المهدي المنجرة و اشكالية العالم العربي

المهدي بوتمزين
2020 / 6 / 12

تحل الذكرى السادسة لوفاة المفكر المناضل و عالم المستقبليات البروفيسور المهدي المنجرة, لتؤكد على صدقية كتاباته و اَرائه التي وَجدت موقعا ساميا لها في دول العالم . فهو المفكر الذي سبق و اعتبر أن إنتفاضة شاملة ستقع في العالم العربي و أن الشعوب لا يمكن أن تستمر في قبول الذل و الإهانة المنبثقة من الدول و المنتظم الدولي و من الحكومات الوطنية و الأخرى التي تَبرز بسبب قبول الإهانة و عدم القيام برد فعل اتجاه ذلك.
اعتبر المهدي المنجرة أن إشكالية العالم العربي هي إشكالية أخلاقية بالدرجة الأولى , فلدينا مسؤولون باعوا أنفسهم في سوق البورصة و قبلوا أن يكونوا أدوات تحت تصرف الاَخر . و هكذا ضاعت المدافعة و المناصرة لقضايا وطنية و قومية و تم التَبلُّغ بأوامر الدول صاحبة الوصاية , ما أحدث هوة عميقة بين قرارات الحكومات و مواقف الشعوب .
القضية الأبرز في هذا السياق تتعلق بالقضية الفلسطينية على اعتبار مقامها الديني و التاريخي , فالشعوب ترفض أية تغييرات في الجينات الهوياتية لهذا البلد , لكن الحكومات بما فيها السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح تعتمد في برنامجها السياسي قبول طرح الدولة الفلسطينية المكونة من الضفة و غزة و القدس الشرقية .
موقف الجامعة العربية ظل يكتفي بإقامة الولائم ثم التنديد بخطابات دبلوماسية مبتذلة , بما يشبه حبكة جيدة لسيناريو و إخراج فيلم كوميدي لعادل إمام . في كتاب الإهانة في عهد الميغاإمبريالية خلص الأستاذ المنجرة إلى ما فحواه أن الجامعة العربية بدأت كاَلة للإستعمار و لا تزال , وقد أصبحت مكينة للإستعمار الجديد, و البون بين الإستعمار القديم و الجديد هو أنه في هذا الأخير أصبحت القيادات العربية نفسها مستعمرة . الإدارة الأميركية و الغربية تملك اليد الطولى في العالم العربي من خلال قواعدها العسكرية و جيوش استخباراتها و الهيئات الرسمية و غير الرسمية و الأنظمة البيحكومية و صندوق النقذ و البنك الدولي . فواشنطن لا يهمها ما سيتفق عليه الأطراف في الجامعة العربية لأن الأمر يماثل عقد الإجتماع في البيت الأبيض أو الإليزييه ؛ و ما قد يبدو انتصارا للجامعة العربية لا يعدو في الأمر الواقع كونه تراجيكوميديا و فوزا صوريا يخفي وراءه حقيقة استفادة الطرف الاَخر و إجحافا في حق الذات , إنه انتصار يماثل اتفاقية كامب ديفيد و أوسلو التي تسلم فلسطين و تنزع سلاح الفلسطنيين و تقيد الشعب عن الإنتفاضة بسبب اتفاقية سميت بالسلام .
نعيش اليوم أزمة حقيقية بسبب الوضع المأساوي في العراق مثلا , هذا البلد الذي كان من طلائع البلدان , أضحى اليوم ثقلا على كاهل الجسم العربي بسبب ما يسمى الإرهاب . و الذريعة لغزو هذا البلد كانت بحجة امتلاكه أسلحة نووية أو منعه من ذلك , ثم كشفت التقارير أن الأمر كان خطأ و سوء تقدير و تسرعا سيئا في هذا الباب , دفعت برئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير إلى تقديم اعتذاره فقط . فهل يكفي الإعتذار من الشعب العراقي الذي دُمر بلده عن بكر أبيه و أصبح يتذيل اقتصادات العالم و أصبح جواز السفر العراقي يشبه بطاقة سوابق سوداء مثخنة بجرائم الإرهاب و التطرف و البربرية .
ثم لماذا لا يخرج الرئيس الأميركي أو الناطق باسم البيت الأبيض ليقدم اعتذارا رسميا للشعب العراقي و تقدم التعويضات لهذا البلد العربي ؟ لماذا رفض البرلمان التونسي مؤخرا – أو الإدارة الفرنسية في تونس- مشروع قانون يروم إلى دفع فرنسا لتقديم اعتذار للشعب التونسي عن فترة استعمارها لهذا البلد ؟
و في مقابل ذلك مازلت الإدارة الأميركية تعد قانون جاستا أو العدالة ضد رعاة الإرهاب الذي يهدف إلى تعديل قانون حصانات السيادة الأجنبية , و بموجبه ستتمكن أسر ضحايا أحداث 11 سبتمبر من مقاضاة دول عربية من بينها السعودية و التي قد تُفرغ خزيتنها بسبب ذلك . نحن ضد العنف و لكن لابد من دمقرطة العنف ليصير حقا شخصيا للجميع , أما ممارسة العنف على الفلسطيني و العراقي و المسلم و العربي و الإفريقي مجانا و علنا فهذا ضرب من العبث السياسي و القانوني .
إن الدول العربية تقبل الإهانة ومن رفض ذلك دفع الثمن كاملا , لقد أضاع العالم العربي المبادرات الحقيقية للتغيير كتوحيد العملة و الإستغناء عن الأورو و الدولار الأميركي و إلغاء الحدود البرية بين العالم العربي و ربط متين بين دول المشرق و المغرب و الخليج و الإعتماد على الذات في التسليح و التعليم و البحث العلمي و الإهتمام باللغة العربية و الثقافة و الموروث المشترك بين الجميع , ولمنع قيام صرح هذا الإتحاد زُرعت إسرائيل كدركي أو شرطي مراقبة في المنطقة و بدأ تقسيم و تمزيق الجسم العربي بمؤتمرات و اتفاقيات الخيانة و الحرب بالوكالة و تطعيم الخلاف السني الشيعي و العربي الأمازيغي و بين الفرق الإسلامية و هلم جرا .
ألم يدرك العالم العربي بعد أن الرهان على النموذج و الخطة الغربية لا يوافق تطلعاته و خلفياته الدينية و الثقافية و تاريخه المشترك ؟
يذكر الشاعر الهندي طاغور في سيرته الذاتية, أنه خلال زيارته لمدينة برلين إلتقى بعالم الرياضيات ألبيرت إينشتاين , فأعرب طاغور عن ولعه و حبه للموسيقى الكلاسيكية الغربية كونها تحمل خيالا و روحا عمييقين , فكان رد إينشتاين صادقا و جافا حيث رد أنه لا يفهم الموسيقى الهندية و يصعب عليه التعامل مع أحكامها .
في معرض جوابه عن أحد الأسئلة قال المهدي المنجرة أن الخروج من الحالة المزرية للعالم العربي يقوم على احتمالين : إما تحصيل حد أقصى من الوعي و الصبر للشروع في التغيير التدريجي و هذا أمر غير وارد في الحالة العربية, لكون السلطة الحاكمة ترفض أية مبادارت شعبية و لإتساع الهوة بين الشعوب و حكوماتها , و الإحتمال الثاني هو انتظار إنتفاضات يفرضها زمن الذلقراطية و ليس الديمقراطية .
أننا نحيي ذكرى رحيل البروفيسور المنجرة و نحن نرى انتفاضات عربية و ثورات مضادة و إعادة رسم خارطة العالم العربي , لنتساءل عن دور المثقفين و المفكرين و المجتمع المدني و الأحزاب السياسية و الإعلام في توعية الشعوب و مواكبة و سبر أغوار مشاكله العميقة بدل تمييع المواقف و الأخذ بما يطفو على النهر فقط .
إنه بفقدنا للأستاذ المنجرة نكون قد أضعنا بوصلة صادقة لمعرفة الذات و الاَخر و التخلص من مركب النقص و التوهم أن الاَخر أفضل , لنشرع في تقليده في لسانه و ملبسه و حركاته و سكناته و اَرائه .
رحم الله الأستاذ المهدي المنجرة و السلام على روحه الطاهرة .