عقيل الناصري وصفحات التاريخ السياسي

كاظم الموسوي
2020 / 6 / 16

يجتهد د.عقيل الناصري في قراءاته في التاريخ العراقي المعاصر، مختصا بفترة ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وزعيمها عبد الكريم قاسم، كما ينحت بعض المفردات التي يواصل فيها من سبقه في هذا المضمار، كالراحل الكبير هادي العلوي، فيحاول ان يميز في كتبه مصطلحات، منحوتة من المفردات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية، خصوصا، في مفردة واحدة. كما يحاول هو في البحث في اختصاص التاريخ السياسي ونشر العديد من الكتب التي اصبحت مصادر او من بينها لتلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر، من خارج اختصاصه الدراسي والتعرف او الامتياز به. واصبح الموضوع الذي تناوله مدار همه واهتمامه ومعرفته واختصاصه، وسجل له الاصرار عليه والتماهي مع سيرته ومسيرته. وكمثقف عربي يعيش خارج وطنه الاول ويكتب في التاريخ السياسي ويراجعه ويجتهد فيه يتميز في وفائه للبحث ومحاولة التجرد من الذاتية العاطفية والضغوط السياسية وغيرها. ولانه في منفاه الاوروبي الليبرالي لم يخضع الى ضغوط الكتابة المنحازة او المسيسة برقيب رسمي، بل نجح جاهدا في البحث الموضوعي او ما استطاع اليه سبيلا.
هذه الخصال تميز الباحث الجاد وتسجل له. وقد تمكن منها في تحريك اسئلة عن التاريخ السياسي في العراق المعاصر. كيف نقرأه وكيف نفهمه، وكيف ندرس حركته وشروطه وتحولاته وتاثيرات العوامل الموضوعية والذاتية عليه، وكيف اخيرا نقدمه لقارئ قد يكون عاش فترته او ساهم فيها او لم يعشها ولم يشترك في احداثها؟، وهو المؤمل او المرجو من فائدة الكتاب والتاليف والبحث. وهو ما عمل عليه الباحث الناصري في كتبه العديدة التي نشرها. والمنشود من غيره السير على منوالها او في طريقها، بحثا عن الحقيقة والمصداقية والامانة والنزاهة الاخلاقية والسياسية والتاريخية طبعا.
في هذا الكتاب اقترب الباحث في قراءاته من الجوانب الفكرية والصراعات الايديولوجية في زمن الثورة وفي شخصياتها الفاعلة فيها. وهو منحى مهم وخطير في الوقت ذاته. لان الوضع في العراق وفي صفحات تاريخه السياسي لها من الحساسيات ما يثير الحذر والترقب من اساليب البحث وكتابة التاريخ في جوابنها الموضوعية او الذاتية، العاطفية الشخصية او الانحيازات السياسية والحزبية. وثورة 14 تموز/ يوليو 1958 في العراق، احدثت قطعا تاريخيا ومرحليا وفتحت صفحة جديدة في التاريخ السياسي العراقي، وارست منعطفا كبيرا في وجدان الشعب والطبقات الشعبية والفقيرة منها. وبلاشك القيادات التي اسهمت فيها، العسكرية والمدنية، والادوار التي قامت بها الاحزاب السياسية والحركة الوطنية عموما، والتحولات التي انجزت ومديات التغيير والتقدم فيها وبعدها تعكس طبيعتها واستمرارها او نكوصها، والظروف والقدرات التي استوعبت العملية الثورية وتبنت فعاليتها.. هذه كلها تقتضي قراءات ودراسات اكثر من مرة ومن اكثر من باحث واحد او لجان بحث وتاليف اكاديمي ومؤسسي. وبلاشك انها مواضيع حيوية للبحث والرؤيا التاريخية الجديدة التي تدرسها في تاريخيتها الزمنية وتداعياتها المستمرة منها والى ما بعد زمنها او مرحلتها التاريخية. وما يميزها في البحث الجديد هو حيويتها وراهنيتها وبقاء اثرها وتاثيرها في بصمات وصفحات التاريخ السياسي للشعب العراقي. حيث ان التاريخ السياسي ليس دراسة او قراءة الماضي وحسب او تسجيل الاحداث التي انتهت او سير القيادات وحسب او تدوين ما كان وما برح وما انفك من الاحداث والمواقف الانسانية والقضايا التي تمس الحركة السياسية والوطنية ونضالاتها الكفاحية ضد الظلم والجور والاستبداد والدكتاتورية، وبالتاكيد ضد الاحتلال والغزو وانتهاكات حقوق الانسان وكرامته. وما احدثته الثورة وقياداتها احدث بمقابله ردات فعل عدائية لها من الاطراف التي تضررت منها والقوى الدولية التي لعبت لعبتها في اجهاضها وتخريب مشروعها الثوري. وهو ما تتطلبه مسؤولية الباحث في القراءة والبحث والتطوير المعرفي والثقافي لتلك الفترة ومسيرتها وصيرورتها. فالثورات ليست قاطرة وحسب بل وانها افاق معرفة وتحول وتجديد للكثير من المواضيع التي يعتمد عليها البحث التاريخي والسياسي خصوصا.
اختص الباحث د. عقيل الناصري في موضوعه هذا وبذل جهوده في استيعابه، حدثا وتجربة وقيادات وادوارا، ودقق في جوهرها وضميرها وقرأ تطوراتها وتغيراتها، وتمكن من جمع ما يتوفر من علم بها، من مصادر عدة، عربية ومترجمة، ونبش في اسرارها وفرسانها، وتعلم منها جميعا طريقه في البحث والكشف والنقد والمحاججة. فتداخل في صفحات التاريخ السياسي وقدر قيمته وجهده. وهو يدرس ويؤرخ ويفكر، في الحدث وجوهره وفي الرجل ومعدنه، في طبائع العمران واختيار الزمكان ودور القائد في التاريخ. أي ان الباحث الناصري تمعن في معرفته لموضوعه وتاريخه وتوثق منها في الاسناد والرؤية وفي ابعاده الماضوية والمستقبلية ووضع ما توصل اليه على مشرحة البحث والدليل للاقناع والجدل فيه او العلم فيه والاقتداء بايجابه او نوافعه والاعتبار من سلبه او نكساته.
فالنقد البناء والتقويم في صفحات التاريخ مهم في مهمته التربوية والفكرية والثقافية عموما لما لها من اهمية وجدوى كبيرتين، ولما لها من دور في صناعة التاريخ، ليس الماضي ووقته وليس الحاضر وزمنه، بل لهما وللمستقبل وعصره. والتاريخ علم وصناعة، لهذا فله عدته وشروطه وارتباطاته، وهو سبيل الى التفكير والمعرفة، وسؤال مفتوح للفكر والفلسفة والتفاعل السياسي.
بعد كل هذا لابد لي من الاشارة لملاحظتين فيما قرات في هذا الكتاب، هما اعتماد المؤلف لمصدر واحد في تاريخيته للحدث الثقافي العراقي المعاصر، وهذا المصدر مجروح في شهاداته التي اصدرها والدوافع التي حركته اليها، وفي كل الاحوال لا يمكن للبحث الناجح ان يستند لراي واحد، وهذه من اواليات البحث. والاشارة الثانية تتعلق بخلط واضح وعدم تمييز في المفاهيم الفكرية والايديولوجية والسياسية، فيما يتعلق بمفاهيم القومية والعروبة، وفي استخدامه الايجابي لنقائضهما، القومانية والعروبية، لاسيما في مجال العسكر ومن ثم الحركة السياسية. اذ ان القومية كمفهوم سياسي ايديولوجي حديث، مرتبط بالهوية والانتماء والتميز عن الاخر المشترك في الوجود والتاريخ. بينما العروبة مفهوم اشمل واوسع منه كهوية جامعة ومعبرة عن المشترك في الوجود والتاريخ. كما ان التوصيف ينبغي ان يتطابق مع النتائج والعمل وليس بالتسميات والرغبات الفردية.
ان كتابات د. عقيل الناصري واهتماماته تقول لمن يقرأها ما يريده منها وما يتطلبه البحث وترسم مسارها كما هو في صفحات التاريخ السياسي في العراق.
(من تقديمي لمؤلف الدكتور عقيل الناصري: عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، من أوجه الصراع السياسي في الجمهورية الاولى، الصادر عن دار سطور للنشر والتوزيع، بغداد... والكتاب هذا هو السادس من سلسلة كتب صدرت للمؤلف بالعنوان الرئيس؛ عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، وبعناوين فرعية لمضمون كل منها.)