صراع الخرافة والعلم

طلعت رضوان
2020 / 6 / 19

من عجائب التاريخ الإنسانى أنّ البشرعلى مدارآلاف السنين، آمنوا بوجود قوى خارقة..وغيرمنظورة..وهى التى خلقتْ الأرض والسماء والمحيطات والبحار..وخلقتْ الإنسان والحيوان..إلخ، باختصارأنّ البشرآمنوا بالميتافيزيقا، أى (بقوى فوق الطبيعة) وليس لها علاقة بالواقع المادى على الأرض.
وإذا كانت (شعوب ما قبل التدوين) أى قبل عصرالكتابة لها العذرفى خلق آلهة تحميهم من العواصف..ومن كل ضرر..وآلهة تجلب لهم الخيرمثل نزول المطرإلخ، فإنّ ما يثيرالدهشة..ويستدعى التساؤل هوأنّ الإيمان بالميتافيزيقا استمرّحتى بعد التقويم الميلادى..والأكثرخطورة عندما تمتزج الميتافيزيقا بالخرافة. أو- بصيغة أدق- عندما تتمحورالميتافيزيقا وتتشكل فى مظاهرالخرافة..وهوالأمرالذى انتبهتُ إليه وأنا أقرأ ما كتبه ديورانت فى موسوعته (قصة الحضارة) وهويسرد تفاصيل ما حدث فى أوروبا فى الفترة من1558- 1648..وقد بدأ هذا الجزء بجملة ثاقبة فكتب: قد تولد الديانات وقد تفنى..ولكن الخرافة الناتجة عنها لاتموت..وذكرأنّ الخرافات فى تلك الفترة أكثرمما يحصيه العد..ومن أمثلة ذلك أنّ الزواج فى شهرمايويجلب السعادة..وضرورة الحذرمن الجن والأرواح الشريرة..وأنّ بعض الأرقام والمعادن والحيوانات والنباتات خصائص وقوى سحرية..ولكل حادث (علامة) إما على (رضا الله) أوعلى (غضبه) أومن (عمل الشيطان) وفى تلك الفترة كان التنجيم لايزال سائدًا..وكان يــُـدرّس فى بعض الجامعات وفى عام1572 انقطع تدريسه فى (جامعة بولونيا) بينما الفيزيائى والفلكى الألمانى (كبلر- 1571- 1630) نظرللتنجيم نظرة الشك والريبة، خاصة أنه هوالذى وضع قوانين تصف حركة الكواكب، بعد اعتماد فكرة الدوران حول الشمس..كمركزلمجموعة الكواكب..كما أثبت كل من كوبرنيكوس وجاليليو..وهكذا يتبين الفرق بين من (يؤمن بالعلم) ومن (يؤمن بالميتافيزيقا المُـتمحورة فى الخرافة) والأكثردهشة ما أثبته ديورانت، حيث ذكرأنّ الذين تعرّضوا للتعذيب..ومن أمروا بتعذيبهم (على حد سواء) صـدّقوا بإمكان الحصول على ((معونة القوى الخارقة للطبيعة، بواسطة الرقى والتعاويذ..وإذا كان من المستطاع الحصول على (شفاعة قديس) بالصلوات، فلمَ لانلتمس (معونة الشيطان) بملاطفته..والتودد إليه؟ وذكرأنه صدركتاب عام1580 بعنوان (بعض الأفكارالمسيحية حول السحر) جاء فيه أنّ العالم بأسره، فى البر..وفى البحارمملوء بالعفاريت والأرواح الشريرة غيرالمرئية..وساد الاعتقاد بأنّ كل البشرمن الممكن أنْ تتلبسهم الشياطين..وفى عام1593 انتشرالذعرحيث شاع خبر- ملفق- فحواه أنّ الشياطين تلبستْ أجساد ستين شخصــًـا..وتعذّبوا تعذيبــًـا بشعــًـا..وأنّ أحد القساوسة استحوذ الشيطان عليه..وهويلقى موعظته..واستند تجارالدجل إلى ما جاء فى إنجيل متى (8: 27- 34) حيث جاء فيه أنّ المسيح أخرج الشياطين من أجساد الذين حلوا بهم..وهوما تأكــّـد فى إنجيل مرقص حيث قال المسيح لأتباعه سأمنحكم القدرة على إخراج الشياطين باسمى.
فى هذا المناخ الذى غلب عليه الإيمان بالميتافيزيقا كان المواطنون يلجأون للقساوسة لعمل تعاويذ مختلفة، مثل إزالة الحشرات الضارة عن النبات، أولتهدئة الأعاصيرفى البحر..أوتطهيرالمبانى من الأرواح الشريرة..والكارثة أنّ البابا بول الخامس أصدرمنشورًا فى عام1604 بأنّ هذه التعاويذ تعتبرضمن الخدمات الكهنوتية. وتبعــًـا لذلك اعترفتْ كنيسة بريطانيا بقيمة التعاويذ على أنها ((طقوس شافية)) كما انتشرتْ الكتب التى تشرح ((كيفية الاتصال بالشياطين، إما لتفادى ضررها أوالمشورة للاستفادة برأيها..وفى هذا المناخ- أيضــًـا- نشطتْ (محاكم التفتيش) والقبض على كل من يــُـشتبه فيه بأنه يــمارس السحر، فتـمّ القبض على53 شخصـًـا فى إسبانيا..وصدر الحكم بإعدام11 منهم..وفى جنوب فرنسا عام1609 انتشرتْ موجة عاتية من الذعر بسبب السحر..واعتقد مئات الناس أنّ الشياطين حلــّـتْ فى أجسادهم..وظنّ بعضهم أنهم ((تحوّلوا إلى كلاب..وأخذوا فى النباح)) وزعم الدجالون أنهم اكتشفوا الأماكن التى يتسلل منها الشيطان إلى جسد الإنسان، فكان المعالج/ النصاب يغرزإبرة فى جسد المريض، فلوأنه لم يشعربوخزالإبرة، فهذا معناه أنّ هذا المكان هوالذى دخل منه الشيطان.
وذكرديورانت أنه فى مقاطعة اللورين الفرنسية تـمّ حرق800 إنسان بتهمة ممارسة السحر، وذلك على مدى16سنة..وفى ستراسبورج تـمّ حرق134 إنسان بتهمة ممارسة السحرفى أربعة أيام من شهرأكتوبر1582 وهكذا فى مدن أوروبية كثيرة..ولكن المهم هوأنّ الكاثوليك والبروتستانت فى ألمانيا اتفقوا- بالرغم من خلافاتهم المذهبية- على إعدام السحرة حرقــًـا..وامتدتْ الخرافة لتشمل مقولة أنّ (طاعون الماشية) كان من أفعال السحرة.
إنّ وقائع حرق كل من تحوم حوله (شبهة) ممارسة السحر..وتجمع الناس فى الميادين لمشاهدة (حرق الأحياء) حتى التفحم، تلك الوقائع وأعداد الضحايا اعتمد ديورانت على ما نشرته الصحف المعاصرة للأحداث..وأضاف أنّ الباحثين الألمان قـدّروا جملة من أعدموا بتهمة السحربمائة ألف فى ألمانيا فى القرن السابع عشر.
ولاحظ ديورانت أنّ أسوأ الأعمال الوحشية ((عمدتْ إلى اقتباس النصوص المقدسة لتبريرأعمالها الإجرامية)) وكما أنّ (شعوب ما قبل عصرالتدوين) آمنتْ وصـدّقت معتقداتها الدينية (قبل اليهودية والمسيحية) كذلك آمنتْ بالتوارة والأناجيل..ولما لم يفهم عامة الناس الأناجيل المكتوبة باللغة اليونانية، انتشرتْ ترجمات عديدة للأناجيل مكتوبة بلغة الناس..وعندما كادت تحدث فتنة بين كبارالمتعلمين وأعضاء الكهنوت الدينى، بسبب هذه الترجمات، أوضح (علماء اللاهوت) أنّ (الروح القدس) استخدم أسلوب العامة المشترك ((حتى يتيسرللناس فهم النصوص المقدسة))
وفى خضم هذا العالم المشحون بأقصى درجات التعصب الدينى والمذهبى..وُلد (كومنيوس) فى مقاطعة مورافيا التشيكية عام 1592 ودخل الكنيسة حتى صعد إلى درجة أسقف الأخوة..وبالرغم من الأحقاد الدينية التى جعلتْ حياته سلسلة متصلة من المحن والبلايا، فإنه ظلّ على إيمانه بفلسفة التسامح..و(معتقد الوحدة الأخوية) وفى هذا الشأن كتب ((نحن أبناء عالم واحد..وفى عروقنا نفس الدم..وأنه من مظاهرالحماقة أنْ نــُـضمرالبغض والكراهية لإنسان لانعرفه لمجرّد أنه لايؤمن بديننا..ولايتكلم بلغتنا، أو لأنّ أفكاره وآراءه لاتتطابق مع أفكارنا وآرائنا. إنى أتوسل لجميع البشرأنْ تكفوا عن هذه الكراهية. إننا بشرمتساوون فى الإنسانية، فليكن لنا جميعــًـا هدف واحد هوخير الإنسانية..ونقتل الحقد داخل نفوسنا بسبب اختلاف اللغة والدين (ديورانت- قصة الحضارة- المجلد15- الجزء29، 30)
واختتم ديوانت هذا الجزء بقوله إنّ الخلافات الدينية كادت أنْ تقضى على روح ومبادىء البحث العلمى فى الجامعات..وبالتالى تـمّ التمهيد لتكريس استبعاد الخلافات السياسية والدينية والمذهبية، داخل الجامعات..والابتعاد عن المهاترات الكلامية.
وفى هذا العصرالمشحون بالتعصب الدينى والمذهبى..والإيمان بالميتافيزيقا المُتمحورة فى الخرافة، بدأ يبزغ عصرجديد (عصرالعلم) والاكتشافات العلمية..وبصفة خاصة مع ظهوراسم العالم الكبير(جاليليو-1564- 1642) وهوما سأحاول الكتابة عن هذا التحول نحوالتفكيرالعقلانى/ العلمى، بعيدًا عن الخرافة فى مقالى القادم.
***