-فن المسافات- بين فلسفة التراث والمعاصرة

محمد السعدنى
2020 / 6 / 16

حكمة الحياة لاشك مبصرة، وعلينا أن نتلقاها بعيون واعية فاحصة، لا مغمضة ناعسة. إذ فى مشوار الحياة طال أو قصر، فليس كل جديد أو معاصر غال، وليس كل تراث أو قديم بال، أو على الأقل هذا ما وصل إليه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة د. زكى نجيب محمود رحمه الله، بعد رحلة البحث والدرس الطويلة التى عاشها ووثق أفكارها فى عدة كتب، أرى أن العمدة فيها كتابيه " تجديد الفكر العربى"، و"المعقول واللامعقول فى تراثنا الفكرى" وقد توصل فيهما إلى أن تراثنا لايخلو على إطلاقه ممايتسق مع العقل والمنطق ومايرشحه للاستفادة منه، والاتكاء علي بعضه. وهما كتابان مثلا تغيراً جذرياً فى أفكار صاحبنا وموقفه من التراث الفكرى لأمتنا، والذى كان قد نادى من قبل فى كتابيه "خرافة الميتافيزيقا"، و"نحو فلسفة علمية" باستبعاد التراث والاستغناء عنه كلية، إذا أردنا تأسيس نهضة فكرية ومشرع ثقافى جديد للنهضة، لما به من خرافات تجافى العقل وتخاصم المنطق وتمثل قطيعة معرفية مع الحداثة والمعاصرة.
كان صاحبنا موضوعياً بشكل رصين عندما عاد بعد سنوات من الفحص والتدقيق فى حنايا التراث وأضابيره ليراجع أفكاره ويصيغ موقفه الجديد مما يمكن الأخذ به من التراث وما يمكن الاستغناء عنه وطوى صفحته.
شئ من هذا دار فى مخيلتى وأنا أطالع كثيراً مما وصلنى خلال "الواتس آب" من قصص عن "فن المسافات" والعبرة من ورائها. ولما رجعت للبحث فى أصولها وجدت أنها من تراثنا الفكرى الذى يمكننا الخفاوة به والأخذ به والاستفادة من دروسه ومعانيه. أورد لك القصة – بتصرف – لنعيد توثيقها وهندمة مبناها، ثم النظر فيما عساه يكون مدلولها ومعناها.
قال أبو جعفر المنصور: بلغني أنّ أسداً لقيَ خنزيراً، فقال له الخنزير: قاتلني، فقال الأسد: إنّما أنتَ خنزير ولستَ بكفؤٍ لي ولا نظير، ومتى فعلتُ الذي تدعونني إليه وقتلتك، قيل: قتل الأسدُ خنزيراً، وليس هذا محط فخر لي، وإن نالني منكَ شيءٌ كان ذلك سُبّةً عليَّ. فقال له الخنزير: إن أنتَ لم تفعل، رجعتُ إلى السّباع وأعلمتهم أنّك جبنتَ عن قتالي. فقال الأسد: احتمالي كذبكَ أيسر عليّ من تلطيخ شاربي بدمكَ. والعبرة هنا: طلب الترفع، فإذا كان الإنسان يُعرف بأصدقائه، فإنّه أيضاً يُعرف بأعدائه. إذ البعض لا يستحقّون حتى شرف أن تعاديهم من فرط تفاهتهم، فإن غلبتهم لن تجد حلاوة للنّصر، وإن غلبوك فستكون مرارة الهزيمة مضاعفة. ذلك أن هناك معارك يبقى النّصرُ فيها باهتاً مهما كان ساحقاً نظراً لتواضع موقف الخصم وقيمته، فليس نصراً أن يهزم السّيف عصاً، ولاهو نصر أن يسبق عداءٌ من هو مشلول أو مقعد على كرسى متحرك. والشاهد هنا أن هناك معارك الطريقة الوحيدة لكسبها، هي عدم خوضها منذ البداية، فأيّ نصرٍ فيها ليس إلا هزيمة ترتدي زيّ النّصر.
كان هذا هو الدرس الأول، أما الدرس الثانى فإنك عندما تُنازل خسيساً بأسلوبه تتساوى معه في الخسة، فلا تسمح لأحدٍ أن يُنزلك لمستواه، وإن كان لا بُدّ من خوض ذلك النّزال، فلا تدعه يختار لكَ توقيت المعركة ومكانها، ولا تسمح له أن يختار سلاحك، فنقاء السّلاح ضروريّ لنقاء النّصر، والنّصرُ الملوّث هو هزيمة أخرى مهما حاولنا أن نقنع أنفسنا بالعكس. والشاهد هنا أن الغاية لا تُبرر الوسيلة، والغايات النبيلة لا تبقى كذلك إذا سعينا لها بوسائل خسيسة.
في الوِفاق لا يمكن معرفة النبلاء، فالنبل لايظهر إلا عند الخصومة. والنّاسُ إذا أحبّوا لانوا، وإذا أُعطوا رضوا. فإذا خاصمتَ أحداً ولم يتنازل عن نبله، فأصلح ما بينك وبينه على الفور، لأن هؤلاء عملة نادرة قلّ التداول بها فلا تضيّعها. وهذا هو الدرس الثالث. أما الدّرس الرّابع فهناك فرق بين التّرفع والتّكبر، التّكبر: أن ترى أنّك أفضل من الآخرين، لأنك أكثر علماً أو مالاً أو جمالا، أما التّرفع: فهو أن ترى أنّ الخصومة ليست إلا صفحة في كتاب قرأتها وأخذتَ منها درساً وطويتها، ولا داعي أن ترجع إليها مرّةً أخرى. فترفّع ولا تتكبر.
أما الدّرس الخامس فى حكايتنا فهو التغاضى، إذ البطولة الحقيقية تجنّب الخصومات لا خوضها، فتعامل مع النّاس كما ينصح خبراء قيادة السيارات، اتركْ مسافة أمانٍ بينك وبين السّيارات الأخرى، مسافة الأمان هذه هي التي تمنع الحوادث. وحتى تصبح حياتك أجمل عليكَ أن تتقن فنّ المسافات. فالمسافة المناسبة هي التي حمت الأرض من الاحتراق بالشّمس، فلواقتربتْ أكثر لاحترقتْ، ولو ابتعدتْ أكثر لبردت وربما تجمدت.
والمسافة هي التي جعلتْ القمر يدور في فلك الشمس، فلو اقتربَ أكثر لجذبته. والشاهد هنا أن هندسة المسافة الدقيقة هي التي أنتجتْ كوناً متوازناً رائعاً، فكن مهندس مسافة، واحسبْ خطواتك بدقّة. لا تبتعد أكثر مما يجب، ولا تقترب أكثر مما يجب. فعندما تبتعد أكثر مما يجب سيصبح الاقتراب صعباً حين تحتاجه، وعندما تقترب أكثر مما يجب، سيصبح الابتعاد صعباً حين يفرض عليك. علينا دائما ان نحترم المسافات لتحترمنا. ولا تنسى أن النجاح في العلاقات الإنسانية يكمن في فن إتقان المسافات، فلا تقترب إلى حد إبصار العيوب، ولا تبتعد إلى حد نسيان المحاسن.
ولعلك تعلم أن أبا جعفر المنصور (95 - 158 ه : 714 – 775 م) هو الخليفة العباسي الثاني، والمؤسس الحقيقي للدولة العباسيةِ وباني بغداد التاريخية التى دمرها ونهبها الأمريكان. ولقد أوردنا لك رؤيته فى حكايته ورموزها، وما تحمله من عبرة ودرس وفلسفة نقلتنا إلى ماهو مشترك بين التراث والمعاصرة، فلاتنسى أن حكمة الحياة أيان كنا واعية مبصرة، ولاتنسى أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأنه دائماً فى حياتنا ما نسعى لتحقيقه، لكنه أيضاً هناك فى الحياة ما ينبغى الحذر منه والتحسب له.