الساعة المقدسة

دينا سليم حنحن
2020 / 6 / 13

السّاعة المقدّسة

المكان: حيّ المحطة اللد، الزّمان: بعد سقوط المدينة.

اُعتبرت الثانية ظهرًا ساعة مقدّسة في الحيّ، فرغت الحارات تمامًا من الحركة، واجتمع المواطنون في بيت عائلة العيوطي للاستماع إلى برنامج يُعنى بالنازحين، بثّ من إذاعة المملكة الهاشمية، وأصبحت فيما بعد وعلى مرور السنوات أغنية فيروز "جسر العودة" تشي جيفارا فلسطين، تغنت العامة بـ (وسلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة، يا منزرعين بمنازلكم قلبي معكم) و (جايبلي سلام عصفور الجناين، جايبلي سلام من عند الجناين).
تابع السكان برنامج " رسائل شوق " بكل حماسة، قدّمته الراحلة كوثر النشاشيبي، قرّب الصوت البعيد القريب القلوب الحائرة عبر الهواء.
في يوم ما،
صعدت غالية، شقيقة رشدي المفقود، إلى السّطح المحاذي لعائلة العيوطي، استرقت السمع إلى البرنامج المذاع وانتظرت خبرًا عن أخيها، تعثّرت وكادت تسقط أرضًا، تماسكت وبأعجوبة نجت، لكنها لم تستطع النّهوض إلا بعد عدة محاولات، صرخت قائلة:
- هدّني الشّوق إلك يا خوي
ثلَّني الدّهر وما في منّك خبر
راح منّي الحيل وبقي الويل
يا ريت قبِلت تركب عَ الخيل
متل بَيْنا حامي ديارنا والدّير
كنت ما شقيِت
وما رحت عَنّا روحة الطّير
يا سَنيّ عمري، ومجد يُتمي، وعُري عَيشي!
تملّك منها هاجس بقائه حيًّا حتى بعد مرور سنوات على اختفائه، أحصت السنوات بالساعات، صعدت ونزلت من، وعلى السطح، مكثت في العراء صيفًا وشتاء، وانتظرت، وأصبح موعد بثّ البرنامج فريضة مُلِحّة من الكفر تفويتها.
كالعادة، نزلت خائبة، شدّت تنورتها ومسحت الغبار عنها، وسوّت من هندامها، انتفخت غيظا، وسكبت غضبها على جميلة زوجة أخيها.
قالت لها:
- يا خيبتي عليكِ يا قليلة الحظّ إنتِ، من وين بدو يجيكِ الحظّ وإنتِ من يوم يومِك مشؤومة، راكبِك الشؤم من راسِك لأساسِك، يا ويلي عليكِ؟
- سمعتِ البرنامج؟ سألتها جميلة متجاهلة كلامها القاسي.
- لما بقولّـك إنتِ قليلة الحظّ إبقي صدقيني، ما في شي جديد، متل ما طلِعت تهوْدَجت! (قصدت نزلتُ)، يا برود أعصابك يا ختي.
- ليش عم تصرخي يا غالية، هو الصّراخ برجّع حدا؟ اصبري وتفاءلي، راح ييجي اليوم ونلاقيه عم يدقّ علينا باب الدار. قالت لها جميلة.
- يا رب، من تُمِّك إلى باب السّما، ندرًا عَلَيْ ويشهد عَلَيْ ربّي، لأطلع بين النّاس حافية القدمين، يعني لو كانوا حتى عَ هالشكل، منفّخات ومنعدمات، راح يقولوا الناس، رجليها لغالية بِشعات، يقولوا إلي يقولوه، وراح أشمّر عن دراعاتي، راح يقولوا دراعاتها نازلات متل بزاز الخنزيرة الهاربة من الذئبة، يقولوا وشو يعني، راح أشبـّر وأشوبح، وأغني " يا ليلي يا عيني، يا عيني ليه تنظري لأهل الجمال تاني، شبكت قلبي بنظرة وانشغل تاني، ما كنت قلتي انتهيتي، ايه إللي جرى تاني، هو أنتِ لازم تحبّي وتتركي لي النار، يا هل ترى بعد ده تحبّي مين من تاني"؟ راح أخلي الحيّ كلو يرقص على أدوار سيّد درويش، راح أعجن وأخبز القدّاس وأوزعه على كل الناس، خليهم يقولوا غالية صارت مجنونة ومش من الناس، أنا موافقة، يقولوا إلي يقولوه، بس رشدي يعود!
قالت جميلة في سرّها:
- كل واحد يُغَنّي على ليلاه، ما حدا بحمل همّ حدا، وهمّي كبير وعم يكبر كتير، والصّبر جميل!
ولم يعد رشدي حتى الآن.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية