المفكر الذى تحدى الكهنوت الثقافى لعصره

طلعت رضوان
2020 / 6 / 26

المفكرالذى تحدى الكهنوت الثقافى لعصره
أثارالشاعرالإيطالى الكبيردانتى اليجرى (1265- 1321) الكثيرمن اللغط حول ملحمته الشهيرة (الكوميديا الإلهية) مثل الادعاء بأنه تأثربالشاعر(المعرى) فى (رسالة الغفران) وقد كتب الناقد الكبير(درينى خشبة) ست مقالات فى مجلة الرسالة القاهرية فى أعداد سنة1936 نفى فيها تأثردانتى بالمعرى، مع ملخص للجحيم والمطهر والفردوس..وفى كتاب د.عائشة عبدالرحمن الشهيرة ببنت الشاطىء عن (رسالة الغفران للمعرى، أنكرتْ فيه تأثردانتى بالإسلام أوبالمعرى..وهذا التأكيد بنفى تأثردانتى بالمعرى أوبالإسلام، أكــّـده (حسن عثمان) الذى ترجم الكوميديا الإلهية إلى اللغة العربية..وهذا المترجم عكف على الترجمة لمدة عشرين سنة..وبجانب إجادته للغة الإيطالية..كان يـُـجيد عدة لغات، فقرأ الترجمات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وقارن بينها وبين الأصل الإيطالى..كما أنه- وفق ما جاء فى تقديمه لترجمته- درس الواقع الثقافى والسياسى للعصرالذى تواجد فيه دانتى..ومن بين ما ذكره أنّ دانتى رفض أنْ يكتب الكوميديا الإلهية باللغة الكلاسيكية السائدة فى عصره (اللاتينية)
وعن هذا الدورالذى قام به دانتى (تحديه لمثقى عصره) الذين كانوا يحتقرون لغة الشعب فى حياته اليومية..وأطلقوا عليها (عامية) غيربليغة..ولاترقى لمستوى اللغة اللاتينية (الفصحى) فإنّ دانتى كذّب رؤيتهم..ومغالطاتهم..وأنّ لغة الشعب مليئة بجمالياتها، سواء فى الوصف أوفى حواراته مع من أدخلهم الجحيم..ومن أدخلهم الفردوس..ومن يقضون (فترة التطهـُـر) قبل دخول الفردوس..وعلى سبيل المثال فإنّ (فرجيليو) الذى استقبل دانتى فى زياراته للجحيم قال له: إنّ المسيح هبط هنا لإنقاذ بعض المعذبين، مثل آدم وموسى وداود..وأدخلهم فى زمرة السعداء..وفى الجحيم رأى دانتى: اليكترا، هيكتور، قيصرالمسلح..وديمقريطس الذى جعل العالم (وليد الصدفة)
وفى الأنشودة الخامسة (من الحلقة الثانية من الجحيم) سمع صرخات من يلعنون القدرة الإلهية..وفى الأنشودة السابعة (من الحلقة الرابعة من الجحيم) رأى دانتى ((جماعة تنبح..وعرف أنهم كانوا قساوسة وبابوات وكرادلة..وأنّ حياتهم الخالية من المعرفة جعلتهم أدنياء))
000
وكان من رأى مؤرخى حياة دانتى من الأوربيين أنه الأب الروحى للأدب الإيطالى، وواضع أساس الأدب القومى..وهذا الرأى أيــّـده وأكــّـده د.لويس عوض الذى أضاف أنّ دانتى أول شاعركبيريستخدم اللغة (العامية) الإيطالية فى التعبيرالأدبى البليغ..وبذلك مكــّـن الإيطاليين من الاستغناء (درجة درجة) عن الكتابة باللاتينية..وهى من المنظور العربى (عامية اللاتينية) وأنها (اللغة الفصحى) التى استمرّتْ أكثرمن أربعة عشرقرنــًا هى اللغة الرسمية فى روما..وفى كافة أنحاء الامبراطورية الرومانية..وبالتالى كان هناك (ازدواج لغوى) فالمواطنون يقولون شيئــًـا..ويكتبون شيئــًـا آخر، الأمرالذى أدى إلى (شلل) فى التعبيرالوجدانى التلقائى..وكل وصف صادق للحياة..وحبس العاطفة والخيال فى إطارالبلاغة التقليدية الإنشائية، بينما لغة الناس المنطوقة فى حياتهم اليومية تتميــّـزبالصدق والحيوية والتلقائية..وقدرتها على التعبيرأكثرمن اللاتينية..ولذلك اقترب ظهورالآداب الأوربية الحديثة بالثورة على اللغة اللاتينية..واعتماد اللغات (العامية) للتعبيرالأدبى فى الشعروالنثر..وقد اقترن هذا التحول بظهورالقوميات الحديثة فى أوربا..وسيادة لغة الشعوب، على اللغة الرسمية السائدة..ولذلك كان اتخاذ لغة الكلام لغة للكتابة..وللتعبيرالأدبى (ثورة كبرى) رسّـختْ دعائم القوميات الحديثة..ومهـّـدتْ للديمقراطية منذ بدايات عصرالنهضة الأوربية.
وفى القرنيْن الثانى عشر..والثالث عشرانتشرفى فرنسا شعراء التروبادور..وشاع الشعرالغنائى الذى يرتجله الشعراء الجوالون (ومعظمهم من الأميين) وهم أشبه بشعراء المواويل الشعبية (فى مصر) وأشعارهم ومواويلهم أخذتْ مصطلح (شعرمجهول المؤلف)
ومن هنا كانت أهمية محاولة دانتى للاعتراف بتلك اللغة التى يتكلمها الناس فى حياتهم اليومية..ومن بعده جاء الشاعربترارك (1304- 1374) والروائى بوكاشيو (1313- 1375) هؤلاء الثلاثة ثاروا على اللغة اللاتينية (المقدسة) التى كانت لغة الدين..ولغة التدريس فى المدارس والجامعات، فى كل أوربا..وكان البديل هولغة عامة الناس..وكانت إيطاليا هى البداية..وأصبحتْ تلك اللغة ((هى اللغة القومية))
وقد بدأ دانتى بالدفاع عن اللغة العامية، فى تاريخ باكرمن حياته الأدبية..وكان دفاعه (فى البداية) يشوبه التحفظ، ففى ديوانه (الحياة الجديدة) لاحظ مترجمه أنّ دانتى استخدم العامية الإيطالية (حتى يسهل فهم قصائده لسيدة لاتتقن اللاتينية) وكذلك ليعبر عن مضمونه الفلسفى تعبيرًا غنائيــًـا (بلغة الحب) ولكن دانتى بعد ذلك توصل إلى نظرية متكاملة فى الدفاع عن العامية، فاستفزّأكثرفقهاء عصره..ولكن دانتى استمرّ، وتقدم من مرحلة التجريب إلى مرحلة اليقين..والاعتزازبلغة قومه..وبدت له اللغة اللاتينية (الفصحى) لغة شكلية (مصطنعة) ولاتعبرعن المجتمع الإيطالى..ولاعن الواقع المُـتغير..وأنّ جذورها الحية (ماتت) وتضاءلتْ علاقتها بالحياة..وأعتقد أنّ لويس عوض كأنه وجد التشابه الكبيربين اللغة اللاتينية، التى لايتكلــّـمها الإيطاليون فى حياتهم اليومية..واللغة العربية التى لايتكلــّـمها شعبنا فى حياته اليومية.. بما فى ذلك رجال الأزهر- كما قال عميد الثقافة المصرية (طاها حسين) فى كتابه (مستقبل الثقافة فى مصر) الصادرعام1938..وأنا أعتمد على طبعة دارالكتاب اللبنانى- بيروت- المجلد التاسع- عام1973- ص31، 248، 298، 303، 311)
ووضع لويس عوض يده على مقولة (ربما لايعرفها كثيرون) قالها أفلاطون..وهى أنّ الشعر((غواية وتزييف ومجافاة للأخلاق الفاضلة..والابتعاد عن عالم الحقائق وتزيين للخطيئة..والكفروالشرك)) وهى المقولة التى رفضها دانتى.
رفض دانتى كلام أفلاطون..وكلام القديس أوغسطين (354- 430) الذى أيــّـد كلام أفلاطون.
استمرّدانتى يدعوإلى التخلى عن اللغة اللاتينية..واستخدام العامية الإيطالية..وفى تعريفه لها قال: العامية هى التى نتعلــّـمها بلا قواعد..ولكننا نأخذها من صدورأمهاتنا مع لبن الرضاعة..ومن هنا فإنّ الكلام العامى أعظم نبلا، لأنه- من جهة الأسبق استعمالابين البشر..ومن جهة ثانية- لأنّ كل الناس يستخدمونه فى حياتهم اليومية، بالرغم من اختلاف اللهجات ولكنهم يتفاهمون بها..وهى أسهل من تعقيدات النحو اللاتينى، الذى لايفهمه إلاّ المتعلمون وعلى رأسهم أعضاء (مجمع الكهنوت اللغوى) المُـكوّن من (فقهاء اللغة)
وأشاردانتى إلى انقسام اللغة إلى لهجات..وقال إنّ العامية الإيطالية فيها لهجات كثيرة..ولكنها أقرب إلى الروح الإيطالية..وبالتالى فإنّ البنية Ctructureاللغوية للعامية الإيطالية يجب أنْ نأخذ منها ما هومشترك بين كل أقاليم إيطاليا.
وقال دانتى أنّ العامية الإيطالية قادرة على التعبيرالأدبى، أما العاجزون المتمسكون باللاتينية، من الشعراء التافهين الذين يعتقدون أنّ اللاتينية (أفصح) من العامية، فإنهم يسترون عجزهم ب (فصحاهم) ولايــُـدركون (جماليات العامية)
كانت دعوة دانتى للكتابة بالعامية..والتخلى عن اللاتينية، تدخل فى (باب التجديف) الذى أغضب الكهنوت الكنسى، لأنّ اللاتينية لغة الكنيسة..ولغة الدولة..والقوانين..إلخ. وأنّ القساوسة (والمثقفون) احتكروا تفسيرالكتاب المقدس باللاتينية، التى يجهلها (عامة الناس) وهوما زيــّـن للكهنوت التحكم فى عقولهم..ولذلك فإنّ التخلى عن اللاتينية فيه القضاء على هذا (الكهنوت الدينى واللغوى) وبعد أنْ صدرحكم الكهنوت بنفى دانتى، فإنّ هذا الحكم يتحوّل بعد شهريْن إلى حرقه حيــًـا..وفى عام1315يمتد الحكم ليطول أولاده الثلاثة بإعدامهم..وكانوا فى مرحلة الصبا.
كان دانتى خارج إيطاليا عندما صدرالحكم بإعدامه..وحدث تعديل فى الحكم بمصادرة كل أمواله..وفى حالة عودته يتم القبض عليه..وإعدامه حيــًـا..ومنذ ذلك التاريخ..وحتى وفاته لم تطأ قدما دانتى أرض وطنه..وعاش مـُـشرّدا ينتقل من مدينة إلى أخرى.
وأشارلويس عوض إلى المؤرّخ المسيحى الشهير(أورسيوس) الذى عاصرنهاية القرن الثالث الميلادى..وذكره ابن خلدون باسم (هرشيوس) وله موسوعة عن (تاريخ العالم) وقال فى موسوعته إنّ تصدع الامبراطورية الرومانية وانهيارها..((كان نتيجة للغضب الإلهى..وأنّ غضب الله حلّ على الرومان، لأنهم ضلوا وحادوا عن طريق الله، بفسقهم وجبروتهم..وانغماسهم فى الشهوات..ولذلك أرسل الله إليهم البرابرة، فخرّبوا الامبراطورية..ونشروا الفساد))
وكان تعليق لويس عوض: ظلّ هذا التفسيرهوالمعتمد فى الدول المسيحية لأكثرمن ألف عام، لأنه التفسيرالرسمى الذى اعتمدته الكنيسة الكاثوليكية..والبابوات قرنــًـا بعد قرن..وبهذا التفسيرقضتْ الكنيسة على كل شعورقومى فى نفوس الإيطاليين، فجعلتهم يتنكــّـرون لأمجاد جدودهم الأولين..ويتبرّأون من حضارتهم بحجة أنها كانت (وثنية) وهى كلمة لاعلاقة لها بلغة العلم، لأنّ كل مختلف مع معتقدات غيره..كان يقذف خصمه بهذه (التهمة) ليدمغه بالكفر.
وأضاف عوض أنه مع نموالشعورالقومى فى كافة أرجاء الامبراطورية الرومانية، كان هذا التطوربمثابة (ثورة) على تعاليم الكنيسة، لأنّ الشعورالقومى يــُـمجــّـد ويــُـجسـّـد المطالب الدنيوية..ويتعارض مع طلب (ملكوت الله) والزهد فى الدنيا لنصرة (مجد الآخرة) وبالتالى كان دانتى بمثابة الفاصل بين عالميْن: عالم يؤمن بالدولة الدينية (دولة البابوات) وعالم جديد يؤمن بالدولة القومية، التى هى أساس التنظيم الاجتماعى، الذى لايــُـفرّق بين المواطنين على أساس الدين..ولذلك كان دانتى من أسبق دعاة الدولة القومية، التى كانت الطابع المميزلعصرالنهضة الأوربية..وعند الاختياربين قيصر والله، اختاردانتى قيصر..وأعرض عن الله وعن البابا..ولهذا كان انتقام البابا رهيبــًـا: النفى ثـمّ الحرق حيــًـا.
دخل دانتى فى جدل (عقيم) مع أعضاء الكهنوت الدينى حول أنّ البابا يستمد شرعيته من (ملكوت السماء) وقد تحمـّـل دانتى مشقة هذا الجدل العقيم..وكانت النتيجة أنه استطاع أنْ يقصرسلطة الكنيسة والبابوات على الأمورالروحية (فقط) وأنْ ينفى أية سلطة للكنيسة أوللبابا على أى أمرمن أمورالدنيا..وهوما خصّ به دانتى الدولة (وحدها) ونجح دانتى- أيضــًـا- فى عدم خضوع السلطة الزمنية للسلطة الروحية، ليس ذلك (فقط) وإنما نادى بأنْ تكون السلطة الروحية (خاضعة) للسلطة الزمنية، اقتداءً بموقف المسيح أمام بيلاطس ممثل قيصر..وبما قاله وفعله القديس بولس فى (أعمال الرسل) حيث الاحتكام إلى قيصرليقضى بينه وبين اليهود..وليحميه من عدوانهم. (ثورة الفكر- تأليف لويس عوض- مركزالأهرام للترجمة والنشر- عام1987)
وهكذا- كما رأى لويس عوض..وكل من أرّخوا لحياة دانتى- أنه (دانتى) استحقّ بجدارة أنْ يكون أحد رموزعصرالنهضة..وأحد رموزالتنوير، بالرغم من النقد الذى وجــّـهه إليه أعضاء الكهنوت الدينى، لأنه وضع شخصيات كثيرة حازتْ على صفة (القداسة) فى الجحيم ضمن (ملحمته الكوميديا الإلهية)
***