نحن ومرايانا

حنان بديع
2020 / 6 / 19

ما بين المرأة والمرآة فرق الهمزة وهما رفيقتان حميمتان ، ومع ذلك فإن مخترع المرايا رجل ولا أحد يدري ما إذا كان رجلا وسيما أم لا ، كما لا أحد يعلم إذا ما كان بريق المرايا المتلألئ كسطح الماء هو السبب في اشتهار مدينة فينيسيا العائمة على سطح الماء بصناعتها .

لكن قبل فينيسيا كان للمرآة تاريخها المتجذر في القدم وهو ما كشفت النقاب عنه أقدم مرآة تم اكتشافها وكانت عبارة عن شظية كبيرة من الصخر المتحجر مصقولة ولامعة تعود الى أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد .

المهم أن المرآة في النهاية هي انعكاس لصورتنا وإذا لم تكن من النوع الرديء فهي لا تقول إلا الحقيقة ..لكن إذا كانت هذه الحقيقة تحتاج الى شجاعة فهل يعكس تعلق المرأة بمرآتها شجاعة ما في مواجهة الحقيقة أم أن السبب يعود الى اعتماد الرجل على مواصفات رجولية أخرى لا علاقة لها بالمظهر ؟

سواء كان هذا أو ذاك فإن أحدث الدراسات تؤكد على أن الرجال باتوا يستغرقون وقتا أطول من النساء أمام المرأة استعدادا للخروج ، وأن هذا المشهد الذي كان نادرا منذ سنوات أصبح عاديا جدا، إلا أن الرجال عادة ما لا يعترفون بهذه العلاقة مع المرايا رغم أنهم يسترقون النظر اليها في الأماكن العامة ربما خوفا من اتهامهم بالتشبه بالنساء أو اعتمادهم على مظهرهم الجذاب بدل المواقف الرجولية في تقديم أنفسهم.

إن النظر الى المرآة سلوك واحد لدى الرجل والمرأة لكنه ليس كذلك من حيث التجاوب والهدف إذ غالبا ما تكون نظرة الرجل إيجابية وواقعية فيما يتعلق بنظرته الى نفسه أما المرأة فإنها تبحث عن الكمال المستحيل وبالتالي تبقى قلقه على مظهرها ذلك القلق الذي يصل حد الهوس والوسواس القهري وربما وصلت الى تلك المرحلة التي تخاطب فيها مرآتها قائلة : مرآتي .. يا مرآتي !

لكن هذه المرآة الخبيثة لا تعكس صورتنا بجمالها وقبحها فقط انما تعكس شخصينا أيضا دون أن ندري ..

فمن ينظر الى المرآة ويبتسم أو يقلد الآخرين بمرح هو شخصية مرحة محبة للحياة أما من يطيل النظر الى المرآة مركزا في تأمل عينيه فهو صاحب شخصية تأمليه تحمل في أعماقها أسئلة كثيرة أما إذا كنت تشيح بنظرك عن المرايا اذا ما صادفتها فأنت صاحب شخصية رافضة وغير اجتماعية لكن المتشائم يرى في المرآة كل شيء عدا نفسه ولا يصدق أبدا أنها يمكن أن تكون جميلة لكن إذا كنت من الشخصيات الحالمة حينها ستفكر في الماضي والحاضر والمتقبل معا وكأنك أمام شاشة سحرية لأحلامك وأمانيك

لكن ماذا لو كنت من عشاق المرايا ممن لا يستطيعون منع أنفسهم من النظر الى المرايا؟

إذا كنت من هؤلاء فلا تقلق فأنت لست سوى شخصية حساسة جدا تحافظ على مظهرها فنانة محبة للألوان والديكور .

لكن يؤرقني السؤال متى يمكن أن تكذب المرآة وتزور الحقيقة عملا بالمثل القائل (القرد في عين أمه غزال) ؟

بلى هي تفعلها ، صدقوني ..

واذا لم تكن المرايا أيضا تكذب فمن الذي يقنع الأمهات بأن أبنائهم ليسوا قرودا بل غزلانا شاردة؟

ترى هل هي مرآة القلب ؟

تلك التي تجعل الحبيب يرانا في أجمل صورة حتى لو كذبته كل مرايا العالم ؟

انتبهوا من مرآة القلب ، فلربما خذلتكم بحقائق أخرى غير تلك التي ترونها في مراياكم وتبتسمون .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير