بداية مقاومة الميتافيزيقا

طلعت رضوان
2020 / 6 / 20

فى مقال سابق كتبتُ أنّ الإيمان بالميتافيزيقا ظلّ مسيطرًا على عقول البشر(سواء شعوب ما قبل عصرالتدوين، أوالشعوب التى شهدتْ عصرالكتابة، حتى الزمن الذى تلى عصرالمسيح) وكتبتُ أنّ الخرافة كانت من توابع الإيمان بالميتافيزيقا..ولكن مع بداية ظهورعلماء مثل جاليليو1564- 1642) بدأتْ الميتافيزيقا تتراجع (نسبيــًـا) لتفسح المجال أمام عصرجديد (عصرالعلم والتفكيرالعقلانى)
وبالرغم من أنّ جاليليويعتبرعلامة فارقة فى تاريخ البحث العلمى والتجريب، فإنه لابد من الاعتراف بمن سبقوه واستفاد من أبحاثهم وتجاربهم..وعلى سبيل المثال فإنّ الباحث الأقل شهرة (جامباتستا دللابورتا) ذكرفى كتابه (سحرالطبيعة) أنّ النظرفى العدسة المقعـّـرة تبدوالأشياء أصغر(من حجمها) ولكن الصورة تكون أوضح..وذلك عكس العدسة المحـدّبة نرى الأشياء أكبر(من حجمها) ولكنها أقل وضوحــًـا فى معالمها..وكان تعقيب ديورانت فى (قصة الحضارة) أنّ بحث (جامباتستا) كان القاعدة التى بــُـنى عليها المجهرومنظارالميدان والتلسكوب. أما الميكروسكوب فقد جمع بين عدة عدسات..ونمتْ صناعة العدسات بشكل كبير..وفى عام1590 جمع صانع نظارات اسمه (زخارياس جانس) بين عدسة مزدوجة مقعرة..وأخرى مزدوجة محـدّبة، فصنع أقدم (مجهرمركب معروف) وبفضل هذا الاختراع ظهرتْ البيولوجيا الحديثة والطب الحديث..وفى أكتوبر1608 قـدّم صانع نظارات آخراسمه (هانزلبرشى) عدسة أكثر تطورًا..وقـدّم صانع نظارات آخراسمه (هانزلبرشى) إلى الجمعية العمومية للمقاطعات الأوروبية المتحدة، وصفــًـا لآلة يمكن بها رؤية الأشياء البعيدة..وبعده أثبت باحث هولندى اسمه (جاكوس متيوس) أنه صنع آلة مماثلة..وبمجرّد أنْ سمع جاليليوبهذه الاختراعات حتى عكف على تصنيع التلسكوب وأنجزه فى عام1609وهوالمنظارالذى (كبــّـرالأشياء ثلاثة أمثالها) وفى عام1611 اقترح العالم الكبير(كبلر) أنه يمكن الحصول على نتائج أفضل، بعد إدخال بعض التعديلات..وهوما حدث فى عام1613 على يد باحث آخر.
وفى عام1603 اخترع جاليليو(مقياس الحرارة- الترمومتر) وفى عام1613 طوّر(جيوفنى ساجريدو..وهوصديق جاليليو) الأنبوبة التى اخترعها جاليليو..وقسـّـمها إلى مائة درجة..وبعد ذلك جاء أحد تلاميذ جاليليوفأحكم سداد أحد طرفىْ الأنبوبة وملأها بالزئبق..وأوقفها بطرفها المفتوح..وغمرها فى وعاء به زئبق..وأوضح علماء كثيرون أنّ التغيرات فى ارتفاع الزئبق فى الأنبوبة، يمكن استخدامها مقياسًا للتغيرات فى الضغط الجوى..وبناءً على ذلك تـمّ تصنيع أول مقياس للضغط الجوى (البارومتر) الذى لايزال حتى الآن الجهازالأساسى فى كل مراكزالأرصاد الجوية.
بعد هذه التطورات فى صناعة العدسات اتجه العلماء والباحثون إلى الرياضيين للبحث عن طرق أفضل للحساب والقياس..وبناءً على ذلك تـمّ التوصل إلى (الطريقة العشرية) كما ساهم الفيلسوف ديكارت بعلم (الهندسة التحليلية) واقترح التعبيرعن الأعداد والمعادلات بأشكال هندسية..والعكس بالعكس (وبذلك يمكن تفسيرالتناقض المستمرفى قيمة العملة فى فترة معينة برسم بيانى) وفى نفس الوقت توصل (كبلر) إلى التربيع التقريبى للدائرة..كما ظهرالخط المنحنى..وبالتالى فإنّ هؤلاء العلماء هم الذين ((عبــّـدوا الطريق أمام ليبنتز..ونيوتن لاكتشاف التفاضل والتكامل))
وقد لاحظ (كبلر) أنّ العقل إذا هجر(مملكة الكمية) فإنه يهيم فى متاهات الظلام والشك..وبدأ العلم يتحرّرمن قيود الفلسفة..وتجاوزالعلماء أرسطوبل ونقدوه. وأدارالعلماء ظهورهم للميتافيزيقا..واتجهوا لدراسة قوانين الطبيعة..والسعى لتحسين حياة الإنسان على الأرض..ونبذ أوهام السعادة فى حياة مجهولة بعد الموت..وفقــًـا للميتافيزيقا..ومن هذا المنطلق يبدأ (عصرالعقل) والخطوة التالية إعلاء شأن (العقل الخالص) أى العقل المستقل عن التجريب والاختبار..ويجدربالعلم ألاّيقبل إلاّما يمكن قياسه كمـًـا..والتعبيرعنه رياضيــًـا..وإثباته بالتجربة..وقد اندفع العلماء خطوات إلى الأمام فى تسلسل منطقى، نحوالرياضة والفيزياء فى القرن السابع عشر..والكيمياء فى الثامن عشر..والبيولوجيا فى التاسع عشر..وعلم النفس فى القرن العشرين.
ويمكن اعتبارجاليليوالشخصية البارزة منذ الربع الأخيرمن القرن السادس عشر، مع عدم إغفال أدوارآخرين مثل (ستيفينوس) ودوره فى (تحديد قوانين البكرة والرافعة) كما أجرى دراسات ذات قيمة عن (ضغط الماء..ومركزالجاذبية..ومتوازى أضلاع القوى) وحوالىْ عام1690 فنــّـد جاليليورأى علماء اليونان وعل رأسهم أرسطو، حيث زعموا أنّ القاء كتلتيْن مختلفتيْن فى الحجم أوالوزن، فإنّ الأثقل تصل إلى الأرض قبل الأخف وزنــًـا، بينما أثبت جاليليوأنهما يسقطان فى وقت واحد، رغم اختلافهما فى الوزن..ووضع ديكارت (قانون القصورالذاتى) فى صيغة بالغة الوضوح، فقال إنّ أى جسم يظل فى حالة جمود، أوفى حركة مستقيمة إلاّ إذا تأثربقوة خارجية..وظهرتْ رسالته فى الأرصاد على الكوزمولوجيا (علم الكونيات الذى يبحث أصل الكون..وبنيته العامة..وعناصره ونواميسه) وهذا المجهود أسهم كثيرًا فى وضع أسس الأرصاد الجوية كعلم من العلوم..كما توسـّـع العالم (تورشللى) عام1642 فى دراساته عن (الضغط الجوى) لتشمل ميكانيكا الرياح، حيث ذهب إلى أنّ هذه هى التيارات التى تنجم عن الاختلافات فى كثافة الهواء (بين منطقة وأخرى) أما الباحث (جاسندى) الشهيربإلمامه بعلوم كثيرة، فقد تابع التجارب فى (قياس سرعة الصوت) وتوصل إلى أنها437ر1 قدمـًـا فى الثانية..وجاء باحثون بعده وأجروا بعض التعديلات.
وبعد ذلك ترّكزتْ أبحاث البصريات حول مسائل الانعكاس والانكسار..وخاصة عند مشاهدة (قوس قزح) وحوالىْ عام1591 وضع (ماركوأنطونيو) رسالة فى الضوء شرح فيها تكوين قوس قزح..وفى عام1611 عالج (كبلر) موضوع انكسارالضوء فى العدسات..وبعد عشرسنوات جاء (ولبرورد سنل) من (ليدن بهولندا) وصاغ قوانين الانكساربدقة، جعلتْ من الميسورإجراء حساب أدق لعمل العدسات (فى الضوء)
وفى هذا العصربدأ يتشكل (علم الكيمياء) وقد أسهمتْ هذه العلوم فى تحسين الإنتاج الصناعى..وطبــّـق الفنيون المعرفة الجديدة بالحركات والضغوط فى السوائل والغازات..وقوانين التذبذب..ومسارات الإسقاط..وتقنية المعادن..وتـمّ استخدام البارود فى تفجيرالمناجم..وفى عام1612 اخترع (سيمون ستورتفانث) طريقة لإنتاج (فحم الكوك) لتخليصه من الشوائب التى تــُـحدث الضرربالحديد..وقد حلّ (فحم الكوك) محل الفحم النباتى..وأنقذ الغابات من القضاء عليها..وفى عام1636 توصل العلماء إلى اختراع آلة (درس القمح) و(قلم الحبر)
وعن بدايات علم الإحياء (البيولوجيا) وصف (بيرسبيرو) أستاذ علم النبات فى مدينة بادوا الإيطالية خمسين نباتــًـا من نباتات أوروبا..ومن دراساته لنخيل البلح استدل على التكاثرالجنسى فى النبات الذى أوضحه (تيوفراستوس) فى القرن الثالث ق. م فكتب (بيرسبيرو) أنّ إناث نخيل البلح لاتحمل ثمرًا إلاّ إذا اختلطتْ أغصان الأشجار الذكوربأشجارالإناث..وذلك يتم بعد تناثرالغبارالموجود فى غلاف الأشجارالذكور، وأزهارالأشجارالإناث..وأورد (جاسباربوهين) من مدينة بازل السويسرية، فى مؤلفه الضخم (جدول عالم النبات) تصنيفــًـا لنحوستة آلاف نبات..وقضى40 سنة فى إعداد هذا الجدول..وظلّ مرجعــًـا أساسيــًـا لمدة ثلاثة قرون.
ولقى علم الحيوان عناية أقل من علم النبات..وفى عام1599 بدأ (بوليس ألدروفاندى) فى نشر13 مجلدًا ضخمًـا عن التاريخ الطبيعى..وفى عام1646 بدأ الجزويتى، متعـدّد الثقافات (أثناثيوس كيرشر) نشركتابه (علم الأنسجة العضوية) الذى وصف فيه الديدان المتناهية الصغرالتى وجدها مجهرالميكروسكوب فى المواد المتعفنة. وفى ذاك الوقت كان أعضاء الكهنوت الدينى (فى كل دول العالم) يعترضون على (تشريح الجثث) باعتبارأنّ هذا العمل (من وجهة نظرهم) انتهاك لحرمة من مخلوقات الرب..وبالرغم من ذلك فإنّ مسيرة البشرية لم تتوقف..ولعلّ البداية كانت فى (دروس التشريح) للفنانين الهولنديين..والاسم البارزهنا هو(جيولاموفابرزيو) تلميذ (فللوبيو) وأستاذ (هارفى) وفى أثناء رئاسته لجامعة (بادوا) أقام (قاعة التشريح الكبرى) ويــُـنسب إليه- كذلك- اكتشافه للصمامات فى الأوردة..ودراساته فى تأثيرالأربطة، التى قادتْ (هارفى) إلى (شرح الدورة الدموية) وفى عام1628 شرح (جيوفنى كول) أقدم وصف لعملية (نقل الدم) من إنسان إلى إنسان..وبالرغم من ذلك فإنّ (طب الأسنان) كان متخلفــًـا..وكان المرضى يلجأون إلى الحلاقين.
إنّ هذا العرض السريع والمختصريدل دلالة قاطعة وأكيدة، على أهمية العلوم الطبيعية..وتطبيقاتها التكنولوجية فى تطورالبشرية، من مرحلة إلى أخرى..وأنّ هذا التطوريعود الفضل فيه إلى العلماء، الذين أفنوا حياتهم فى البحث والتجريب..ولم ينشغلوا..ولم يــُـفكــّـروا فى جنسية أوديانة الأشخاص الذين سيستفيدون من أبحاثهم.
***