إثيوبيا من التسويف والتعنت الى التبجح والاستفزاز

احمد البهائي
2020 / 6 / 28

عندما يبادرك العزم لشراء مواد استهلاكية او جهاز او سيارة او عقار، ايا كان نوع هذا الشراء ، وبعد الإطلاع على المواصفات الفنية ، يكون لزام عليك معرفة ما لك وما عليك ، هنا مازالت الحالة او العملية تندرج تحت الاتفاق الشفوي ، او اتفاق عبر الإعلان يشرح محتوى ما اتفق عليه ، وبمجرد إتمام عملية الشراء وتم الاتفاق المكتوب ، اصبح اتفاق مدون بين الاطراف يحدد حقوق وواجبات كل طرف ، وبعد الإطمئنان على الاتفاق نصا مكتوبا ، يدخل حيز القانون بمجرد التوقيع عليه ، ليصبح إلزاما قانونيا (سلطة عليا تراقب وتحاسب) .

اذا اراد الافراد او الاشخاص إن ينفذوا اتفاقات بينهم ،وجب عليهم اتباع تلك الاجراءات ، فما بالك بالاتفاقات الدولية التي يراد ابرامها ، الحقيقة ،ان جميع الاتفاقات الدولية عند إبرامها ينتج عنها " عقود " ، وان الاطراف المتعاقدة تخلق التزامات قد تكون جديدة بينهم ، اوالتزاما يكون مستندا على جملة من القوانين الدولية المنظمة والمتعلقة بموضوع الاتفاق التي قد تكون وضعت مسبقة ، لذلك يتحمل اطراف العقد مسؤولية الإيفاء بالالتزامات التي تعهدوا بها في منع شئ ما وبتنفيذ امر ما او عدم تنفيذه ، وعندما يصل الاطراف الى إتفاق ينتج عنه عقد ، هذا يعني ان الاطراف قد توصلوا الى تفاهم بينهم تم بمحض ارادتهم لتحمل المسؤوليات في سبيل القيام بعمل ما وصولا لتحقيق اهدافهم التي اجتمعوا عليها ،ومن هنا تخضع الاتفاقية لقانون العقود ،التي لها صفة قانونية تضمن تنفيذها، وتدفع اطرافها لإحترام ما اتفقوا عليه وفق برامج وخطط مرسومة ومدروسة، وبسط الارضية لإنجاح ذلك وبالتالي الإسهام في تطوير الإقتصاد القومي .

فقد قال وزير الخارجية الاثيوبي غيدو أندارغاشيو إن "أي قوى داخلية أو خارجية لن تمنع إثيوبيا من إنجاز سد النهضة الذي يتم بناؤه بجهد إثيوبي خالص على جميع مستويات الحياة " ،يتضح من ذلك ، ان ما تريده اثيوبيا ألا يكون هناك إتفاق ، بينها وبين مصر لحل ازمة سد النهضة الذي تشيده على النيل الأزرق قرب الحدود مع السودان ، إعلان إثيوبيا استعدادها لملء السد بشكل أحادي يفاقم الأزمة ويدفعها في طريق مسدود، خصوصاً في ظل التعنت بشأن الاستمرار في بناء السد وملئه، من دون التشاور مع دول حوض النيل كما تنص الاتفاقيات سواء كانت المبرمة مع مصر او الاتفاقات التي اجمع عليها القانون الدولي ، ما تقوم به اثيوبيا لم يعد تعنتا بل هو في حقيقته استفزازا واضحا وصريحا ، فهى تريد فرض سياسة الامر الواقع ، حيث رفضت مناقشة الجوانب القانونية، وإبرام إتفاقية ملزمة وفق القانون الدولي، وتمسكت فقط بقواعد إرشادية يمكن لها تعديلها بشكل منفرد تنفذ ما تشاء وقتما تشاء ، فهى تريد الهروب من نص الإلزام حتى لا يصبح واجب قانونيا ، الذي هو في جوهر حقيقته يعتبر أهم من النواحي والاجراءات الفنية ، التى تريد كذلك فرضها على مصر فرضا بما يحقق مصالحا دون مراعاة مخاطرها على بقية الاطراف ، وفي حالة تقصيرها او الإخلال بها لايقع عليها محاسبة قانونية ، ان كل ما تريد ان تقدمه اثيوبيا هو تعهد شفهي فقط ،بمعنى ان تقطع على نفسها عهد في هذه الحالة يأتي للتعبير عن حسن النية وليس من منطلق الخوف من التعرض للمسألة القانونية اذا لم تفي بذلك، فهذا العهد ليس له تقيد بالقانون اطلاقا ، وعليه فان الاتفاق التي تريد في مثل هذه الحالة لا يعتبر خرقا للقانون وليس له التزامات قانونية في حالة عدم الوفاء به ، هذا ما تريده اثيوبيا وتعمل عليه ، هو أن يكون الاتفاق غير ملزم، و أن تعدل قواعد الملء والتشغيل كما تشاء ومن وقت لآخر، وأن يقتصر الاتفاق علي قواعد الملء والتشغيل، دون مراعاة الأنصبة المائية ( الأمن المائي) أو أمان السد، او فترات الجفاف .

هذا الإستفزاز جعل مصر تلجأ اخيرا الى مجلس الامن ، الذي جاء في حقيقته متأخرا كثيرا ، وكان واجب على مصر اللجوء اليه منذ فترة ، بعد كل تعنت تظهره اثيوبيا اثناء كل اجتماع وذلك على مر تسع سنوات ، الذي يؤكد ان ما تقوم به اثيوبيا استفزاز ، انه أثناء ذلك، قللت اديس بابا من أهمية تلك الخطوة ، بل وجدد وزير خارجيتها التأكيد على أن بلاده تعتزم البدء في تشغيل سد النهضة حتى دون التوصل لاتفاق مع مصر .

لنتساءل ، لماذا الان ، وفي هذا التوقت ، اهتم الاتحاد الإفريقي بالازمة !! ، داعيا الى عقد اجتماعا طارئا، لبحث تطورات ملف سد النهضة ، المتعثرة مفاوضاته بين القاهرة وأديس أبابا ،مع ذلك ، ما يهمنا الان ، ان تكون مصر مستعدة وجاهزة ، بالقرار البديل ، ومعتمدة على نفسها كامل الاعتماد ، رغم ما قيل عن ان هناك تقدم قد حدث في الاجتماع العاجل للاتحاد الأفريقي ،والإشادة بان هناك محادثات مثمرة للحلول الأفريقية حول ملف سد النهضة ، وانه تم حل أكثر من 90% من القضايا الخلافية في إطارة أزمة سد النهضة في هذا الاجتماع ، إلا ان ما قدمه الجانب الاثيوبي على مدى السنوات الماضية ، يؤكد انه مفاوض غير نزيه، وغير جاد، ومراوغ، ومناور، ومتسايف ، ومتعنت ،ولا يريد حلول ، ومستفز ، ويريد فرض سياسة وحالة الامر الواقع ، وهذا ما وقع بالفعل ، فبعد ان اعلنت اديس بابا قبولها وقف ملء خزان السد إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي خلال اسبوعين ، وهذا ما صرح به وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيليشي بيكيلي بعد الاجتماع الطارئ للإتحاد الافريقي ،الذي عقد بدعوة من رئيس جنوب إفريقيا سيريل راموفوزا، وشارك فيها كل من الرئيس المصري، ورئيس الوزراء الإثيوبي، ورئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، والرئيس الكيني أوهورو كينياتا، ورئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، ورئيس وزراء مالي إبراهيم بوبكر كيتا، ورئيس مفوضية الاتّحاد الإفريقي موسى فكي ، وابلاغ مجلس الأمن بالأمم المتحدة بما تم التوصل فيه من اتفاق ، خرح مكتب رئيس الوزراء أبيي أحمد بتصريح يناقض ذلك تماما في اليوم التالي للاجتماع العاجل للاتحاد الافريقي ، قائلا ،ان اثيوبيا تنوي بدء ملء سدها العملاق على نهر النيل في "الأسبوعين المقبلين"، متعهدة في الوقت نفسه بمحاولة التوصل إلى اتفاق نهائي مع مصر والسودان خلال هذه الفترة، برعاية الاتحاد الإفريقي ،لنتساءل مرة اخرى ،الى متى ستستمر اديس بابا تناور وتماطل وتتلاعب بمصر كما تريد ؟ .ومتى تتخذ الادارة المصرية موقف حازم تجاه هذا التعنت والتسويف والتبجح والاستفزاز الاثيوبي؟ .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا