نقض مفهوم الروح لدى محمد شحرور

هيبت بافي حلبجة
2020 / 6 / 17

بعدما إنتقدنا إطروحات المفكر السوري محمد شحرور في موضوع ذات إشكالية عقائدية عظمى قاتلة ، وهي التي سميت بمأساة إبليس ، والتي كان من المفروض أن تسمى بمأساة إله الكون ، إله الكون الذي أراد أن يبرهن على وجوده ، من خلال إنطولوجية إبليس ، وكإنه يقول هذا هو الإبليس وهذه هي مأساته فأنا إذن موجود . ومن جانب آخر ، نفينا عن الإبليس رمزيته للشر وللمعصية وللغواية لإنه ، بكل بساطة ، مخلوق من مخلوقات إله الكون المفترضة ، وإلا لكان ، في الحالة المعاكسة ، إله مستقلاٌ ، إله كامل الإرادة وكلي المقدرة . إذن فبعدما إنتقدناه في موضوع الشيطان ، نود أن ننتقد إطروحاته في موضوع آخر أصبح ذات إشكالية عظمى لديه ، وهو موضوع الروح .
وفهمه لهذا الموضوع يعتمد على تفسيره الخاص والشاذ لمجمل الآيات النص الإلهي التي تتحدث عن الروح ، لذلك لامناص من أن نذكر مجمل تلك الآيات ، ونذكر المناسبات التي أوحت بها ، بإستثناء بعض الآيات الكريمة التي تفيد في المعنى المجازي لمفردة الروح والتي تقدر بحوالي ستة معاني والتي لاعلاقة لنا بها . ومن ثم نثبت رؤية محمد شحرور الخاصة بتفسير طبيعة الروح من خلال تلك الآيات ، ومن ثم ننتقد هذه الرؤية من خلال مجالين متباعدين ، الأول هل تفسيره ، أي تفسير محمد شحرور ، للروح يتوافق مع حقيقة تلك الآيات ، وتتماهي مع رؤية إله الكون في مقاصده ومبتغاه من تلك الآيات ، والثاني هل تفسيره لها يتوافق مع التأصيل التاريخي الذي أنشأ هذه المفردة ، وتحديداٌ مشروع إزدواجية الجسد مابين الروح والبدن لدى العظيم زرادشت عليه السلام .
يقال إن النضر بن الحارث مع واحد من أصحابه أرادا أن يختبرا الرسول محمد عليه السلام إختباراٌ ، فطرحا عليه ثلاثة أسئلة وهما يعرفان الإجابة مسبقاٌ ، ويعرفان إن الرسول لايعلم بوجود هذه القصص والمرويات . ودار السؤال الأول حول من هو ذو القرنين ( اسكندر المقدوني ) ، ودار السؤال الثاني حول فتية إفسوس ( أهل الكهف ) ، ودار السؤال الثالث حول طبيعة الروح / ماهية الروح . فقال الرسول سآتي بالأجوبة غداٌ ، ومضى غد وأربعة عشر يوم من بعده . فظهر الرسول ، فقال له النضر بن الحارث ما الذي أخرك ، فقال الرسول إن الملاك جبريل تأخر علي لإني لم أقل : إن شاء الله ، فلو قد قلت : إن شاء الله ، لكانت الأجوبة عندي في حينها ، ونزل نص إلهي بهذه الخصوص !!! ، وكان جواب الرسول على السؤال الثالث الآية الكريمة التالية : ويسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاٌ . ونذكر هنا ، كمعلومة تاريخية ، إن الرسول عليه السلام حينما تمكن من الخصوم ، وأسر مجموعة منهم ، ومن بينهم هذا النضر بن حارث وصاحبه ، فإنه طلب الفدية من جميع الأسرى قاطبة إلا من هذا النضر وصاحبه ، وأمر بضرب أعناقهما ، وكان ذلك .
وفيما يخص قضية خلق سيدنا آدم عليه السلام ، يقول النص القرآني : وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراٌ من صلصال من حمأ مسنون ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . وثمة نص إلهي آخر : إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراٌ من طين ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين .
وفيما يخص قضية أمنا السيدة العذراء مريم عليها السلام ، وقصة حملها بالمسيح عليه السلام بدون أية علاقة ذكورية ، يقول النص القرآني : والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وإبنها آية للعالمين . وثمة نص آخر : ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين .
وفيما يخص قضية سيدنا المسيح له كل المجد ، يقول النص القرآني : إذ قال الله يا عيسى إبن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ، إذ أيدتك بروح القدس ، تكلم الناس في المهد وكهلاٌ ، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل . وثمة نص آخر : ولقد آتينا موسى الكتاب ، وقفينا من بعده بالرسل ، وآتينا عيسى إبن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، أفكلما جاءكم رسول بما لاتهوى أنفسكم إستكبرتم ففريقاٌ كذبتم وفريقاٌ تقتلون .
إزاء مضمون هذه الآيات الكريمة ، يقسم محمد شحرور( ....) إلى قسمين . القسم الأول : قسم موضوعي خارجي ، مستقل عن الوعي الإنساني ، مستقل في شروط وجوده ، وأركان ذاتيته ، وهو الوجود المحسوس المادي ، أي الموجودات التي هي هناك ، والتي تترآى لنا ، نحن البشر ، من خلال مداركنا كلها قاطبة ، وهو الحق نفسه ، فالحق هو ، بالتعريف الإلهي ، الوجود الحقيقي الصريح الذي هو هناك . والقسم الثاني : فسم ذاتي معنوي ، خاص بالإنسان ، خاص بالأنسنة ، وهو الروح ، فالروح تكمل الحق ، والحق يكمل الروح ، أي إن الحق هو الجانب الآخر من الروح ، كما إن الروح هي الجانب الآخر من الحق . ويضرب لنا مثالاٌ ، فيقول إن هذه الورقة هي وجود مادي محسوس ، وكذلك الحبر الذي عليها ، لكن حينما نقرأ تلك العبارات المدونة عليها ، فإن المعنى المستخلص منها هو الروح ، كذلك فإن الشمس والقمر والوديان والأشجار ، كلها أشياء مادية محسوسة ، لكن ما نعرفه ، نحن البشر ، عن تلك الأجرام والأشياء هو الروح . وكذلك الصلاة ، فهي غير مستقلة في وجودها ، إذ لانوجد صلاة في حد ذاتها ، إنما ثمت من يمارس الصلاة ، انت تصلي وأنا أصلي ، لكن لاصلاة هناك ، فالصلاة ، إذن ، هي الروح . والتقوى ، أيضاٌ ، لاتتمتع بوجود خاص بها ، إنما لابد من أن يفعلها شخص ما ، إنسان ما ، فالتقوى هي الروح .
إلى ذلك ، لنرجع إلى قصة النضر بن الحارث وصاحبه مع الرسول الكريم والإجابة الإلهية على السؤال الثالث عبر النص الإلهي التالي : ويسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاٌ . هنا يؤكد محمد شحرور ، إن الإله لم يرفض الإجابة على هذا السؤال ، بل بالعكس ، فإنه قد أجاب عليه كما هو ، كما ينبغي ، فهو يقول ، أي إله الكون ، إن الروح مكون من : أولاٌ قل الروح من أمر ربي ، أي إن الروح مكون من الأوامر الإلهية ، أي البر بالوالدين والصلاة والصيام والتقوى ، والنواهي الإلهية ، والتشريعات الإلهية ، وتبيان الحلال والحرام . وثانياٌ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاٌ ، أي إن الروح مكون من العلم والمعرفة ، وهذا ما أتى بهما جبريل عليه السلام ، أوامر إله الكون والمعرفة ، وعلم آدم الأسماء كلها ، وهذه هي المفارقة مابين البشر والإنسان ، فالإنسان هو الكائن الوحيد في الكون والوجود من يملك الروح ، في حين إن البشر والحيوانات هي كائنات لاتملك الروح أبداٌ ، إنما هي تملك الحياة ومن ثم الموت ، وهذه هي المفارقة القاتلة مابين الحياة كحياة ، ومابين الروح كروح ، وهذه هي المفارقة الحقيقية مابين البشر والإنسان ، ولذلك ، حسب محمد شحرور ، نقول كلية الطب البشري ، وليست كلية الطب الإنساني ، ونقول كليات العلوم الإنسانية ، وليست كليات العلوم البشرية .
فالروح ليست سر ولا أصل الحياة ، وليست للروح اية علاقة بالحياة ، فلو لقح حمار( الذكر ) أتاناٌ( أنثى الحمار ، إفلا يكون الكر حياٌ رغم إنه لايملك الروح ؟ . ثم ألا يكون الجنين البشري حياٌ قبل نفخ الروح فيه ، بل بالعكس ، يهتف شحرور ، إن الحيوانات المنوية تملك الحياة ، فهي حية ، وكذلك البويضة ، ولايتحول الجنين ، من مرحلة الجنين البشري والحياتي ، إلى مرحلة الجنين الإنساني ، إلا بعد أن ينفخ الروح فيه بعد عدة أشهر .
ويفسر محمد شحرور النص الإلهي ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ، إن نفخ الروح فيه لايتطابق ، البتة ، مع مرحلة فإذا سويته ، أي لايحاكيها لا في الزمن ، ولا في الحضور ، ولا في الآن والآنية ، فلايأتي معها مباشرة إنما يأتي ، بالضرورة ، بعدها . فمرحلة أن سويته لا تمثل مرحلة الشكل والهيئة فقط ، إنما تمثل مرحلة الحياة ومرحلة النفس ، أي مرحلة البشر ، فسويته أي أصبحت له حياتاٌ ونفساٌ . وبتعبير أخص ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي يعني تمامأ فإذا سويته ومن ثم ، ومن ثم بعدها ، نفخت فيه من روحي ، فنفخت فيه من روحي تمثل المرحلة الإنسانية ، وسويته تجسد المرحلة البشرية فقط ، وليس إلا فقط .
وهنا يهتف محمد شحرور قائلاٌ ، لذلك فإن الرسول عليه السلام كان يقول دائما ، والذي نفس محمد بيده ، والذي نفسي بيده ، ولم يقل أبداٌ والذي روحي بيده ، لإن الروح ليست سر ولا أصل الحياة ، إنما هي النفس ، ولذات السبب والمفهوم ، يستطرد شحرور ، إن المسيحية تصيب كبد الحقيقة ، حينما تقيم الصلوات على نفس المرحوم المتوفي وليس على روحه .
لنكتف بهذا القدر ، ولنعترض على هذه التصورات بمايلي :
أولاٌ: إن هذه الرؤية ، في مجملها ، تطيح بكل الأسس العقائدية الدينية المرتبطة بها ، وتطيح بكل النصوص الإلهية ، وتطيح كذلك بكل إطروحات محمد شحرور ، فالشخص الواحد ، نستخدم هذه المفردة كي نتجب إشكالية التسمية لديه ، حينما يتوفى ، فحسب محمد شحرور ، تتوفى النفس وتفنى ، وينحل الجسم ويفنى ، ولايبقى أي شيء منهما البتة . وبما إن الروح ليست إلا الأوامر الإلهية والنواهي الإلهية زائد العلم والمعرفة ، وهي ، في الأصل ، قضايا معنوية ذاتية ، فهي تندثر وتنمحى لإن شرطها واقف على شرط وجود النفس حية ، أي ، في نهاية المطاف ، لايبقى شيء من الشخص على الإطلاق ، فبعد موته ينتهي الشخص ويندثر . وهذه نتيجة طبيعية ، في سياق منظومة محمد شحرور، فالنفس إن ماتت إندثرت معها كافة القضايا المتعلقة بالروح .
ثانياٌ : لنعود إلى قضية إختبار تحدي النضر بن الحارث وصاحبه للرسول وإله الكون في تلك القضايا الثلاثة ، فأساس الإختبار يقوم على أمرين أثنين ، الأول هو المعرفة المسبقة لأحبار اليهود بطبيعة السؤال ، الثاني إنهم كانوا يوهمون الرسول إن هذه القصص موجودة في صلب ديانتهم ، أي في التوراة ، وفي الحقيقة إنها تكون موجودة في التلمود ، حيث أساطير اليهود ، ومن هنا حينما كان الرسول يقص عليهم بعض القصص بعد أن يغير فيها على أساس إنها من النصوص الإلهية ، وإنها من القصص القرآنية ، فيقول هؤلاء الأحبار ، إنها من أساطير الأولين ، أي من خرافات اليهود . فلو كان مفهوم الروح بذلك المعنى الذي ذهب إليه محمد شحرور ، لكان النضر وصاحبه بمنتهى الغباء لجهلهم بحقيقة الروح ، وهذه فرضية مرفوضة ، بالقطع ، لإن أحبار اليهود كانوا يختبرون الرسول في شتى المواقع ، كما قلنا ، لإظهار إنه ليس نبياٌ من عند الرب ، إذ كانوا يعرفون تلك القصص ، ويعلمون إنها موجودة في التلمود وليس في التوراة ، ويزعمون ، قصداٌ ، إنها موجودة في التوراة ، فينزلق الرسول إلى المصيدة .
ثالثاٌ : إذا كانت الروح هي الأوامر الإلهية ، البر بالوالدين والصلاة والصيام ..إلخ ، زائد المعرفة ، فينبغي ان نتقبل معناها في الآيات الكريمة على النحو التالي .
الآيات الأولى : وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراٌ من صلصال من حمأ مسنون ( إني خالق بشراٌ من طين ) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين . وإذا سويته أي إذا وهبته هيئة أو شكل ، والدليل إن لديك طين ( أو صلصال من حمأ مسنون ) ، وإذا سويته فإنت تسوي الطين ، وعملية سوي الطين لاتعني الحياة أبداٌ ، إنما فقط ، وبالضبط وضع الطين في هيئة معينة ، ومن ثم نفخ إله الكون روحه في تلك الهيئة ، أي بتعبير محمد شحرور ، قال إله الكون للطين ( للصلصال ) عليك البر بالوالدين ، بالتقوى ، بالصلاة ، بالصيام ، وبالعلم والمعرفة !!! . وفي الحالتين ولد ، وتكون سيدنا آدم عليه السلام !!! .
الآيات الثانية : ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه ، أي في فرجها ، من روحنا . والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها ، أي في مريم ، من روحنا . وهكذا حسب محمد شحرور ، فإن إله الكون قد نفخ أوامره ونواهيه ومعرفته ، مرة في صدرها أو بالأدق فتحة النهدين ، ومرة في فرجها ، أي في أنوثتها !!! . وفي الحالتين ولد سيدنا المسيح عليه السلام من البر بالوالدين والتقوى والصلاة والصيام ومن العلم والمعرفة !!! .
الآيات الثالثة : إذ قال الله ياعيسى ابن مريم ، أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ، إذ أيدتك بروح القدس ، تكلم الناس في المهد . وأتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس . ونفس السيناريو يتكرر ، مع فارق كبير جدأ ، وهو إن سيدنا المسيح عليه السلام كان يكلم الناس في المهد بفضل روح القدس ، أي بفضل البر بالوالدين والصيام والنواهي !!! .
رابعاٌ : إن التعبير اللغوي في هذه الآية الكريمة يكذب ماذهب إليه محمد شحرور ، ويسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاٌ . فمن جانب يسألونك عن الروح ، أي يسألونك عن شيء معروف في عموميته لوجود أل التعريف ، فالروح ليس أمراٌ طارئاٌ في ذلك المجتمع ، سواء أكان ذلك في البتراء أم في المكة والمدينة . ومن جانب آخر قل الروح من أمر ربي ، فمن يفيد التبضع ، ويؤكد على إن مفردة أمر أعم وأشمل من مفردة الروح ، فالروح هي شأن من شؤون إله الكون ، هي قضية من قضاياه ، أي إنهم يسألون عن أمر يخص هذا الإله . ومن جانب ثالث وماأوتيتم من العلم إلا قليلاٌ ، الواو هنا تفيد الحالية وهي تفسر منطوق الجملة السابقة وليست ، بالـتأكيد ، واو الإضافة كما يزعم محمد شحرور . ومن جانب رابع إن جملة وما أوتيتم من العلم ، نفيد هنا محتوى العلم الإنساني وهذا لا يتوافق مع النتيجة التي ذهب إليه محمد شحرور ، فالنتيجة لدى شحرور تقتضي العلم بصيغته الكونية الإلهية وليست بصيغته البشرية . ومن جانب خامس إن مفردة إلا قليلاٌ تؤكد كل ماذهبنا إليه وتناقض ما ذهب إليه شحرور ، فإلا تفيد الحصرية والتجزئة ولاتفيد الشمولية ، وتؤكد إن إله الكون يقول تماماٌ : أنتم تسألون عن الروح ، وهي من أختصاصاتي ، وقضاياي ، وشؤوني ، وأنتم لاتستطيعون بعلمك الإنساني أن تدركوا حقيقة ، وطبيعة ، وخصوصية هذه الروح . ومن جانب سادس لو كان ماذهب إليه شحرور صحيحاٌ ، فإن مفردة إلا قليلاٌ هي زائدة ، ولكان التعبير الصحيح هو : ويسألونك عن الروح ، قل الروح هي أوامر ربي ، وعلمه .
خامساٌ : متى يكون ماذهب إليه شحرور صادقاٌ ؟ لو إن إله الكون قد ذكر الروح في نص سابق ، وهذا النص يقبل الإرتباك ، فتأتي جماعة ما وتسأل الرسول عن هذا الأمر للزيادة في الفهم ، فيجيبهم نص جديد : ويسألونك عن الروح ، قل الروح هي أوامر ربي ، وعلمه . لكن في الواقع ، ثمة تحدي ، والتحدي ينبغي أن يتأصل على أمر معروف ومدرك في تلك الحقبة ، علاوة على ذلك ، وهذا جد قاتل في هذا الموضوع ، إن مفردة الروح كانت موجودة ، ومعروفة قبل ذلك بأكثر من ألف سنة على يد زرادشت العظيم عليه السلام :
و منطوق الروح لدى زرادشت هي كالتالي : الإنسان لدى زرادشت مؤتلف من الروح والبدن ، ويستعمل زرادشت مفردة الروح ( كوردية زرادشتيه ) بذاتها وليس بمعناها ، أي كما هي ، ويستعمل مفردة البدن ( كوردية زرادشتيه ) بذاتها وليس بمعناها ، أي ، إن مفردة الروح كانت معروفة ، على الأقل ، منذ أيام زرادشت ، والتي تعني ، تحديداٌ لدى زرادشت ، المقولة المفارقة لطبيعة الجسم الإنساني ، ذلك الإنسان الذي أصبح إنساناٌ بوجود الروح ، وليس بأي وجود أو مكون آخر . والموضوع لدى زرادشت ، يحتاج إلى توضيح أكثر من ذلك ، لكن نذكر ، فقط ، إن كلمة الجن أو الجان ( كلمة كوردية زرادشتيه ) تفيد محتوى الأرواح الصافية الصرفة ، كما إن مفردة النفس ( كوردية زرادشتيه ) تفيد بأنضمام وتمازج الروح والبدن ، لذلك فإن الإنسان يعرف بالنفس وليس بالروح ، وكان الرسول عليه السلام يدرك ذلك عن طريق سلمان الفارسي ، لذلك كان يردد ، دائمأ ، والذي نفسي بيده . وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة والتسعين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول