بلوك وريح قلبك؛ بلا مثلي بلا ديني متشدد!!

مختار سعد شحاته
2020 / 6 / 16

تقول أسطورة الممالك السبعة الصينية القديمة؛ "السماء واحدة تتسع للجميع"، ومفادها بالاستنتاج المنطقي أن الأرض كوجه آخر لعملة الحياة التي تمثل السماء والأرض وجهيها، انعكاس لهذه السماء المتسعة للجميع، إذن إن ضاقت الأرض ضاقت السماء، وإن ضيق السماء يستدعي ضيقًا للأرض. إذن كلما ضيقنا تلك المساحة من براح السماء فإنه حتمًا تضيق مساحتنا على تلك الأرض.
تبدو تلك مقدمة رومانسية أو حالمة تصلح تمامًا لأساطير مماثلة، لكنها في نظر البعض لن تصلح أبدًا لأسطورتنا التي نحياها، إذا ما نظرنا إليها بعين الإنسان بعد مئات السنين حين نتحول نحن إلى أسطورة لمن يخلفنا، فلماذا؟ هل اختلفت السماء والأرض؟ ربما، هل ثمة تغيرات حدثت ربما؟ لكن الأكيد أن تغيرًا حدث لنا نحن الذين سكنوا تلك الأرض، والذي من المفترض أن السماء اجتهدت بدورها لأجل إحداث تغيير يعكس رحابتها على وجه الأرض، فلماذا يجيء الخلل إذن؟ ولماذا تضيق فجأة؟ دعنا نحاول أن نستوضح الأمر دون اتهامات نوزعها هنا وهناك.
قال الفيلسوف كوامي أنتوني آبيا في كتابه (في بيت أبي) إن أفدح أخطاء البشر في عوالمنا التي كانت مستعمرة، أنها انقسمت على نفسها، ووجهت حروبها دون أن تدري إلى ذواتها، ووقعت في فخّ الاستعمار وفكرته إلى الأبد، فكل ما يأتي من الآخر واجب معاداته تمامًا، دون محاولة تفسيره أو تحليله وقراءته في سياقه الحتمي التاريخي، أو إما التعلق به باعتقاد أنه جاء من ذلك الآخر الأكثر تقدمًا وإنسانية، أي أننا في كلتا الحالتين ندور في فلك تلك السيطرة الاستعمارية، دون أن نتأمل حقيقة القضية محل الخلاف والجدل بيننا، ودون أن ننظر إليها من كافة الزوايا، وبإغفال تام لسياق الأحداث ونزع فجّ لها عن دوائرها الأصلية. ومن وجهة نظري والتي قد يراها البعض مبالغة ما، إلا أنها ربما تحتمل المناقشة أو الجدل حولها، أن كل مشاكلنا إنما جاءت لهذا الخلاف مفسد الود والحياة، لكن هل كل المشاكل حقيقة صدرت بسبب هذا الخلاف حول قضية من قضايانا كجنس بشري من المفترض أن تسعه الأرض كي تسعه السماء؟ الحقيقة، نعم.

الحرب بين مملكتي السماء والأرض:
جرت العادة أن تأخذنا قضايانا البشرية إلى معترك يصل إلى حد نفي الآخر، المختلف عقائديًا وعرقًا ولونًا وأيدلوجيًا، دون أن ننتبه إلى أن ذلك الخلاف يضيق فرصتنا في الحفاظ على اتساع السماء لتشملنا، ذاك أننا ضيّقنا علينا الأرض أكثر وأكثر بما رحبت، وبما هو مقدر لها من اتساع كما قلنا في حقيقته انعكاس لاتساع السماء. هذا يضع الداعيين إلى مملكة السماء الواسعة في تساؤل منطقي، إذ هم كلما ضيقوا في براح الأرض إنما ضيقوا في براح المملكة السماوية التي يدعون الناس إليها، وهم بالتالي أكثر المخلوقات خطورة على اتساع مملكة السماء من هؤلاء الرافضين حتى للفكرة برمتها، واعتبار الحياة على الأرض ليست إلا حياة نحياها والسلام! وأعجب ما نلمحه في هؤلاء من أبناء المملكة السماوية أنهم طوال الوقت لا يدركون أن تلك المعارك كلها معارك صفرية وعبثية تأخذ قضيتهم وسمعة مملكتهم السماوية تلك إلى التساؤلات والشكِّ والريبة في الفكرة نفسها.
يجد المرء حين يتأمل الآخر الذي يسعى لتحويل مملكة الأرض/ الحياة إلى مملكة أكثر اتساعًا اجتهاده واضحًا في أن يسنَّ القوانين التي تضمن تلك المساحة من براح مملكته، والتي لأجلها فرضت الدساتير والقوانيين التي تحدد المساحات الشخصية والعامة، وتضع الجسور التي تسمح بالدخول والخروج من الخاص جدًا إلى العام بكثافته، دون الإخلال بالقاعدة الأولى التي وضعت من أجلها تلك القوانين ألا وهي قاعدة الاتساع، إذ تحاول أن تجتهد في الحفاظ على المساحات الممنوحة للأفراد لتأكد بدورها أن لديها في تلك المملكة الأرضية اتساع يكفي الجميع، وهو بشكل ما دون أن ننتبه يؤكد اتساع مملكة السماء، والتي في حقيقتها وضعت قوانينها الأولية لتأكيد تلك الرحابة، وبالنظر إلى قانون منطقي بسيط يمكن إدراك الأمر، إذ أن الكليات تجب الجزئيات، فإن كان على سبيل المثال "لا إكراه في الدين" إذن فكل صور المخالفة لذلك الإكراه حتى لو كان ظاهرها الحفاظ عليه من رافضيه ما هو إلا تضييق ومحاولة لفرض الجزء على الكل في عكس ومخالفة لقانون المنطق القائل بأن ما ينطبق على الجزء لا ينطبق على الكل.

البرازيل والمثلية الجنسية:
لنأخذ مثالاً واضحًا على ما نقول؛ وهنا لا أحاول اتخاذ موقف مع أو ضد قدر ما أحاول النظر أولاً في المعطيات التي يقدمها الطرفان المختلفان من مملكة الأرض ومن مملكة السماء، ليكن مثالنا على قضية كقضية المثلية الجنسية والإعلان عنها، والموقف منها في كل العالم (المملكة الأرضية) إذ تسمح بعض الدول بهكذا إعلان وتقره وتحميه بنصوص القانون والدستور، وتكفل حرية الأشخاص الذين اكتشفوا ذلك عن أنفسهم أو لهم رغبة في الإعلان عنه، وفرضت ذلك القانون بالقوة دون أن يجرؤ أحد من الرافضين له ممن يدعون أنهم أهل مملكة السماء، بل يصغرون أمام قوة القانون وإنفاذه مهما كانت اعتراضاتهم، ففي خلال إقامتي في البرازيل التي تسجل في ولاية باهيا في الشمال أكبر تجمع عالمي لجماعات الميم والعابرين جنسيًا، تمَّ تغليظ العقوبة في حال التعرض لهؤلاء بالإشارة أو اللفظ أو التحرش المباشر المعلن وغير المباشر، وفرضته الحكومات بقوة القانون فرضًا رغم أنف الجميع، دون اعتبار لجماعات من البروتستانت المتشددة وغيرها من الجماعات الإيدلوجية التي تصل في دواخلها إلى لا اعتبار الآخر مهما كان، إلا أن البرازيل المعاصرة –على الرغم من فسادها السياسي- استطاعت بعد صراع طويل مع الديكتاتورية أن تسن قوانين تُلزم الجميع باحارمها، دون أن تعتبر لموقف الأشخاص من تلك القوانيين، أي أنها فرضت حماية المثليين من التنمر ومن التحرش لفظًا وفعلا، دون اعتبار للجماعات الدينية المتشددة، وذلك بقوة القانون داخل دولة ينظم علاقات الأفراد والمؤسسات فيها الدستور والقانون وحده، وكأن البرازيل تقول إن القوانين والدساتير التي تحدد علاقات الأشخاص وتكفل اختلافاتهم وتلزمهم، وحدها هي الضامن لأن تكون تلك الدولة (مملكة الأرض) مكانًا يتسع للجميع، وهو ما انعكس على مملكة السماء، إذ بالتالي ضمنيًا كفل الدستور والقانون ممارسات الجماعات الدينية والعرقية التي لا تتعدى على ذلك القانون بل وتكفل حمايتها هي الأخرى من التحرشات والتكفيرات من الجماعات الأخرى، وهو ما يجعلك ترى في شوارع باهيا مثلا طوائف دينية عجيبة لكنها تتواجد على تناقضاتها واختلاف دعوتها، دون أن يجرؤ أحد على الخروج من مساحته الشخصية التي صارت أكثر اتساعًا مع حماية الدولة والقانون لها.
تكمن القضية هنا إذن في الدولة، وفهم دورها، وطبيعتها، وأنها مكانًا على الأرض يمكن أن يتسع للجميع أن يحيا في ظله، لكن بشرط واحد أصيل هو شرط الحماية في مقابل الالتزام بالقانون والدستور مهما اختلف عليه الأفراد، وهو ما لا يمكن أن نجده في عالمنا العربي بأي شكل من الأشكل، ربما لضعف الحكومات وربما لترسخ ثقافة نفي الآخر المختلف، أو ربما للمحاولات المستميتة للي عنق الأرض وجعلها مملكة السماء، وهو ما يخلف منطق الحياة نفسها إذ أن عملة الحياة لها وجهان مختلفان لا تتحقق قيمة العملة إلا بهما معًا، ووهو ما يجعل تلك العملة مزيفة لا تصلح للصرف والحركة في أي مكان.

حين تغيب الدولة وقانونها:
أقول هذا بعد أن ثارت ثائرة الجميع حول قضية انتحار أخيرة لناشطة ومدافعة عن حقوق المثليين، إذ بدأت تُكال الدفاعات في وجه المعترضين على مجرد الترحم عليها وحده كونها من وجهة نظر جنود المملكة السماوية لا يحق لهم أن يدعون لها بالرحمة للاعتبارات التي رأوها منطقية من وجهة نظرهم، وفي المقابل كال المناصرون –رغم اختلافهم حول انتماء المتوفاة ذاتها- الاتهامات بالغلظة والتشدد واللاإنسانية، إلى الدرجة التي ينجر إليها مؤسسات داخل الدولة لتدلي بتصاريح حول الواقعة، وهو ما رآه الطرفان انتصارًا لرأيهم حسب تأويلاتهم الخاصة. المفارقة ليست في ذلك الصراع الأزلي بين طرفي العملة، إنما في صمت الدولة كمؤسسة تضم هؤلاء المختلفين وتدعي أن لها قوانين ودساتير تكفل الحياة الخاصة مهما كانت شريطة ألا تضر بالمجتمع والمصلحة العامة، وإن كان في تقديري أن النص الدسيتوري الذي يتم تكيف الاتهامات به (نشر الرزيلة، والدعوة للفسوق في المجتمع" إنما هو مغازلة واضحة من رأس الدولة وواضعي القانون والدستور لهؤلاء، بينما كان الأحرى أن يوجد قانون ودستور مثلما يوجد في البرازيل (وهي من دول العالم الثالث) وغالب دول العالم يرغم الجميع داخل الدولة الواحدة على احترامه ما دام يتعلق بحرية أفرادًا داخل هذا الكيان المسمى بنص الدستور دولة.
إذن الإشكالية برمتها تُلقى في ملعب الدولة، فهو اللاعب الأول في تلك القضية بما تقره من قوانين وبما تسمح به من تجاوزات وانتهاكات للحياة الشخصية دون ردع ودون مساءلة او ملاحقة قضائية للإخلال بنصوص القانون لا باعتبارات أخلاقية وأيدلوجية يختلف حولها المنتمون إلى هذه الدولة.
لا حلّ لتلك الأزمة إلا حلّ القانون النافذ وحل الدولة مهيبة الجانب دستوريًا والتي لا تتهاون في أي تعدٍ على بند واحد من بنود الدستور الحاكم لها، والذي يضمن بدوره المساحات الشخصية دون إعطاء الفرصة بنصوص مطاطية يمكن لي عنقها البلاستيكي بسهولة لتكييف الاتهامات والتي منها "نشر الفجور والتحريض عليه"، فلا يوجد نص قانوني واحد –على ما أعرف- يوضح لنا ماهية الفجور ولا دلائله الواضحة، وهو ما يؤكد ما قلته أن الكرة في ملعب الدولة وحدها وملعب الدستور وقوته ولو كانت مفروضة رغم أنف الجميع، إلا أنها مهيبة الجانب لا يجرؤ أحد على تخطيها.

البلوك وحدها لا تكفي:
لا أريد أن أنهي مقالي هذا قبل الإشارة إلى مسئولية فعل الانتحار وكل الأفعال الأخرى باعتبارها شأن شخصي، لشخص يعيش في سياقات مختلفة تتشارك معه في تحمل المسئولية عن كل الأفعال، فالشخص بذاته مسئول، والدولة بمؤسساتها وقوانينها مسئولة، والمحيط العام مسئول، والمحيط الخاص مسئول، والأجدر أن ننظر إلى القضية بحياد ربما يكرهه البعض ويتهموننا على إثره، لكنه حياد أراه مؤسسًا للاقتراب من الاتساع الذي نضمن به أن تتسع الأرض للجميع وهو ما يعكس بدوره اتساع السماء للجميع. باختصار شديد لا حل للعديد من قضايانا إلا الدولة ذات السيادة والقانون دون إخلال أي طرف بتلك القوانين من رأس السلطة التشريعية ثم التنفيذية ثم هؤلاء الداعيين إلى مملكتي السماء والأرض، وإلا فلا حل لك عزيزي إلا خيار "البلوك"، وإن كان لا يكفي ولا يحمي صاحبه من المناوشات وحرق الدم، وصدقني لن تفلح جملتك (بلوك وريح نفسك من المثلي ومن المتشدد الديني)، أنت في حاجة إلى ما هو أقدر قدرة، أنت وأنا في حاجة إلى قانون نافذ، فبالقانون وحده الذي تحميه الدولة، تضمن اختياراتك الشخصية التي لا أجد نفسي ملزمًا بها، وكذلك أضمن خياراتي الشخصية التي لا أجرؤ على إجبارك عليها أو تصنيفك باعتبار موقفك منها.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان