حكايات من مدينة الديوانية الطيبة ... الحلاق عبد علي الزبيدي

نبيل عبد الأمير الربيعي
2020 / 6 / 15

حكايات من مدينة الديوانية الطيبة
عبد علي الزبيدي الحلاق... عاش انساناً زاهداً متعففاً حتى رحل من الحياة تاركاً ذكراً طيباً بين أصدقائه ومحبية.
للحلاقة والحلاقين مزايا واعتبارات اجتماعية كثيرة، فمهمة الحلاقة الأولى هي تزيين وجوه ورؤوس زبائنه أي إظهارهم للملأ بأفضل وأجمل حالاتهم. وكلمة (تزيين) من الزينة لذا سُميَّ الحلاق (مُزيّن) قبل أن يُسمى (حلاّقاً) وهي من الحلاقة. لم تقتصر في سالفا لزمان مهمات ومسؤوليات الحلاقيين أو (المزاينة) على تزيين وجوه الناس فقط، إنما كانت لهم مهمات خطيرة الشأن يزاولونها على نطاق واسع هي من اختصاصات الأطباء لا غيرهم. منها إجراء عمليات ختان (طهور) الأطفال وقلع الأسنان المتسوسة والمعطوبة وتخدير مواضع الألم في هذا السن أو ذاك بحشوه بمادة مخدرة شعبية يسمونها (ترياك).
الحلاقون الذين امتهنوا مهنة الحلاقة منذ أن عُرفت الديوانية كمدينة, منهم من رحل ومنهم من استمرَّ على عمله هذا ومن أقدم الحلاقين في المدينة الحاج عبد علي الزبيدي والحاج حاشوش سفاح أبو حليم في الديوانية, فضلاً عن حلاقين قدما وشباب وهم كل من : حسن كسكين, محمد كسكين, حاشوش سفاح الحلاق, حلاقة جاسم محمد (ابو عبد الزهرة) 1941م, , خليل الحلاق، إدهام خضير (ابو شعيب), داوود أبو سلمان, الحاج كاظم, جبار الحلاق , مهدي الحلاق ,جاسم طعمة, وناس الخزاعي, محمد دوحي, علي دوحي, حسن دوحي, سلمان هوبي, عبد الحر الحلاق, عباس عبيدي الخفاجي (أبو نبيل), فاضل البغدادي, علي الحلاق, حمدي الحلاق , كاظم الحلاق, عبد الحسن الحلاق, حلاقة حسن عجم, حلاقة عبد خزيمات, حلاقة عبد الزهرة, عباس الخفاجي, حسن باوي, حلاقة نوماس, حلاقة عبد الجبوري, حلاقة خليل ابو مازن, حلاقة فيصل, حلاقة عيسى الشيخ اسماعيل, حلاقة كريم في الفاضلية, حلاقة علي البرطلي, حلاقة أحمد حلواص, حلاقة عطوان (ابو واثق), حلاقة الوحيد, حلاقة (ابو جمال) مقابل علوة جلعاوي, حلاقة رشدي, حلاقة كاظم مرهون, فاهم الحلاق, أدهم الحلاق, حاج مرزة, جاسم الفروي, أبو صبحي, الحاج جواد الطويل, جبار يسار, علي عوفي, حلاقة مشحوت, حلاقة علي الهلالي, حلاقة جاسم طعمة, حلاقة فاضل بغدادي, حلاقة هوبي (ابو ضياء), حلاقة حامد كاظم بلكوت .
ومن أقدم الحلاقين في الديواني عبد علي الزبيدي والد الفنان التشكيلي سعد ومحمد وعبد الحسين. كان دكان عبد علي الحلاق من الدكاكين العائدة للحاج عبد الحسي البحراني تحت فندق السرور في صوب الشامية والقريبة من صيدلية العاملي، دكانه يتوسط صفاً من الدكاكين على الشارع الرئيسي في صوب الشامية، كان دكانه كبيراً نسبياً، يحتوي على كرسي الحلاقة والمرايا المقابله له، وعلى جانبيها دولابان صغيران ثبتا بالجدار، وفي زاوية قريبة وضعت منضدة صغيرة صفت عليها بالإضافة إلى إبريق نحاسي لماع و(نجانة) من النحاس الأصفر ذات الحافة العريضة غير كاملة الاستدارة، إذ تم قطع جزء منها على شكل هلال بحجم رقبة الإنسان، وهي عادة توضع تحت حنك الزبون الذي عليه أن يمسكها بكلتا يديه كي يمنع تسرب الماء عندما يقوم الحلاق بصب الماء من الإبريق على رأس الزبون لغسله، وذلك بعد إكمال الحلاقة، ولقد وضعت على جانبي الدكان (قنفتان) تتسع كل منهما لخمسة أشخاص بالإضافة إلى كرسيين وضعا خارج الحانوت على رصيف الشارع، كان دكانه مقر لبعض شيوخ العشائر للمسامرة والحوار واللقاء، مثل الشيخ سلمان العبطان شيخ الخزاعل، أو مزارعون وتجار وموظفون.
افتتح الحاج عبد علي الزبيدي محل الحلاقة مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، كان طويل القامة نحيف الجسم له عينان واسعتان احتقن جفناهما بلون أحمر، وهو ما تركه مرض التراخوما الذي أصيب به صغيراً. يذكر عبد الكريم محمد رؤوف القطان في مذكراته صفحة 148 قائلاً: "لقد نزح عبد علي الحلاق إلى الديوانية من بلدة الدغارة، وأفتتح محله تحت (مسافر خانة السرور في صوب الشامية)، وقد وضعت فوق المرآة في محله أبيات الشاعر أبو نؤاس، والتي يحث بها الناس على قلّة الكلام وصون اللسان، وهي:
خل جنبيك لرام وأمضِ عنها بسلام
مت بداء الصمت خير لك من داء الكلام
كانت هذه الأبيات قد خطها صيهود شنين (عندما كان طالباً في ثانوية الديوانية)، كان صاحب خط جميل، وكانت الأبيات موضع تندّر من قبل زبائنه، وقد زرته بعد انقطاع دام أكثر من خمس عشرة سنة، وقد سررت بأن أجد اللوحة في مكانها ولكن بإطار خشبي جميل، فلما لاحظ أني أمعن النظر فيها، ضحك كثيراً وقال إن هذه الأبيات كانت موضوع تعليق أكثر الزبائن ويتعجبون أن تكون في دكان حلاق، ولما كنت أستفسر منهم قائلاً ولِمَ لا؟ يأخذون بسرد القصص عن الحلاق الفلاني أو الحلاق في مدينة الحلة أو عن ذاك الذي في مدينة الشامية، وكم كانوا يثرثرون ويزعجون الزبائن بحكاياتهم السخيفة، وبعضهم يشرع يقص عليّ هذه الحكايات ويسردها بتفاصيلها، وخوفاً من خسارة زبون أو زبونين كان عليَّ أن أستمع لهم وأعلق على سردهم بين حين وآخر، كي أبين لهم بأنني أصغي إليهم".
يمتلك الحاج عبد علي الحلاق في دكانه عدة كتب ومجلات يطالعها أثناء فراغة، وكان شاعراً شعبياً ينظم الأبوذية والقصائد الزجلية والحسجة بلهجة فراتية أوسطية. ومن قصائدة التي نظمها بعد حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وكان يرددها الطلاب في تظاهراتهم أمام سراي الحكومة:
ليش ناسي اللي جرى من العرب
عدنا رَگع الطوب جنْ كيف وطرب

هم شفت واحد برز لينا وغًلب
تتلاهب وأحنه نطفيها
كما ردد طلابا التظاهرات أمام متصرف الديوانية في حينها:
يا سراي الحكومة أمّن من الخوف
وعليك أبد ما يمر غير النوف

كل ما علا الماي وأحنه الروف
جبنالك صنجغ بزمورة
ومعنى المقطع الأخير أننا قد جلبنا لك جيشاً بكامل عدته من سلاح وعتاد.
عاش الحاج عبد علي الزبيدي نزيهاً لا تفارق محياه الابتسامة الحلوة والرقيقة في الترحيب بأصدقائه وزبائنه، عاش انساناً زاهداً متعففاً حتى رحل من حياته تاركاً ذكراً طيباً بين أصدقائه ومحبية وعائلته.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول