حين يفقد -المفكر- ضميره

كاظم الموسوي
2020 / 6 / 20

في وطننا العربي ووسائل الاعلام الساعية الى تعبئة فراغاتها او وقتها بالبرامج والمواضيع المكررة والمملولة يكثر ما يطلق عليه اسم مفكر، برغبتها واختيارها، او بطلب وبقصد منه او اغراء له او عربونا مدفوع الثمن، من منتج البرنامج او مقدميه، او التنفيذيين، كما يجري الحديث العام.. وكأنه وحده يفكر ومقدمه او مقدمته، او الناشر ، دون تفكير حقيقي بما يقول او يعبر او "يفكر" به، لا سيما اذا كان من يقوم بذلك يحسب دقات قلبه ويعد مردود ما يجنيه من تلك المقابلة او الحوار المعد له سلفا، سواء من اجره المحسوم او من هدايا "المفكر" المزعوم.. وهو الاهم، اما غير ذلك، لا تفكير ولا معرفة بالتفكير، معنى ومدلولا. وقد يكون كذلك للطرفين، اما القاريء أو المشاهد فله الصبر والقرار.. وعنوان "المفكر" شاع وأصبح من ترداده مسخرة أو اسما لكل من هب ودب. وسبق الاسم في الأغلب على المثقف وضاعت قيمته الثقافية وتفرعاتها الفكرية والأدبية. وفي كل ما ذكر يتم تسطيح وعي الناس بتضخيم الاسماء وتشويه الوعي بالمفردات ومعانيها وغسل الدماغ بجوهر ما يحصل..
في كتب التراث العربي، كتاب عنوانه؛ الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، يشرح أهمية كليهما، الفقيه والمتفقه، وفضل كل منهما في الايمان، ودوره في التفسير والإسناد والاقناع. واذا حاولنا تقريبه فللاسف لا نجد ما يرادفه في حال ما يشار له ويسجل في تعريف والقاب "المفكر" الإعلامي ، الإعلاني، المعلب، المسبق الاعداد والتجهيز ودفع الثمن، اوصاحب العلاقات والاتصالات والولائم والحسابات المترتبة منها وعليها. باستخدام المصطلح، لا فقيها ولا متفقها، وفي المعنى نفسه حين مزاوجته مع ما يرغبه من مصطلح: المفكر.
واذا تركنا المواصفات التي يحبها صاحبها، وهي من صفاته، وعدنا صوب ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية لهذا " المفكر"، اسلوبا وممارسة، وردوده لأسئلة عن معارف او أصدقاء مبتلين بتلك العلاقات، او معرفة العمل أو الزمن.. فعندها تكشف النوايا وتفضح الخبايا. حيث يصدق القول؛ (الاناء ينضح بما فيه..)!.
قد يصبح الامر معلوما اذا ما يتنكر "مفكر" لأصدقائه، وما قدموه له أو ما شاركوه فيه، فينسبها له أو يلغيهم منها، وان يثبت ذلك في كتاباته وكانه مؤرخ الزمان والمكان ولا يعرف بان لا احد يقرا له او ينصت له وإذا وجد فالاغلب قد عرفه وادرك مقصده ومرماه.. ومن سخرية القدر له ان الشهود كثر والاحداث قريبة لا يمكن نسيانها بسرعته في التغافل المقصود والإنكار المعهود.
يفخر بعض من يطلق عليه هذا الاسم بعدد ما ينشره من كتب وعدد ما يكتبه في عديدوسائل الإعلام وعدد الدروع والشهادات التقديرية والالقاب الورقية والتي قد لا يعرفها من هو بمنزلته أو بعلاقته، ويجمع بأنها له وهو ما يميزه عن غيره، ويحق له بها إصدار أحكام وتقييم آخرين ممن لا يلتقون معه أو عندهم رأي فيه. ومن الطرائف المروية عن بعضهم أن صديقا لاحدهم حين سمع برقم كتب صادرة له علق بسؤال: هل لديه قراء بعدد الكتب التي نشرها؟!. وتلك حقيقة وواقعة مؤلمة لا يفصح عنها لأي من المشاركين في هذه القصة الهزلية. ومثلها يدخل كثير من ما يسميه علم الاجتماع بالنفاق الاجتماعي وكذلك الثقافي، في الاحتضان الكاذب والتلميع المزيف والتكاذب النفعي.
التغافل او الانكار او النسيان حالة مستهجنة اذا مرت وعبرت بعفوية او في سياق عام ولكنها اذا كانت بقصد، وتعمد، فبالتاكيد في هذه الحالة تخرج من اطارها وتدخل في القيم التي يزعمها القائم بها وكذلك في معيارية الانسان كانسان حقيقي.
اعرف قصصا كثيرة مزعجة (الازعاج متأت من كونها بين من يسمون انفسهم اصدقاء او زملاء أو رفاقا!) في هذه الشؤون أو المجالات وفيها محاولات كثيرة للتسامي وخطوات للتسامح.. ولكن هنا لا يختلف على ان هذا "المفكر" بسبب هذه الحالات يفقد ضميره الشخصي، او الاخلاقي او ما لا يقال في هذا المقال. ومهما فعل، جحدا او بخسا، فهو يبدأ او يعبر عن نفسه، وذاته، اولا وأخيرا. ويرسم ملامح أزمة فعلية في التعريف والتوصيف والتوثيق له، وخيانة مفاهيم الثقافة والفكر والإنسان.
أية قيمة تبقى في إطار القيم التي عُرف بها مؤلفون معروفون على مراحل التاريخ؟!. وأصبحت مضرب امثال، أو المثال الذي يقلد ويتغنون به، مرورا في صفحات وسجلات الثقافة والفكر وجمال الحياة وروح الإنسان الطبيعي، لمن يتنكر لها أو يعمل على التلاعب بها وتزوير الحقائق والوقائع القاسية فيها والتهرب من حكم التاريخ والحضارة. القيم التي اعتدنا على انتسابها وتسجيلها لم تتغير حسب الأهواء والامزجة، بل هي اقانيم مستمرة، وبدونها لا قيمة للمدعي أو الباحث عنها زورا وبهتانا، نفاقا وتزلفا، الخ.
في النهاية لا يبقى في الوادي غير حجاره، كما كتب الروائي الطاهر وطار في تارخة الثورة الجزائرية في روايته: اللاز. وفيها ومثلها يسجل التاريخ أو يحسب لكل من رسم خطوات حقيقية ودفع لها بقوة ما وُهب وما تمكن من سبر وجد وحصاد وفير. لا يهم عدد الكتب ولا عدد الهدايا ولا عدد الاوسمة والمقابلات والأضواء فكلها تذهب في غمضة عين أو تكون كعفطة عنز في برية. ما يخلد المرء قيمه وما ينفع الناس، أما الزبد فيذهب جفاء، وتلك سنن الحياة. لا الادعاءات والمواعظ واستغلال الفرص أو انتهازها. ولا شراء بعض النفوس المتهورة التي لا يعرف وجهها من قفاها.. "ولا عندهم أنكر من المعروف، ولا اعرف من المنكر"!.. وفي الختام تلك هواء في شبك، مهما تمادت أو صرف عليها من اجور واموال وولائم وندوات عابرة لا تسمع عنها في محيطها ومجلسها.
لعل ما قاله الشاعر العربي العباسي صالح عبد القدوس يعبر عن بعض ما سردناه هنا:
لا خيرَ في ودِّ امريءٍٍ مُتملِّق٠٠٠ حلُو اللسانِ وقلبه يتلهَّب
٠٠٠٠
يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوة٠٠٠ويَروغُ منكَ كما يروغُ الثعلبُ
وختمها:
وإذا رأيتَ الرِّزقَ عَزَّ ببلدةٍ٠٠٠وخشيتَ فيها أن يضيقَ المذهبُ
فارحلْ فأرضُ الله واسعةَ الفَضَا٠٠٠طولا وعَرضاً شرقُها والمغرِبُ
فلقدْ نصحتُكَ إنْ قبلتَ نصيحتي٠٠٠فالنُّصحُ أغلى ما يُباعُ ويُوهَب