أنهم يملكون الحقيقة لفهمهم للكتب المقدسة..وأنّ طريقهم هوالطريق الصائب الوحيد..كما أنهم يستخدمون وسائل (الإكراه الدينى) والتدخل فى حياة الآخرين..وكل الوسائل بالنسبة لهم مشروعة، بما فى ذلك استخدام سلاح الاعتداء والمتفجرات ضد اليهود الآخرين الضالين. ويشنون حربًا على الثقافة العلمانية للمجتمع الإسرائيلى..ويهاجمون دورالسينما وحمامات السباحة المشتركة والصحف العلمانية..ويعتقدون أنهم يشنون هذه الحرب (المقدسة) باسم الرب..ويقاطعون مدارس ومعاهد تعليم اللغات الأجنبية.. ويُـصدرون تعليماتهم إلى أتباعهم بعدم الاشتراك فى انتخابات الكنيست أوالانتخابات المحلية.. وعدم تناول أى طعام أوشراب غيرمصرّح به من قبلِ محكمة الطائفة..والإيمان القاطع بأنّ إقامة الدولة الصهيونية قبل قدوم المسيح المنتظر، إنما هوعقاب خطيرمن الله..وأنّ الكنيست (البرلمان الإسرائيلى) تدنيس لأوامرالله وإهانة للتوراة، لأنّ قوانينه تتناقض مع شريعة موسى.
000
مقاومة الأصولية الدينية:
فى مقابل التطرف الأصولى، فإنّ المجتمع الإسرائيلى يشهد أشكالامن المقاومة لتحجيم دورهذه التيارات التى تسعى إلى إقامة دولة دينية فى إسرائيل، معادية للسلام وللعلم ولحقوق الإنسان. من أمثلة تلك المقاومة، محاولة العلمانيين إفراغ الشريعة من مضمونها، مثل عقد الزواج المختلط فى جزيرة قبرص..وعقد الزواج دون اشتراك أى حاخام فى حالة المنع الدينى. أوفى حالة رفض عقد طقوس الزواج الدينية..وتقوم المحاكم المدنية بدورمهم فى هذا الصراع، حيث تتعرّض أحكام الشريعة اليهودية (الهالاخاه) للانتقاد..ويتم التساهل مع كل محاولات الإلتفاف حولها وتجنبها. والمثال الواضح على ذلك أنّ محكمة العدل العامة (الإسرائيلية) أقرّت بمبدأ تسجيل من تزوّجوا زواجًا مدنيًا أومختلطــًا أوفى احتفال مدنى فى سجلات الزواج..كما حدّد المشرع فى القوانين المتصلة بالأحوال الشخصية، أنّ أحكامه ملزمة لكل من المحاكم المدنية والمحاكم الدينية، مثلما حدث بالنسبة لقانون (المساواة فى الحقوق السياسية للمرأة) الذى صدرعام 1951 حيث لم يلتفت إلى حكم المحكمة الربانية التى أقرّتْ بعدم توافق هذا القانون مع أحكام الشريعة اليهودية..كما أنّ هناك قطاعًا من الجمهورالدينى نفسه لايعترف بهذه المؤسسة الدينية..كما أنّ محكمة العدل العليا (الإسرائيلية) تتدخل كثيرًا فى أحكام (الحاخامية الرسمية) وتتدخل فى انتخابات الحاخام الأكبر..وتــُخضع أعمال الحاخامية لإشرافها..وبالنسبة للقوانين التى تتصل بأحكام (منع) وفقــًا للشريعة اليهودية، مثل أحكام يوم السبت وتربية الخنازير، توجد قوانين تسمح بتجاوزها..كما أنّ الدوائرالطبية اعترضتْ على الأصوليين الذين يرفضون تشريح جثث الموتى، واعتبرتْ أنّ هذه المطالب فيها مساس بمستوى البحث العلمى والخدمة الطبية..كما أنّ المغالاة الأصولية أدّتْ إلى ارتفاع الأصوات التى تطالب بأنْ يكون الزواج مدنيًا..وضرورة فصل الدين عن الدولة..وهذا المطلب يريد مؤيدوه، ليس الفصل الرمزى بين دولة إسرائيل كدولة يهودية وبين التقاليد الدينية اليهودية، بل يُطالبون أساسًا بالفصل على المستوى الرسمى والقضائى. وقد ترتّب على إزدياد التوترالدينى..وإزدياد تدخل الأصوليين فى شئون الأفراد فى حياتهم اليومية، ترتّب على ذلك تكوين رابطة لمنع (الإكراه الدينى) تأسّست عام 1950 وأقامتْ هذه الرابطة فروعًا لها فى المدن الثلاث الكبرى..وفى عام 1960 جدّدتْ الرابطة نشاطها بعد سلسلة من الأزمات الدينية..وعلى الأخص بعد طرح مشكلة: من هواليهودى؟ وكثــّـفتْ الرابطة عملها فى خريف 1963 حيث نظــّـمتْ مظاهرة فى القدس ضد العنف المتزايد من المتدينين..وسارتْ فى هذه المظاهرات جماعات كثيرة من الشباب (العلمانى) وهم مسلحون بالعصى إلى حدود الأحياء الدينية. وإذا كان نشاط هذه الرابطة قد تعرّض لإهتزازات كثيرة، إلاّ أنّ تأثيرها كان كبيرًا..وكانت رمزًا، إلى حد ما للإتجاه المتزايد من أجل خلق ثغرات عميقة بين المعسكريْن الدينى واللادينى فى إسرائيل..كما أنّ إعفاء طلبة المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، مثاراعتراض ومقاومة دائمة من الأحزاب العلمانية.
وكتب الأديب الإسرائيلى (عاموس عوز) عن الشباب المتدين ووصفهم بأنهم ((حمقى ومجانين تحرقهم أنوارالنبوءة. أولئك الذين كانوا يعتقدون أنهم خـُلقوا ليصلحوا العالم..وكل واحد منهم يعتقد أنه هونفسه المسيح المنتظرالذى سيُخلص اليهود من آلامهم..وفى سبيل هذا الاعتقاد فهوعلى استعداد دائم لصلب معارضيه، ليُصلب هونفسه فى النهاية)) إنّ الأسى فى كلمات هذا الأديب من تغلغل الأصولية الدينية، يستدعى إلى الذاكرة كما قال د.رشاد الشامى النظرة التى سادتْ الدولة الإسرائيلية فى سنواتها الأولى، التى كانت ترى أنّ الدين أمرمتخلف ولابد من محاربته..ولعلّ هذا ما دفع الصحفى الإسرائيلى شالوم كوهين أنْ يناقش خطورة الأصولية الدينية التى تـُهدد المجتمع الإسرائيلى فى كتابه (الرب برميل بارود– إسرائيل ومتطرفوها) وهوالكتاب الذى قام بعرضه المفكرالمصرى إسماعيل صبرى فى صحيفة الأهرام عدد 15/ 4/ 1990 ص5.
بل إنّ شخصية إسرائيلية كبيرة مثل جولدا مائير، هاجمتْ النبى موسى لأنه قاد اليهود فى التيه سنوات طويلة وعسيرة، ثم استقربهم فترة من الزمن القديم والغابرفى أرض لم يكتشفوا فيها البترول)) ( نقلاعن محمد عيسى الشرقاوى– أهرام 11/ 6/ 2001 ص 6 )
وبفضل هذا الإيمان بالفكرالعلمانى، يمتلك أساتذة الجامعة الإسرائيليون شجاعة الاعتراض على الحكومة، إذْ ((وقــّـع 37 أستاذًا من جامعة بن جوريون فى بئرسبع مذكرة إحتجاج على منح رئيس الوزراء إريل شارون شهادة دكتوراه فخرية من الجامعة..وجاء فى المذكرة التى نشرتها الصحف الإسرائيلية: إننا نحتج على هذا القرارلأننا نعتقد أنّ مثل هذا التكريم يجب ألاّيتناول شخصًا تعتبرخياراته الأساسية موضـع جدال)) (أهرام 22/ 11/ 2001 ص8)
وبفضل الإيمان بالفكرالعلمانى يخرج الشباب الإسرائيلى فى مظاهرات لتأييد الرافضين للخدمة العسكرية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة (أهرام 11 يناير 2004 ص4) وبفضل الفكرالعلمانى نظـّـم إسرائيليون وصل عددهم إلى أكثرمن 400 ألف مظاهرات ضخمة عام 1982 عقب غزوإسرائيل لأراضى الشعب اللبنانى.
هذا الصراع بين التيارات الدينية والتيارات العلمانية، غائب تمامًا عن خريطة الإعلام المصرى (والعربى) حيث يـُـحذركثيرون من الكتاب الإسرائيليين من أنّ ((إسرائيل قد تتطورإلى دولة تفرض فيها المؤسسات الدينية والدوائرالدينية طابعها بشكل عام فى مجالات الحياة)) وكتب الباحثان (موشيه ليسك) و(دان هوروفيتس) أنّ ((أخطرصدع يهدد الهوية الثقافية للمجتمع الإسرائيلى هوالصدع الدينى/ العلمانى..وهومن شأنه أنْ يزداد حدة فى المرحلة المقبلة أكثرمن أية مرة فى الماضى. إنّ القطاع (الحريدى) وصل إلى قوة ديموجرافية واقتصادية، جعلته قطاعًا مستقلا ذاتيًا..وهويوجد بصورة استبدادية ويتلقى أموالامن الحكومة..وأنّ هذا القطاع أصبح دولة داخل الدولة..وبالتالى فإنه يوجد فى إسرائيل شعبان لايمكن أنْ يعيشا معًا..والخطرالذى ينطوى عليه هذا الأمرهوإدخال الدين فى السياسة)) وهذا الإيمان بالفكرالعلمانى جعل (ألوميت شالونى) عندما كانت وزيرة التعليم ترفض تخصيص أية مبالغ من ميزانية الوزارة للمدارس أوالمعاهد الدينية. بل ورغم أنها وزيرة صرّحتْ بأنّ الجولان أرض سورية.
وكان هرتسل وهو يُشجع اليهود على الهجرة إلى فلسطين يقول لهــم ((لدى خروجنا من مصرمرة أخرى، لن ننسى خلفنا قدراللحم )) وهوهنا يذكــّـراليهود بموقف جدودهم الذين ندموا لأنهم استجابوا لكلام موسى وهارون وخرجوا من مصروتذمّروا وعاتبوهما قائلين ((ليتنا متنا بيد الرب فى أرض مصر، إذْ كنا جالسين عند قدوراللحم ونأكل خبزًا حتى الشبع. فإنكما أخرجتمونا إلى هذا القفرلكى تميتا كل هذا الجمهوربالجوع)) (خروج 16: 2) والمعنى عند هرتسل كان مزدوجـًـا. فهويقول لليهود إنكم لن تجوعوا فى فلسطين كما جاع جدودكم بعد خروجهم من مصر..وكذلك فإنكم بعد استيطانكم أرض فلسطين، سوف تظلون أوروبيين..وهوما عبّرعنه عندما قال ((إنّ دولة اليهود سوف تصبح بمثابة سويسرا صغيرة فى قلب الشرق الأوسط)) ولكن ها هوالواقع يُـكذب الصورة التى حلم بها وتمناها. إذْ تحوّلتْ إسرائيل بفضل الأصوليين اليهود الذين يسعون إلى المزيد من التوسع ورفض إقامة الدولة الفلسطينية..ومعاداة أنصارالسلام، وتهديد كل شعوب المنطقة بعدم الاستقرار، تحوّلت سويسرا الصغيرة فى قلب الشرق الأوسط، فى حلم هرتسل اليوتوبى إلى بؤرة توتر. وإلى حروب دموية، يدفع ثمنها الشعب الفلسطينى واللبنانى والإسرائيلى..وإذا كان المجتمع الإسرائيلى يتمتع بوجود علمانيين يقاومون التعصب الأصولى اليهودى، فإنّ مصــر(والمجتمعات العربية) تحتشد لمهاجمة أى صوت علمانى، لدرجة التكفيروالاغتيال..والنتيجة أنه بينما يرفض الأصوليون (فى كل دين) نداء السلام، فلايعلوصوت فوق نعيق الغربان.
***