زاكورة: يونيو 2000 – يونيو 2020، دينامية نضالية لمواجهة الكارثة الصحية، بقلم، يوسف الدرعي

المناضل-ة
2020 / 6 / 13

بعد بضعة أيام، تحل ذكرى 20 للمسيرة الشعبية الاحتجاجية لحوالي 14 ألف مواطن/ة زاكوري/ة لأجل الحق في الصحة. كانت مسيرة السبت 24 يونيو 2000 التي نظمها الاتحاد المحلي لنقابة كـ.د.ش، وانخرط في تعبئاتها بأسواق ومراكز وقرى الاقليم نقابة التجار والمهنيين الصغار وجمعية المعطلين وشباب جمعوي مناضل.. تجسيدا لغضب السكان من الانعكاسات الكارثية للوضع الصحي بالإقليم المهمش ضمن المناطق المهملة بالمغرب، جراء عقود من السياسة الليبرالية-التقشفية للدولة المغربية، المدمرة لكل ما هو اجتماعي/صحي. أَطلقَ شرارةَ الاحتجاجِ، استنكارٌ شعبي واسعٌ للتضييق الإداري والمهني الذي استهدف الطبيب الجراح محمد ماجد، أشبه بقضية د المهدي الشافعي طبيب الأطفال بتزنيت سنة 2018، مثلما استهدف نقابيي كدش بالقطاع، من قبل مندوب إقليمي للصحة متغطرس، كان يجتهد لتنزيل سريع لمرسوم حكومة اليوسفي 30 مارس 1999 حول الأداء بمستشفى الدراق الموروث عن عهد الاستعمار والمُفَقَّرُ أطراً وتجهيزات وتخصصات (تطبيق نظام سيكما).
تَحَدَّتِ المسيرةُ قرار المنع العاملي والحصار الأمني الرهيب المدعم من سلطات الجهة، وكان شعارها المركزي المُتَضَمَّنُ بلافتة مقدمة المسيرة" جميعا لإسقاط مرسوم 30 مارس 1999 المُجهِز على مجانية الخدمات الصحية" وبالموازاة، شعارات مطلبية مباشرة؛ تضامنية تجاه الدكتور ماجد، مطالبة بخدمات صحية محلية مستجيبة لحاجيات السكان، مستشفى إقليمي مجهز ومستوصفات القرب، سيارات اسعاف كافية، وقف تعسفات المندوب ضد نقابيي الصحة والذين نظموا وقفة احتجاجية امام ادارته قبل المسيرة بيومين .. انتزعت المسيرة مكاسب أولية تمثلت بعودة الدكتور ماجد إلى مهامه واعفاء المندوب الإقليمي المتسلط وتوسيع نسبي للمستشفى وتعطيل لتطبيق نظام سيكما لسنوات، والأهم، تحول موضوع الصحة إلى واجهة للنضال النقابي والحقوقي والإعلامي بالإقليم.
ومع تطبيق نظام الأداء مقابل التطبيب والاستشفاء على سكان مقصيين، مفقرين.. تحت وطأة مناخ قاس واهمال دولة مضاعف، تزايدت وتائر حالات وفيات (ولادة، حوادث، الزائدة الدودية و"المرارة"...) بسبب الإهمال الطبي ونقص الأطباء وتغيبات بعضهم لأسابيع ونقص التجهيزات وطول انتظار المواعيد والبعد (امتداد الإقليم على مساحة 22 ألف و215 كلم مربع وبُعد أقرب مستشفى جامعي/مراكش ب 360 كلم..)، تواصلت النضالات، ونذكر منها: مسيرة ضخمة سنة 2008 من تنظيم الاتحاد المحلي للكـ.د.ش بمعية الجمعية المغربية لحقوق الانسان سنة 2012، اعتصام ليومين أمام المركز الصحي بأكدز شهر مارس 2011 بتأطير من التنسيقية المحلية ضد الغلاء و الدفاع عن الخدمات العمومية، مسيرات ووقفات احتجاجية بزاكورة المدينة وتاكونيت – المحاميد أيام 9و10و11 ماي 2013 اثر وفاة أم ووليدها وهي في ريعان شبابها (رقية العبدلاوي) أثناء الولادة، ولنفس الأسباب، تجدد الاحتجاج بوقفة عفوية يوم 12 دجنبر 2014 اثر وفاة رجل مسن اهمالا، وبوقفتين حاشدتين أمام المستشفى "الجديد" ومندوبية الصحة، ومسيرة بينهما بمبادرة من نقابة الصحة (كـ.د.ش) مؤازرة بالجمعية المغربية لحقوق الانسان ومختلف التنظيمات المناضلة اثر وفاة الأم نعيمة المنسوم أثناء الوضع يومي 15- 16 فبراير 2015.
وفي 2017، وضعت "اللجنة المحلية لرفع الاقصاء والتهميش بزاكورة" في وقفة جماهيرية يوم 3 يونيو أمام باشوية المدينة في 1 يوليوز مطلب اقامة مستشفى إقليمي حقيقي يلبي حاجيات سكان الإقليم على رأس مطالبها الى جانب الماء والشغل القار، وواصلت ضغطها الإعلامي والميداني بمناسبة زيارتي وزير الصحة في يوليوز2018 ووفد برلماني بشأن الموضوع ذاته في نفس السنة [وتتشكل اللجنة المذكورة من الجمعية المغربية لحقوق الانسان ونقابتي كدش والجامعتين الوطنيتين للتعليم – التوجه الديمقراطي وا.م.ش وجمعية المعطلين..]، خاصة أن السكان تذمروا من نكت الوعود التي سبق أن قدمها الوزير الوردي خلال زيارته بتاريخ أبريل 2015. وبالموازاة، برزت بحوض المعيدر بتازارين دينامية احتجاجية سنتي 2017 و2019 بقيادة لجنة تحمل نفس الاسم، نتيجة الوضع الصحي الكارثي، حيث أوردت تغطية إعلامية لـ "هسبريس" الإلكترونية يوم 8 يناير 2017 أرقاما صادمة حول التأطير الطبي لسكان الحوض: طبيب واحد للجميع (حواي 40 ألف نسمة) وممرض ل 6666 نسمة ومولدة لكل 13333 حامل. كما انطلقت دينامية أخرى بمركز أكدز بمبادرة من كـ.د.ش وأطاك لمغرب.
جرت ترقيعات مفرغة العرض المطلوب منذ نهاية 2012؛ إحداث مستشفى جديد بمركز الاقليم حمل اسم القديم بسعة 50 سريرا، كما جرى تقتير طيلة قرابة العقد: تخصصات (العظام، القلب والشرايين، الأطفال، النساء والتوليد، المسالك البولية، الراديولوك، الأمراض الصدرية، الغدد، المعدة، الاشعة و التخدير، الانف و الحنجرة، الجلد، الامراض العقلية، العيون)، حيث جرى تجميد العمل ب 72 سريرا التي كانت متوفرة بمستشفى الدراق الأصلي بحجة نقص الأطر، أما التخصصات المحدثة فظلت على الورق، بسبب الغيابات الطويلة للأطباء وبفعل ظروف الإقامة وغياب وسائل العمل والتحفيز، يضاف إلى ذلك عدم تعويض المنتقلين، غياب الإنعاش والتعطل الدائم لجهاز السكانر واستمرار اغلاق 4 مستوصفات قروية لحد الآن (بوزركان، بوزوال، أيب شرو، نصراط). وهذا ما يظهره استمرار معاناة السكان في تحمل أعباء ومخاطر الارتهان بمستشفيات مدن أخرى بعيدة (مراكش، الراشيدية، ورززات..) إلى جانب ما تفعله أمراض أخرى أوسع انتشارا بأجساد الناس من قبيل مرض اليشمانيا الجلدي ومخاطر نوعه الحشوي المستجد، ومرض العيون المسمى الرمد الحبيبي.
ولامتصاص الغضب المتزايد واجهاض جذوة النضال، تواترت زيارات وزراء القطاع الى المنطقة، الوردي سنة 2015 والدكالي 2018 وخلال نفس السنة؛ لجنة برلمانية للتقصي، وما رافق ذلك من وعود وطمأنة، موازاة مع ما سموه "المرافعة" لدى الحكومة، ما جعل الملف الصحي يتحول إلى ما يشبه مزايدة "طقس الغرامة في حفل عرس". وفرصة ينتهزها برلمانيو المنطقة ومنتخبو الاقليم للكلام وتقديم الوعود سعيا لكسب انتخابي مقبل. وفي ذات السياق، أثمرت النضالات المريرة من جديد وعدا، وفق ما ورد بموقع لكم الالكتروني يوم 30 شتنبر 2019 بتوسيع مصالح المستشفى الإقليمي ودعمه ببعض التجهيزات الطبية والتقنية، والتعاقد مع أطر طبية (كذا) لمراكز القرب الصحية بالجماعات القروية في إطار اتفاقية شراكة بين وزارة الصحة وعمالة الإقليم والمجلس الإقليمي ومجلس الجهة والوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان.
ان تحسينا حقيقيا لواقع الصحة العمومية لصالح من هم تحت، لن يتحقق إلا بالتعبئة الشعبية الواسعة والمشاركة الواعية لآلاف المواطنين/ات بالإقليم في نضال حازم ذي صلة مباشرة بالنضال العام على صعيد البلد، ضد نموذج رأسمالي مفلس اجتماعيا، حريص على تدمير الخدمات العمومية ودعم الاستثمار فيها وجني الأرباح. انها بالتأكيد، مهام أدوات النضال النقابية والحقوقية والسياسية. إنه دور خميرتها المناضلة في الرقي بهذه الأدوات وتوحيد فعلها في الفهم والمواجهة لتحقيق نصر الكادحين الأكيد، ضمن نموذج آخر تضامني وتشاركي مستدام في خدمة الانسان والبيئة، كما دلت جائحة كورونا على حاجته الاستعجالية.
فأغنياء المغرب ينعمون بنظام صحي يشترونه بالمال، بالداخل والخارج. والدولة تتقشف في نفقات الصحة العمومية لأن لديها أسبقيات أخرى غير صحة الشعب الكادح (سداد الديون الخارجية والالتزامات تجاه المؤسسات المالية الدولية والهدايا للرأسماليين..)، النتيجة؛ الموت البطيء للأغلبية الشعبية، وضحايا من قبيل حالة العبدلاوي رقية ومولودها ونعيمة المنسوم (أثناء الوضع) وغيرهما كثير.. ممن لم يذكر أو لم يصل إلى المستشفى او ممن قضى بحوادث وأمراض كانت قابلة للعلاج.
سيظل الاحتجاج ضد واقع الصحة العمومية بالإقليم متواصلا، وان خَفَتَ لحظة من أجل:
- مستشفى جامعي بالجهة.
- توسيع/توفير مستلزمات العمل والتشخيص بالمستشفى الإقليمي، بما فيه قسم الإنعاش وأجهزة السكانر.. والكافي من الأطر من ممرضين وأطباء، مع تحفيز هؤلاء وتجويد شروط اقامتهم.
- تهيئة مستشفيات ومراكز للقرب بتراب الإقليم المترامي الأطراف وتجهيزها ومدها بالأطر واقسام المستعجلات.
- ضمان أطر طبية قارة ضمن التوظيف العمومي عوض التعاقد الموعود به.
- ضمان المجانية والجودة.
أرواح ضحايا التدمير الممنهج لقطاع الصحة من أبناء طبقتنا لن يذهب سدى..