جاليليو : تراجيديا سجــّـلها التاريخ

طلعت رضوان
2020 / 6 / 22

جاليليو: تراجيديا سجــّـلها التاريخ
يعتبرجاليليو(1564- 1642) أحد العلماء الذين أثروا مناهج العلوم الطبيعية، سواء فى الفيزياء أوفى الفلك..وبالرغم من أهمية أبحاثه واكتشافاته، فإنّ أعضاء الكهنوت الدينى مارسوا ضده أبشع أنواع الاضطهاد، كما هومعروف عن دورهم المُـعادى للعلم فى كل العصور..ولذلك فإنّ صراعه معهم: تراجيديا واقعية كتب التاريخ سطورها، ونقل ديورانت تفاصيلها فى موسوعته (قصة الحضارة- المجلد15- الجزء30)
كان والد جاليليومن فلورنسة الإيطالية..وساهم فى تعليم ابنه اللغتيْن اليونانية واللاتينية..والرياضيات والموسيقى..وكانت الموسيقى سلواه الدائمة..وخاصة فى شيخوخته بعد أنْ فقد بصره..وعزف على الأرغن عزفــًـا جديرًا بالتقدير..وعزف على العود..وأحب الرسم والتصوير..وفى إيطاليا التى قضى فيها شبابه، كان تيارالنهضة يلفح الوجوه..وعندما بلغ سن السابعة عشرة أرسله والده إلى جامعة بيزا ليدرس الطب والفلسفة..وبعد سنة واحدة أنجزكشفه العلمى الأول..وهوأنّ ((تأرجحات البندول- بصرف النظرعن اتساعها- تستغرق نفس الوقت..وبإطالة ذراع البندول أوتقصيره، أمكنه أنْ ينقص أويزيد من معدل ذبذبته، حتى تزامنتْ مع نبضه..وبهذا توصل إلى قياس ضربات القلب بدقة..وفى عام1585ترك جاليليوجامعة بيزا..وظهرعليه ولعه بالرياضيات والميكانيكا..وبعد عام اخترع ميزانــًـا (هيدروستاتيا) ليقدّرالأوزان النسبية للمعادن..وفى تطورغيرمتوقع انخفضتْ موارد والده المالية، فكان عليه مواجهة الأزمة ويعتمد على نفسه، فلما علم بخلوكرسى الرياضيات فى جامعة بيزا، تقـدّم لشغله..وتـمّ تعيينه وهوفى سن الخامسة والعشرين..وكان الراتب ضئيلا..ولكنه تماسك واكتفى بما يسد ألم الجوع.
وفى محاضراته شنّ هجومه على (فيزياء أرسطو) وعلى علماء الإغريق..وشعر معاصروه بالفزع حين أثبت أنّ الكثيرمن النتائج التى استخلصها أرسطوزائفة..وكان جاليليويطلب من العلماء ومن رؤساء الكنيسة الذهاب معه إلى (برج بيزا) لمشاهدة تجاربه على (سرعة الأجسام المتحرّكة) ليثبت لهم خطأ علماء اليونان وعلى رأسهم أرسطو..ووضع جاليليوما جمعه من أبحاث وتجارب فى كتابه (محاورات حول علميْن جديديْن) وهما الاستاتيكا والديناميكا..وأثبت عدم قابلية المادة للفناء..وصاغ قواعد الرافعة والبكرة..وأثبت أنّ سرعة سقوط الأجسام سقوطــًـا مطلقــًـا، تزيد بنسبة منتظمة وانتهى إلى قانون القصورالذاتى (وهوأول قوانين نيوتن للحركة)
وكان جاليليوفى أواخرحياته يــُـخصص الجزء الأكبرمن وقته لعلم الفلك..وفى عام1596كتب إلى كبلر(الذى يصغره بسبع سنوات) رسالة شكره فيها على كتابه (الكون الخفى) قال فيها ((إننى أشعربالسعادة حيث اعتبرك زميلا عظيمـًـا..وسأعكف على قراءة كتابك..وتحدونى الرغبة لأستوعب ما فيه..وأنا كنتُ من أنصار(كوبرنيكس) وأنّ كتابك سيكشف لى الكثيرمن الظواهرالطبيعية البالغة الإبهام..وأنا توصلتُ لبعض النتائج..ولكنى لن أنشرها حاليــًـا، حيث يثنينى عن نشرها حظ أستاذنا كوبرنيكس الذى حظى بشهرة واسعة..وفى نفس الوقت لقى التجريح والاستنكارمن كثيرين، لأنّ عدد الأغبياء كبيرجدًا..وقد أتجاسرعلى نشرتأملاتى إذا كثرأمثالك))
وهكذا بلغ تواضع جاليليولدرجة الكتابة لتلميذه (كبلر) ويشكره على كتابه..والوعد بأنه سيقرأه..ويتوقع أنه سيستفيد منه..كما ذكراعترافه بفضل أستاذه كوبرنيكس.
ومن بين انجازات جاليليوأنه أدخل على تلسكوبه الكثيرمن التحسينات، فجعله يكبــّـرالأشياء ألف مرة..وشعربالذهول وهويرى عالم جديد من النجوم، التى تبلغ عشرة أمثال ما هومعروف (قبل استخدام تلسكوبه) وفى يناير1610 اكتشف أربعة أقمارمن الأقمارالتسعة، أوتوابع المشترى..وكتب: هذه الأجسام الجديدة تدورحول نجم آخركبير جدًا، مثلما يدورحول الشمس عطارد والزهرة..وربما غيرهما من الكواكب الأخرى.
وبالرغم من كل هذا المجهود فإنّ أساتذة جامعة بادوا رفضوا تصديق صحة اكتشافات جاليليو..ورفضوا النظرمن خلال مناظيره التى اخترعها..ولعلّ ما أثارغضب أساتذة الجامعة..وغضب أعضاء الكهنوت الدينى، ما قاله: لقد ارتمينا فى أحضان اليونان وأرسطوآلاف السنين..وحان الوقت للتحررمن المجلدات اليونانية..والنظرإلى العالم نظرة أكثرانطلاقــًـا..وبعيون وعقول مفتوحة..وقال: إننى لكى أثبت لخصومى صحة أبحاثى واكتشافاتى، اضطررتُ إلى أنْ أثبتها بتجارب كثيرة..ولوأنى لم أشعربأنه من الضرورى أنْ أقوم بكل هذه التجارب..وقال: إننى أتعلم من أى شخص وأسمعه، وأتأمل ما قاله.
تربص به أعضاء الكهنوت الدينى عندما لاحظوا أنه يستشهد كثيرًا بأبحاث كوبرنيكس..وهى الأبحاث التى تــُـعارض ما جاء فى الكتاب المقدس..وقالوا لوأيــّـدنا هذه الأبحاث، فإنّ الكتاب المقدس ((سوف يفقد قيمته)) ليس ذلك (فقط) بل إنّ المسيحية ذاتها ((ستتأثرإذا انتشرت هذه الأبحاث)) وقال أعضاء الكهنوت الدينى: ماذا يمكن أنْ يصيب العقيدة المسيحية، إذا كان الله ((قد اختاركوكب الأرض مقرًا (كرسيــًـا) دنيويــًـا له..وهذه الأرض يريد كوبرنيكس وجاليلو((تجريدها من مكانتها السامية..ومنزلتها الرفيعة المقدسة..وتوضع طليقة بين كواكب أكبرمنها عدة مرات..وبين نجوم لاحصرلها))
فى مواجهة ذلك كتب جاليليوإلى الأب (كاستللى) بتاريخ21 ديسمبر1613رسالة قال فيها: إنّ الكتاب المقدس يتطلب تفسيرًا يختلف عن المعنى المباشرللألفاظ (مثل الحديث عن غضب الله..وبغضه وتأنيبه..ويديه وقدميه) لأنه يبدولى ليس للكتاب المقدس كبيرشأن فيما يتعلق بالمناظرات الرياضية..وأعتقد أنّ العمليات التى نـُـدركها (بالرصد) الدقيق أوالملاحظة الدقيقة، أونستنتجها بالدليل المادى، لايمكن تفنيدها أو تكذيبها بآيات من الكتاب المقدس)) انزعج أعضاء الكهنوت الدينى..وعلى رأسهم الكاردينال (بللارمين) وأرسل رسالة إلى جاليليونصحه فيها أنْ يكف عن هذا الكلام، ولايتكلم (بصيغة قاطعة) وإنما يشيرإلى أنّ أبحاثه (مجرد فرضيات)
انبرى أكثرمن قسيس وواعظ بشن الهجوم على جاليليو..وكان من بينهم واعظ دومنيكانى، فقال إنّ نظرية كوبرنيكس ((تتعارض تعارضــًـا تامـًـا..ولاتقبل الجدل مع الكتاب المقدس)) ليس هذا (فقط) بل إنّ كثيرين أرسلوا شكاوى إلى (محكمة التفتيش) التابعة للكنيسة..وضغط كثيرون من أصدقاء جاليليوعليه كى يتراجع..ويقول إنّ أبحاثه (مجرد فرضيات) ولكنه رفض التراجع وقال: أعتقد أنّ الأرض ((تدورعلى محورها، وتدورحول الشمس)) فاعتبرأعضاء الكهنوت الدينى أنّ ((هذا إمعان فى الهرطقة))
وبعد أنْ وعد بالامتثال للكنيسة قال: أى شيىء يفيد الكنيسة المقدسة فى اتخاذ قرار يتعلق بمنهج كوبرنيكس..ويمكن لها أنْ تأخذه وتنتفع به..كما يحلولرؤسائها..وإنْ لم يقتنعلوا فليمزقوا كتابى أويحرقوه..وأنا لا أجنى ثمارًا من معارضتى التقوى والكثلكة.
فى16 فبراير1616 أصدرتْ محكمة التفتيش توجيهاتها إلى الكاردينال بللارمين بأنْ يستدعى من (يــُـدعى) جاليليو..وينذره بأنْ يتخلى عن آرائه المزعومة..وفى حالة امتناعه يــُـعلنه بالأمربالاقلاع عن تدريس نظرية كوبرنيكس، فإذا لم يذعن يودع فى السجن..وفى5 مارس1616 أصدرتْ المحكمة قرارًا قالت فيه: إنّ الفكرة التى تقول بأنّ الشمس تقف بلا حركة وسط الكون ((فكرة سخيفة وزائفة)) وفوق ذلك هى (هرطقة) لأنها تــُـناقض النصوص المقدسة..والفكرة التى تقول بأنّ الأرض ليست مركزًا للكون، هذه الفكرة زائفة..وفى نفس اليوم تـمّ تحريم نشرأوقراءة أى كتاب يدافع عن تلك النظريات المعارضة للكتاب المقدس..وحظرتْ كتاب كوبرنيكس حتى يتم تصويبه. وفى عام1620 أباحتْ الكنيسة للكاثوليك قراءة الطبعات التى حــُـذفت منها تسع فقرات كانت تــُـثبت أنّ النظرية صحيحة.
وذكرديورانت أنّ الكنيسة أجبرتْ جاليليوعلى كتابة الآتى: إنّ الله هوالقوى وهو على كل شيىء قدير..ومن ثـمّ لايجوزأنْ نــُـقـدّم المد والجزردليلا على حركة الأرض، لأننا بذلك نحد من سعة علم الله وقدرته)) وكان تعليق العالم (سلفياتى) على هذه الجملة التى فــُـرضتْ على جالييو((إنها وأيم الحق حجة إنجيلية ممتازة))
محكمة التفتيش استدعتْ جاليليو..وحثته على الاعتراف بذنبه..وظلّ سجينــًـا فى (قصرالمحكمة) وأشاعوا فى نفسه الخوف من التعذيب..وتوسل إليهم أنْ يرحموا شيخوخته واعتلال صحته..وفى التحقيق معه فى المرة الرابعة تراجع عن آرائه..ولكن أعضاء الكهنوت الدينى لم يقتنعوا بصدق تراجعه..وأجبروه على أنْ يجثوعلى ركبتيه..ويتبرأ من نظرية كوبرنيكس..وأعطوه ورقة وعليه تلاوتها بصوت مرتفع أمام أعضاء المحكمة..وامتثل لهم وقرأ: ((بقلب مخلص وإيمان صادق، ألعن وأبغض وأعلن التخلى عن الأخطاء والهرطقة المنسوبة إلىّ..وعن أى خطأ أوهرطقة فى حق الكنيسة المقدسة..وأقسم أنى لن أذكربعد اليوم أى شيىء قد يثيرمثل هذه الريب حولى..وإذا عرفتُ أى هرطيق فلابد أنْ أبلغ عنه..وأدعوالله أنْ يمنحنى العون..وأرجوأنْ تساعدنى الكتب المقدسة التى أضع يدى عليها..وأنا أتلواعترافى))
وذكرديورانت أنّ قصة أنه عند مغادرته قاعة المحكمة همس: ومع ذلك فهى تدور، فإنها أسطورة..ولم تظهرإلاّفى عام1761، أى بعد وفاة جاليليوبأكثرمن مائة عام. كانت نهاية جاليليومأساوية..وإقامته فى عزلة مع ابنته وإجبارها على تلاوة المزاميرالسبعة معه، فكان تعقيب ديورانت: واضح أنّ جاليليوكان رجلا مهـدّمـًـا، مغلوبــًـا على أمره، أذلته كنيسة اعتقدتْ أنها (وصية) على معتقدات البشر..وآمالهم وأخلاقياتهم. إنّ تخليه عن آرائه بعد قضاء عدة شهورفى السجن..كل ذلك كان من الممكن أنْ يحطم عقل وإرادة أى شاب، فما بالنا ونحن إزاء شيخ هرم، كان فى ذهنه صورة حرق العالم جوردانوبرونوحيــًـا، فخشى أنْ يلقى نفس المصير..ولكن جاليليو- بالرغم مما حدث معه، لم ينهزم، فقد انتشركتابه فى كل أوروبا..وتــُـرجم إلى عشرلغات..وفى وحدته هزم أحزانه بأنْ واصل أبحاثه الفيزيائية فى مجلد ضخم..وفى عام1639حين كان يعانى من الآلام النفسية والعضوية، سمحتْ له محكمة التفتيش بزيارة فلورنسة، تحت مراقبة دقيقة..وكان يتغلب على أحزانه بالعزف على العود..وفى عام1835، أى بعد وفاته بما يقترب من مائتىْ سنة، تراجعتْ الكنيسة، فلم تعد كتب جاليليوضمن قائمة الكتب المحظورة..وانتصرهذا العالم الجليل على توحش الكهنوت الدينى، أخطرأعداء البحث العلمى.
***