الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت

طلعت رضوان
2020 / 6 / 15

عن المذهب البروتساتنتى ذكرد. إمام عبدالفتاح إمام فى كتابه المهم (الطاغية– دراسة فلسفية لصورمن الاستبداد السياسى– عالم المعرفة الكويتية عدد– 183 مارس 94) أنه ((لوافترضنا أنّ الطاغية طلب من رجال الدين أنْ يُبرّروا أمام الناس أفعاله الاستبدادية وسلوكه السىء، فإنه لن يجد– فى ظنى– أخطرمن كلام زعماء البروتستانتية. فالمقدمة التى يبدأ منها مارتن لوثر(1483- 1546) وجون كالفن (1509- 1564) هى أنّ الطبيعة البشرية فاسدة..وما يرتكبه المرء من شرورإنما يعود فى أساسه الى هذه الطبيعة. أما ما يأتيه من أعمال صالحة، فهويرتد فى النهاية إلى الله. إنه منحة أوهبة إلهية أوفضل من الله Grace فجميع أفعالنا تتسم بوصمة الطبيعة. وكل ما فيها من صلاح فمرده الى الله لا إلى أنفسنا..ويتساوى البشرجميعًا فى ذلك))
وكان تعقيب د. إمام على هذا الكلام ((وهكذا نجد الإنسان عند زعماء البروتستانتية (موجودًا ساقطًا) خــُـلق فى الأصل على صورة الله..ولكنه ثاروتمرد على خالقه. ودنــّـس هذه الصورة بسقوطه..وهكذا نجد أنّ أصل السلطة الدنيوية يكمن فى إرادة الله الرحيمة التى تريد حماية الإنسان من عواقب عصيانه..وليس لحاجة بشرية..ولايوجد فى فكرلوثرأوكالفن أى مجال لأى نوع من أنواع (العقد الاجتماعى) أوسيادة الشعب إلخ فالحكومة المدنية هى ترتيب من الله لرخاء الناس فى عالم ساقط..ولاينبغى تحت أى ظرف أنْ يظن أنها وسيلة من وسائل البشرللحكم على أساس الرضا والإتفاق . إذْ ينبغى رد استخدام السلطة فيها باستمرارالى الله لا إلى البشر))))
كما أنّ مارتن لوثر(الذى تمنى جمال الدين الإيرانى الشهيربالأفغانى أنْ يهتدى به) قال ((فكما أنّ الحماريريد أنْ يتلقى الضربات، كذلك يريد الشعب أنْ يكون محكومًا بواسطة القوة. إنّ الله لم يعط الحكام ذنب ثعلب يُستعمل فى رفع الغبار..وإنما أعطاهم سيفًا. لأنّ الرحمة ليس لها دورفى مملكة العالم التى هى خادمة لغضب الرب ضد الأشرار..وتمهيد عادل لجهنم والموت الأبدى)) وأضاف لوثرأنّ ((اليد التى تحمل السيف وتذبح ليست يد الإنسان..وإنما هى يد الله. إنّ الله هوالذى يشنق..ويُعذب ويقطع الرأس..وكل هذه الأفعال هى أفعاله وأحكامه)) وقال لوثرأيضًا ((أمراء هذا العالم آلهة. والناس العاديون هم الشيطان. إنى لأفضل أنْ أحتمل أميرًا يرتكب الخطأ على شعب يفعل الصواب)) ووصل الأمربمارتن لوثرإلى درجة أنْ يتهم العالم الكبيركوبرنيكوس بالبلاهة، لأنه قال إنّ الأرض تدورحول الشمس، متجاهلا (أى كوبر) أنّ الرب كما جاء فى التوراة قد أوقف الشمس عن الدوران حول الأرض لمنح يشوع القائد اليهودى فترة أطول لإتمام القضاء على أعدائه باستعمال دروع لامعة تعكس ضوء الشمس فى عيونهم..كما وقف لوثرضد ثورة الفلاحين (1524- 1525)
أما جون كالفن فيرى أنّ ((السلطة والسلطان ينبعان من الله وليس من الناخبين. ومرتبة الحاكم أشرف المراتب على حد قوله فهونائب الله..ومقاومته مقاومة لله)) ليس هذا فقط بل إنّ ((الحاكم السىء هوعقاب للناس على خطاياهم..وهويستحق خضوع رعاياه غيرالمشروط له..وبما لايقل عما يستحقه الحاكم الصالح. ذلك لأنّ الخضوع ليس للشخص ولكنه للمنصب..وللمنصب جلالة لايمكن انتهاكها)) وفى تعقيبه على هذا الكلام الخطيركتب د. إمام ((وهكذا يُردد كالفن تلك الحجة البلهاء أوذلك التبريرالساذج الغريب الذى يقول إنّ الطغيان والهزائم الحربية..والنكبات السياسية إنما هى غضب من الله وعقاب للناس لأنهم ابتعدوا عنه..وتخلوا عن الصراط القويم. قيل هذا بعد هزيمة 1967 المروعة التى حلّتْ بنا بسبب بعدنا عن الله! كما لوأنّ الإسرائيليين كانوا أقرب إليه منا)) (التفاصيل فى الفصل المعنون: لوثروكالفن)
لقد رأيتُ أهمية التعريف بما كتبه مارتن لوثر..وجون كالفن (الأول مؤسس المذهب البروتستانتى..والثانى من أشد المروّجين لهذا المذهب) والتعريف بآرائهما المساندة للحكام الطغاة ضد الجماهيرالشعبية، قبل التعرض للحروب الدموية، التى وقعتْ بين البروتستانت والكاثوليك..وفى هذا الشأن ذكرديورانت فى (قصة الحضارة) أنّ جماعة دينية متعصبة من البروتستانت أخذتْ اسم (الهيجونوت) كان كالفن يقودهم من جنيف..وكانت حركتهم ((ثورة عقائدية واسعة الانتشارضد الكنيسة)) وقد قـدّرهم كالفن بعــُـشرالشعب الفرنسى عام1559..وأنّ عددهم تضاعف عام1572.
وذكرديورانت أنّ كالفن ((حذّرأتباعه الهيجونوت من مقاومة الحكومة)) ووصل تعصب البروتستانت لدرجة حظرالخدمات الكاثوليكية، داخل الكنائس..وتحطيم التماثيل وتمزيق الصور..واستولوا على الكنائس الكاثوليكية التى كانت مغلقة..وبالرغم من أنّ الملكة كاترين أصدرتْ مرسومًـا لحظرالعنف، فإنّ البروتستانت ((هاجموا المواكب الكاثوليكية فى مختلف المدن..ودخلوا الكنائس الكاثوليكية..وأحرقوا الآثاروالرفات المقدسة..وحطوا التماثيل)) وفى مدينة (مونبلييه) فى خريف عام1561، نــُـهبتْ الكنائس الكاثوليكية والأديرة كلها (وعددها60) وتـمّ قتل كثيرين من القساوسة..وفى مدينة (مونتوين) أحرقوا (ديركليرالفقيرة) وتـمّ تشتيت الراهبات..وفى مدينتىْ (جيين ولامجدوك) فكان البروتستانت إذا ملكوا ((زمام الأمريستولون على الكنائس والأملاك الكاثوليكية..ويطردون الكهنة الكاثوليك)) وبلغة المؤرّخ المحايد أضاف ديورانت أنّ القساوسة البروتستانت، لم يكونوا أقل تعصبــًـا من نظرائهم الكاثوليك..وهذا النزاع المستمربين المذهبيْن المسيحييْن جعل (مجلس الطبقات) يدعورجال الدين الكاثوليك والبروتستانت للاجتماع..وإيجاد صيغة للتهدئة..وذلك رغم اعتراض البابا..وتـمّ الاجتماع (بعد موافقة الملكة كاترين) وذكرديورانت أنّ البروتستانت كانوا يطربون حين يعقدون اجتماعاتهم فى ميدان عام، مواجه لكنيسة كاثوليكية ((ويــُـشوّشون على القداس بترتيل صاخب لمزاميرهم)) أما الكاثوليك فكانوا ((يدقون جرس الكنيسة حتى يصعب سماع صوت الترتيل)) وفى باريس استحال استمراراجتماع بروتستانتى تجاه كنيسة (سان ميدار) بسبب ((قرع عنيف من برج الأجراس)) كما تـمّ قتل كاهن بروتستانتى داخل الكنيسة، فثارت ثائرة البروتستانت..وحطموا التماثيل والصليب..وتـمّ جرح80 وهم يؤدون الصلاة..ورأتْ الملكة كاترين أنْ تــُـهدىء خواطرالكاثوليك بإصدارمرسوم يناير1562، الذى ألزم البروتستانت بتسليم جميع المبانى الكنسية لأصحابها..وأنْ تكون اجتماعاتهم خارج أسوارالمدن فقط..ووافق زعماء الكاثوليك على أنّ هذا مرسوم (تسامح) وفى نفس الوقت اعتراف بالبروتستانتية ((مذهبــًـا شرعيــًـا فى فرنسا)) ولكن زعماء البرلمان قالوا للملكة أنهم ((يؤثرون الموت على تسجيل هذا المرسوم..كما انفجرغضب الكردينال (دتورنون) على الملكة، فأمرتْ بعدم خروجه من الأسقفية..وفى نفس الوقت رماها الوعاظ الكاثوليك بالفسق.
واستمرّالتعصب المتبادل بين أتباع المذهبين..وفى مارس1562كان دوق (جيزمارا) على وشك دخول الكنيسة ليستمع إلى القداس..ولكنه لاحظ أنّ الصلاة يتم (التشويش) عليها بترتيل صادرعن جماعة من البروتستانت لمزاميرهم، فأرسل الدوق إليهم رسولا، لكى يطلب منهم إرجاء تراتيلهم15دقيقة فقط حتى ينتهى القداس..ولكنهم اعتبروا هذا الطلب مضايقة لهم..وبينما كان الدوق يواصل صلاته، تراشق بعض حراسه مع بعض البروتستانت، فرفعوا سيوفهم فى وجوه البروتستانت، الذين قذفوهم بالحجارة..وفى هذه المعركة تـمّ قتل23وإصابة مائة إنسان بينهم أطفال..والأخطرأنّ هذا الصراع المذهبى تحوّل إلى (صراع دموى) ومن أمثلة ذلك ربط الخصم بسيورأربعة خيول..ودفعها للحركة حتى يتم تمزيق جسد الإنسان من المذهب المختلف..وفى نفس الوقت فإنّ المُـتحوّل من مذهب إلى مذهب، فله مكافأة تنتظره من زعماء المذهب الجديد الذى اعتنقه..وكانت المكافأة (وعد بدخوله الجنة) مقابل (ردّته) عن مذهبه الأول.
وذكرديورانت أنّ مرسوم التسامح لم يستمرطويلا، حيث تــمّ انتهاكه أكثرمن مرة. وأضاف: لقد أفرختْ الهمجية فى ((ظل المذهبين)) الكثيرمن الشرور..وفى مدينة (نيم) ((ذبح البروتستانت80 كاثوليكيـًـا فى عام1567..وبين عامىْ1561، 1572 ارتكب البروتستانت 18 مذبحة..وارتكب الكاثوليك خمس مذابح، بخلاف الاغتيالات المتبادلة بين الطرفيْن..ووصل التعصب المصحوب بالعنف مداه، لدرجة التمثيل بالجثث ((تمثيلا وحشيــًـا شمل قطع الأيدى..والأعضاء التناسبية لعرضها للبيع..وكان هذا فى فصل اختارله ديورانت عنوان (المذبحة) وذكرفيه أنّ الجماهيرشعروا بالفرح والبهجة بإطلاق ((دوافعها المكبوتة)) حيث تـمّ ذبح كثيرين من البروتستانت..ووصل العدد بين الألفين والخمسة آلاف)) وقد تغاضى الكاثوليك عن المذبحة باعتبارها انفجارًا للغيظ والثأر((بعد سنين من اضطهاد البرتستانت للكاثوليك)) وأمرالبابا بتصنيع ((ميدالية خاصة لهزيمة البروتستانت وذبحهم)) ووصف زعماء البروتستانتية أنّ تلك المذبحة ((همجية وجبن ونذالة)) وبعد المذبحة تبين أنّ ارتداد الكثيرين من البروتستانت الفرنسيين، الذن ارتضوا اعتناق الكاثوليكية ((بديلاعن الموت)) لم يكن غيرارتداد مؤقت، بعد شهرين من المذبحة، إلى أنْ افتتح البروتستانت الحرب الدينية الرابعة..وذكرديورانت أنّ تلك المذبحة أنزلتْ شارل التاسع عن عرشه..وأنّ الخير والشرتصارعا داخله، حتى تحطم جسده السقيم..وأحيانــًـا كان يشعربنوع من الارتياح الخبيث لجرأته فى تشجيع تلك الجريمة..وعنفها ووحشيتها..وحينــًـا آخريلوم نفسه لأنه وافق على المذبحة..وظلتْ صرخات القتلى ترن فى أذنيه..وتطرد النوم عن عينيه..وبدأ ((يؤنب أمه ويقول لها: من غيرك تسبب فى هذا كله؟ قسمـًـا بدم الإله إنك أنت السبب فى كل ما حدث)) أما أمه فكانت تعتقد أنّ ابنها أصيب بالجنون..وفى عام1574 اشتدّ المرض بالملك شارل التاسع..وبدأ يبصق الدم إلى أنْ تضاعف النزيف..وعاودته رؤية ضحاياه..وقبل أنْ يلفظ أنفاسه الأخيرة صاح: غفرانك ربى! إنى هالك)) (قصة الحضارة- المجلد الخامس عشر- من ص172- 204)
000
أود التأكيد على أننى اختصرتُ الكثيرمن التفاصيل، سواء عن أمثلة التعصب المذهبى، أوعن أمثلة المذابح والاعتداءات المتبالة داخل الكنائس..كما أود التأكيد على ما استنتجته من هذا الصراع المذهبى..ويتمثل فى: 1- أنه صراع بين مذهبيْن ينتميان لديانة واحدة..وأنّ المتصارعين (من زعماء وأعضاء المذهبيْن) مؤمنون بالميتافيزيقا.. وأنّ الصراع على الأرض فرضته قوى غيبية على البشر..وهذا الإيمان بالميتافيزيقا لم يشمل المواطن العادى (فقط) ولارؤساء الكهنوت الدينى (فقط) بل شمل الملوك أيضــًـا لدرجة أنّ شارل التاسع عندما شعربدوأجله طلب رؤية صديقه (هنرى نافار) وقال له: إننى أضع ثقتى فيك وحدك..وأطلب منك أنْ ترعى زوجتى وابنتىّ..وأنْ تــُـصلى من أجلى)) (المصدرالسابق- ص204) أى أنه بالرغم من كل جرائمه ضد الإنسانية (مؤمن) بجدوى الصلاة..كما أنّ زعماء الكهنوت الدينى..كانوا يجذبون الأتباع (بوعد دخول الجنة) وأنّ الجنود فى فرنسا عام1737 كانوا يوقظون المواطنين (كل صباح) كما كان الوضع فى العصورالوسطى، بنداء للصلاة ((من أجل الموتى)) وكان نداء الجنود يشمل: استيقظوا أيها الناس..وصلوا من أجل الراحلين (المصدرالسابق- ص237، 238) وكان البروتستانت يؤمنون بقول كالفن ولوثرحيث قالا إنّ الشخص الفاضل- حتى ولولم يؤمن بالمسيحية- سينجومن الجحيم)) (المصدرالسابق- الفصل السابع عشر- من المجلد السابع- ص38) أى أنّ كالفن ولوثرلديهما القدرة على التنبؤعلى ما سيحدث (فى الحياة الآخرة) ومع ملاحظة أنّ هذه القدرة على التنبؤشملتْ أنبياء الديانة العبرية بشــُـعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام)
***