الفيلسوف والعالم الذى نادى بديانة عالمية

طلعت رضوان
2020 / 6 / 24

وُلد جوردانو برونو(1548- 1600) فى (نولا) على بعد 16 ميلا من نابولى. ومنذ مرحلة شبابه أظهربغضه للفلاسفة اليونانيين..وعلى رأسهم أرسطو..وفى عام 1572 رُسم كاهنــًـا..ولكن ظلتْ الشكوك تثورداخل عقله، فكان يتساءل: كيف يمكن تواجد (ثلاثة فى واحد)؟ وكيف يتحوّل الخبزوالخمرليكونا فى جسد المسيح ودمه؟ وبعد 11 سنة فى الرهبنة فرّ من الدير..وفى عام1582 كتب رواية هزلية سخرفيها من أعضاء الكهنوت الدينى..ومن الرجال المخنثين..ومن أساتذة الجامعات..وأطلق على جامعة أكسفورد (أرملة التعليم الصحيح) والأساتذة مجموعة من الجهلاء.
بدأ عداء الكهنوت الدينى له عندما دافع عن نظرية كوبرنيكس فى الفلك، فاتهمه رئيس الكنيسة اللوثرية بالمروق..وأصدرقرارًا بحرمانه من التناول الكنسى..وتـمّ إيداعه فى السجن بأمرمحكمة التفتيش..واختارديورانت من بين كتاباته قوله: ليس ثمة مرآة توضع أمام عيون البشر((خيرٌمن الحمارية، لأنّ الحمارلايــُـفتش..ولايهتم بالسؤال عن (يوم الحساب فى الآخرة) وهل يوجد جحيم أكثرمن الجحيم الأرضى)؟ وإذا ظلّ البشرفى خصام وعداء للتفكيرالعقلانى، فخيرلهم التماثل مع الحمير..وأنتم بالفعل حمير(قصة الحضارة- المجلد15- ج30) ومن أقواله أنّ الفضاء والزمن والحركة كلها أمور(نسبية) وربما كانت هناك نجوم كثيرة نجهلها..وربما فيها كائنات أذكى من سكان الأرض، فهل مات المسيح من أجلنا؟ إنّ اتساع الكون لانهاية له..ولما كان الكون لا نهائيــًـا، فإنه لايمكن أنْ يكون هناك (لانهائيان) فكيف يكون الله لانهائى..والكون لانهائى؟ وبالتالى ليس هناك (مـُـدبــّـرأول) كما قال أرسطو، بل هناك حركة أوطاقة متأصلة فى كل جزء من هذا الكل..والطبيعة هى العقل المحرّك..وهذا العقل ليس موجودًا فى (سماء عليا) بل هوموجود فى كل جزء من جزئيات الواقع.
وجــّـهتْ له محكمة التفتيش تهمة (معارضة كل الأديان) وإنكارالتثليث..واتهم المسيح وكل الرسل بتضليل الناس..وخداعهم بالمعجزات المزعومة..وأنّ رجال الدين والرهبان حميردنــّـسوا الأرض بنفاقهم وجشعهم..وحياتهم المملوءة بالشر..وأنه يجب أنْ تحل الفلسفة وتأخذ حقها..وتكون هى البديل عن الأديان..وقال إنه استمتع بأحضان سيدات كثيرات..ولكنه لم يصل إلى العدد الذى وصل إليه النبى (سليمان)
بعد التحقيق معه فى محكمة التفتيش، أخرجوه من سجنه..وجرّدوه من ثيابه. وشدوه إلى خازوق من الحديد فوق ركام من الحطب..وأعدموه حيــًـا على مشهد من جمع غفيرمن الناس..ومن المفارقات أنه بعد حرق جسده ب289سنة أقيم له فى نفس المكان تمثال، جــُـمعتْ له التبرعات من مختلف دول أوروبا..ومع ملاحظة أنه قال لقضاته بعد أنْ سمع الحكم بحرقه حيــًـا ((ربما كنتم يا من نطقتم الحكم بإعدامى، أشد جزعــًـا وخشية منى))
برونوفى كتابه (ظلال الأفكار) كتب فى محاورة على لسان (فيلوثيموس) أى (محب الله) أنّ معلمه هو(هرمز- مثلث العظمات) ومنه تعلم (فحوى الديانة المصرية) وأنها ديانة العقل..ونورالفكر..ووفق ما قال القديس أوغسطين أنّ المسيحيين ((هم الذين صادروا ديانة مصرالقديمة وحرّموها، فكانت هذه هى الضربة القاضية للدين المصرى)) (نقلا عن د. لويس عوض فى كتابه: ثورة الفكرفى عصرالنهضة الأوربية- مركزالأهرام للترجمة والنشر- عام 1987- ص247)
أضاف لويس عوض: إنّ مشكلة جوردانوبرونوأنه كان يلتمس الإصلاح الدينى من خارج إطارالمسيحية..ولذلك كان يدعولإحياء ديانة مصرالقديمة (المصدرالسابق- ص248) وفى عام1584 أصدربرونومحاوراته الإيطالية بعنوان (طرد الوحش المنتصر) الذى فسّـره البعض أنه يقصد بالوحش (بابوية روما) وفى هذا الكتاب دعا لإحياء ديانة قدماء المصريين فى مرحلتها الهرمزية، القائمة على التعددية..ونبذ الأحادية..وذكرعوض أنّ أهم أهداف الصراعات الدينية فى أوربا..كان التسابق الاستعمارى للسيطرة على الدنيا الجديدة..ونهب ثرواتها، منذ أنْ اكتشف كولومبوس الأمريكتيْن عام1492..وهذا الصراع الاقتصادى يــُـفسّـرضراوة الكاثوليك فى اضطهاد البروتستانت..وضراوة البروتستانت فى اضطهاد الكاثوليك..والتهمة المعلنة دائمًـا كانت الزندقة أوالهرطقة الدينية..بينما الحقيقة كانت التعاون أوالتعاطف مع أعداء الوطن، من سياسيين واقتصاديين (المصدرالسابق- ص251)
وفى عام1586 أصدربرونوكتابــًـا بعنوان (مائة وعشرون وصية للرد على المشائين) والكتاب كله ((هدم لفلاسفة اليونان وفى مقدمتهم أرسطو)) (ص252)
بأمرقضاة محكمة التفتيش تـمّ القبض على برونو..وظلّ فى السجن8 سنوات..وفى يوم17 فبراير1600 أخذه جلادو المحكمة إلى ميدان (كامبو- دى- فيورى) ليحرقوه حيــًـا (ص256)
وذكرعوض أنّ كثيرين من المسيحيين نظروا للديانة المسيحية على أنها ((دين الموت والحياة الأخرى..ولاتليق إلاّبالعبيد والبسطاء..وأنها ديانة معادية للثقافة والحضارة..والفكروالفنون..وكل نشاط دنيوى..ولذلك اتجــّـهتْ الصفوة المثقفة إلى ابتكارعقائد توفــّـق بين أخلاق المسيحية وثقافة القدماء..وكان من أهم هذه العقائد: الرواقية والأفلاطونية الجديدة والغنوصية..ولهذا فإنّ برونو بنى فلسفته على الهرمزية أوالغنوصية..وهذا البناء الفلسفى كان ((خارج الإطارالمسيحى)) وذكرمن أرّخوا لحياته أنه يوم احراقه عــُـرض عليه الصليب ليــُـقبله، فأشاح عنه بوجهه..وأصرّفى مواجهة قضاة محكمة التفتيش على أنه يــُـفضــّـل العودة إلى الديانة المصرية الهرمزية، لأنها قائمة على التعددية..وخالية من التعصب الدينى..وأنها الديانة الصادقة (ص260)
وشهد أحد السجناء مع برونوأنه سمعه يقول: أنّ الصليب فى حقيقته رمزمقدس عند قدماء المصريين..وأنّ الصليب الذى صــُـلب عليه المسيح شيىء مغايرللصليب الذى نراه على المذبح فى الكنائس، فهذا الذى نراه هوفى حقيقته الصليب المنحوت أو المنقوش على صدرالربة (إيزيس) وحين سأل القضاة برونو، فإنه أيــّـد واعترف بما قاله..وأضاف: إنّ الصليب المصرى اسمه (عنخ..وهذه الكلمة باللغة المصرية القديمة تعنى الحياة) وبالتالى فإنّ هذا الرمزأقدم بكثيرمن الصليب المسيحى..والصليب المصرى كان اسمه فى اللغة المصرية القديمة (عنخ- أومفتاح الحياة) ووُجد هذا المفتاح على صدرسرابيس (أوزير- أبيس)
ومن يزورالمتحف القبطى يرى آثارمصرالمسيحية، على الأقل من خلال القرون الأربعة الأولى بعد الميلاد..ومع ملاحظة أنّ المصريين حين اعتنقوا الدين المسيحى، لم يعرفوا فى بادىء الأمرالصليب (بشكله المسيحى المعروف الآن) لأنّ الصليب المصرى كان مختلفــًـا..والدليل على ذلك أنّ النقوش والصورالمحفوظة فى المتحف القبطى هى (مفتاح الحياة- عنخ) وبعد مرورالسنين..واستقرارالمسيحية..وضع المسيحيون الصليب المعروف حاليــًـا..واختفى العنخ.
وأضاف د. لويس عوض أنّ جمود الكنيسة..وخوفها من كل جديد، جعلها تــُـجرّم وتــُـحرّم معتقدات وثقافة المصريين القدماء..ورفضوا فكرة أنّ جدودهم قـدّسوا العنخ، أومفتاح الحياة، قبل ميلاد السيد المسيح..وبالمثل فإنّ جمود الكنيسة..وخوفها من كل جديد، هوالذى جعلها تــُـحرّم الاعتقاد بصحة نظرية كوبرنيكس عن (دوران الأرض وكواكب المجموعة الشمسية حول محورها..وحول الشمس) وبعد كوبرنيكس جاءتْ قوانين (كبلر1571- 1630) وأهمها مدارات الكواكب حول الشمس..وكذلك قوانين (جاليليو1564- 1642) كل هؤلاء العلماء كفــّـرتهم الكنيسة، لأنهم عارضوا ما جاء بالكتاب المقدس..وما ورثوه عن أرسطو..واليونانيين..وفى هذا السياق دخل جوردانو برونو(دائرة المحظورات) لأنه قال (بألوهية الإنسان) ذلك القول الذى أودى بكثيرين من المتصوّفة إلى التهلكة، كما حدث مع الحلاج لمجرّد أنه قال ((لوأنّ ذرة من قلبى سقطت على الجحيم لأطفأته..ولوأنّ ذرة من قلبى سقطت على الجنة لأنارتها))
ونقل لويس عوض فقرة من فقرات النصوص المنسوبة إلى (هرمز- مثلت العظمات) وجاء فى هذه الفقرة ((سوف يأتى زمن يستبين فيه أنّ تمجيد المصريين للذات الإلهية، قد ضاع واختفى..وبالتالى تكون عبادتهم بلا جدوى)) وفى الفقرة التالية قال كاتب النص ((آه يا مصر. لن يبقى من ديانتك إلاّ الأساطير، لأنّ شعبك لن يــُـصدق معتقداتك..ولن يبقى فيك إلاّكلمات منقوشة على الحجر..وهى الكلمات التى ذكرتْ تقواك..وتقوى شعبك..أنت يا مصرالتى علــّـمت البشرالتقوى..ولكن سوف يأتى يوم تصبح مصرمضرب المثل فى البشاعة والقسوة..وعندئذ لن يشعرالشعب بأنّ للحياة قيمة تستحق الاحترام))
وأضاف لويس عوض: هذه هى الديانة المصرية التى دعا جوردانو برونو إلى احلالها محل الديانة المسيحية، فى أواخرالقرن السادس عشر، فاستنزل على نفسه غضب الكنيسة..وانتهى أمره إلى المحرقة.
وكان تعقيب لوليس عوض أنّ نصوص (هرمز) التى أحيتْ الدين المصرى، أزعجتْ أديان التوحيد من الديانة المصرية التى تأسـّـتْ على التعددية (قبل وحدانية أخناتون) وأنّ الديانة المصرية استوعبتْ فكرة الذات الإلهية، بقدرات الإنسان اللانهائية فى الفكروالمعرفة والتوحد مع خالق الكون..كما قال المتصوّفة بعد آلاف السنين.
وفى كتاب برونو(طرد الوحش المنتصر) قال إنّ هذا الوحش هوأرسطو..وفلاسفة اليونان..والحل عنده هوالعودة إلى ديانة مصرالقديمة، للقضاء على التعصب الدينى ولكى يسود السلام بين كافة الشعوب..وفى كتابه (عشاء أربعاء الرماد) فنــّـد فلسفة أرسطو..وشرح نظريته (فى لانهائة الكون) وهاجمة أصحاب الفهم الحرفى للكتاب المقدس، الذين يعتقدون أنّ الشمس هى التى تدورحول الأرض..وليس العكس كما أثبت علم الفلك..وقال له قضاة محكمة التفتيش: فليكن كما تقول أنّ الأرض تدورحول الشمس وأنّ الكون لامتناهى..ولكن ماذا نفعل بما جاء فى (سفرالتكوين) عن خلق العالم؟
***