ما وراء الصعود التركي؟

رابح لونيسي
2020 / 6 / 11

لا يمكن لنا فهم الإنتصارات التركية الأخيرة في ليبيا إلا إذا وضعت في إطار إستراتيجية عالمية مرسومة بدقة لسيطرة غربية ناعمة تحت غطاء ديني على جنوب المتوسط، وبواسطة دولة مركز للحضارة الإسلامية، وهي تركيا كما نصح بذلك صموئيل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات"، فلم يكن وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا إلا بتشجيع أمريكي، ثم تمت مساعدته إقتصاديا كي يظهر كنموذج ناجح كما فعلت أمريكا أثناء الحرب الباردة مع دول تابعة للغرب الرأسمالي.
فبعد ما فشل هذا المخطط إنطلاقا من سوريا بسبب وقوف روسيا ضده، لكن يبدو أن تخلي بوتين عن حفتر يدخل في إطار تقسيم جديد للنفوذ بين روسيا وأمريكا، فيجب أن لا يغيب عن ذهننا أن دول شمال أفريقيا اليوم ستكون تحت ضغط تركي المسيطرة على ليبيا بهدف إيصال أتباعها من التنظيمات الإخوانية إلى السلطة في هذه الدول بعد ما فشلت في تحقيق ذلك أثناء ما يسمى بالربيع العربي، لكن هذه المرة عادت تركيا بشكل آخر، فمن غير المستبعد أن تصبح تونس نهائيا في يد إخوانيي النهضة بعد ليبيا التي أصبحت في يد تركيا، ومن هنا سيتم الضغط على الجزائر ومصر، وبهذا الشكل ستعيد تركيا نفوذها في المنطقة كما كانت في العهد العثماني حيث هذه البلدان كانت تحت سيطرتها بإستثناء المغرب الأقصى، ومن دواعي المفارقات أن في العهد العثماني كانت الجزائر هي المنطلق لهذا النفوذ، ومنها أنطلقت إلى ليبيا، لكن سيحدث العكس الآن حيث سيتم الإنطلاق من ليبيا إلى تونس والجزائر ومصر بواسطة عملاءها المتمثلين في التنظيمات الإخوانية، ولتوضيح هذه التطورات لابد أن نعود قليلا إلى الماضي القريب ومختلف الإستراتيجيات التي عرفها كل من الشرق الأوسط وجنوب وشرق المتوسط.
فقد بدأ في الحقيقة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط في عهد جورج بوش الإبن مستغلا أحداث 11سبتمبر2001 بواسطة العنف’ وذلك بغزو العراق وتهديد دول أخرى تحت غطاء نشر الديمقراطية، وما شعار"نشرالديمقراطية" في الحقيقة إلا غطاء من ضمن عدة غطاءات أستخدمتها القوى الإستعمارية في الماضي لتبرير إحتلالها وإستعمارها لعدة بلدان، ولايختلف غطاء نشرالديمقراطية اليوم عن غطاء نشر الحضارة والتمدين الذي كانت تقول به فرنسا في مستعمراتها السابقة، ومنها الجزائر، وقد أضر ربط مشروع الشرق الأوسط الكبير بنشرالديمقراطية وبالمبدأ الديمقراطي ذاته داخل هذه الدول، وخاصة عند شعوبها، لأن الديمقراطيات يجب أن تكون نابعة من داخل الشعوب ونتاج تطورها، وليس بالضغط الخارجي، وكلما حاولت دول كبرى السعي لفرض ما تعتقده إصلاحات على دول ما، كلما أدت إلى نتائج عكسية، وقد وقع ذلك في الماضي خاصة في الدولة العثمانية، لكن هذا الإستغلال الغربي عامة والأمريكي خاصة لفكرة نشر الديمقراطية والإصلاحات لخدمة مصالحها لا يجب أن يكون أداة للإبقاء على الإنغلاق في يد دول جنوب المتوسط، بل على العكس يجب عليها أن تبادر بالإصلاحات في الوقت المناسب وبشكل مدروس متجنبة الضغوط وفي خدمة مصالحها كي لا يتحول ذلك الإنغلاق المميت في الحقيقة إلى أداة في يد القوى الكبرى لتنفيذ أجنداتها.
لكن بعد ما أعيد طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير من جديد بعد فشل المحافظين الجدد الموالين للصهيونية، فإنه قد أخذ أسلوبا آخر لاتظهر فيه الولايات المتحدة الأمريكية بعنفها كما حدث مع جورج بوش الإبن، بل وظفت عوامل أخرى أستغلتها بإحكام، إضافة إلى إستخدام قوى أقليمية في ذلك كما سنرى فيما بعد طبقا لمبدأ يقول: أن في السياسة يجب أن تدفع الآخرين يحققون لك أهدافك، وهم يعتقدون أنهم يخدمون أهدافهم، وهو ما سيتبين لنا من خلال إستخدام الولايات المتحدة الأمريكية ذلك مع كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وإيران .
لقد تم إستخدام الوهابية لتحقيق هذا المشروع بدفع السعودية إلى الإعتقاد بأنها بإمكانها أن تتحول إلى قوة أقليمية بنشر الوهابية في العالم الإسلامي وإقامة دول تابعة لها، كما دخلت تركيا على الخط في إنشاء نفوذ لها أيضا وفق مشروعها فيما تعتبره "العمق الإسترتيحي لتركيا"، ويتمثل في آراضي الأمبرطورية العثمانية السابقة، ودخلت إيران أيضا على الخط حيث كانت منذ 1979 بعد وصول الخميني إلى السلطة، وهي تسعى للتحول إلى قوة ناعمة بتصدير ماتعتبره "ثورة إسلامية" ونموذج سياسي تقول أنه نابع من قيم الإسلام، لكن فشلها في ذلك حولها إلى قوة تعمل من أجل مد نفوذا شيعيا خاصة في جنوب المتوسط، فتم الإصطدام بين المشروعين السعودي والإيراني مما أشعل حروبا طائفية في المنطقة.
فصراع هذه القوى الثلاث حول النفوذ في العالم الإسلامي أدى إلى الفوضى الخلاقة وضعف الدول، مما سمح ببروز التطرف الديني الذي أدى بدوره إلى بروز قوي للجماعات الإرهابية، مما هدد بتفتيت هذه الدول إلى دويلات صغيرة .
فإن كانت السعودية هدفها مد نفوذ ديني متعصب ينشأ الإرهاب، مما سيدخل دول جنوب المتوسط في فوضى خلاقة، مما سيسمح للغرب فيما بعد بإعادة تشكيلها بواسطة قوة أخرى هي تركيا، فتركيا كانت تعمل في البداية حسب ما يبدو على مد نفوذها لأهداف إقتصادية واضحة المعالم، ومدت عينها نحو الشرق بعد ما أغلقت في وجهها باب الولوج إلى الإتحاد الأوروبي، وركزت في البداية على العلاقات والإستثمارات الإقتصادية، وهو ما يظهر بجلاء فيما يسمى صفر أعداء، لكن سمح مبدأ صفر أعداء لأردوغان بإضعاف نفوذ الجيش لأن عدم وجود أعداء لمواجهتهم، سيؤدي حتما إلى خفض ميزانيته وإبعاده عن التدخل في الشؤون السياسية، لكن ببروز ما يسمى ب"الربيع العربي" أخذت تركيا خطوة أخرى، وهو السعي لدعم حركات إسلامية ممثلة في الإخوان يقال عنها أنها معتدلة للوصول إلى السلطة في بلدان الربيع العربي كمرحلة لمد نفوذها، لكن ذلك أدخلها في صراع مع التنظيمات الموالية للسعودية، فنظرا لذلك غيرت تركيا إستراتيجيتها بالعمل على إقامة نموذجها الرابط بين الغرب والإسلام او كجسر بين ضفتي المتوسط، وما يمكن تسميته بالتوافق بين الإسلام والديمقراطية في مختلف دول جنوب المتوسط القديمة، أو التي ستظهر بفعل إعادة تشكيل الخريطة السياسية طبقا لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وكل ذلك بهدف ضمان إستقرار نهائي، وسيتم التخلي الأمريكي عن السعودية والوهابية فيما بعد التي لم تكن إلا أداة مرحلية لزرع الفوضى الخلاقة، وهو ما بدأ يظهر مع إجراءات محمد بن سلمان الأخيرة في السعودية ضد الوهابية؟.
فلنشر إلى دراسة أوروبية قام بها المعهد المتوسطي حول البحر الأبيض المتوسط عام2030 وهي تقول بسيناريو ظهور حركات إسلامية في جنوب المتوسط شبيهة بحزب العدالة والتنمية في تركيا تأخذ السلطة في هذه الدول، وتقيم تعاون فعال مع شمال المتوسط، وهو ما يفسر لنا رفض حركة النهضة لائحة تجريم الإستعمار في تونس.
لكن السؤال المشروع هو كيف ولماذا برز هذا التنافس بين هذه القوى اٌلأقليمية من أجل الزعامة والنفوذ؟، وإن كان مفهوما بالنسبة للسعودية وإيران، لكن ما الذي جعل تركيا تغير وجهتها من أوروبا إلى وجهة مشرقية بعد ما أبعدت سياسات كمال آتاتورك وخلفائه تركيا عن الشرق الإسلامي تماما، يبدو أنه قد بدأت بوادر هذا الصراع الأقليمي حول الزعامة يأخذ هذا الشكل العنيف في بعض الأحيان منذ أن أشار صموئيل هننغتون إلى فقدان الحضارة الإسلامية إلى دولة مركز تتحدث بإسمها في إطار ما يراه أن العلاقات الدولية في المستقبل لن يكون على أساس أيديولوجي كما كان أثناء الحرب الباردة، بل على أساسي حضاري، ولكل حضارة قوتها المركزية بعد ماقسم العالم إلى ثماني حضارات، لكنه لاحظ أن الحضارة الإسلامية تفتقد لهذه القوة المركزية.
ولو أننا لاننفي وجود الصراع حول الزعامة الأقليمية منذ أمد بعيد إلا أن هذا الصراع قد أخذ أبعادا أخرى منذ بروز طروحات هننتغتون التي دفعت بعض القوى في العالم الإسلامي إلى الإعتقاد أنها بإمكانها أن تكون مرشحة لأخذ هذا الموقع المركزي داخل هذه الحضارة الإسلامية، ومنها خاصة المملكة العربية السعودية، وبشكل أكبر تركيا، وبشكل أقل إيران، لأن هذه الأخيرة تعي جيدا مدى صعوبة ذلك بفعل مذهبها الشيعي الذي يسود أقلية فقط من مسلمي العالم مقارنة بالمذهب السني، لكنها رغم ذلك فإنها هي أيضا تعمل جاهدة لتوسيع مذهبها ونشره في إطار بحث عن نفوذ أكبر في دول العالم الإسلامي.
ويبدو أنه على هذا الأساس برز صراع سعودي- تركي خفي من أجل مد نفوذهما في العالم الإسلامي كله، ومنه دول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط ، ولهذا تعمل السعودية على نشر الوهابية ودعم الحركات السلفية، لكن هذا العمل أدى إلى ضرب الإستقرار في المتوسط، لأن الوهابية هي التي تشكل عادة الأرضية الإيديولوجية للحركات والجماعات الإرهابية، وبتعبير أدق هي أيديولوجية وفكر منتج للعنف والإرهاب في عمقه، حتى ولو حاول البعض من الوهابيين والسلفيين التستر على ذلك بالقول أن هناك سلفية جهادية وسلفية علمية، وليس للأخيرة أي دخل في السياسة وهي في طاعة أولي الأمر، لكن نعتقد أن ذلك ماهو في الحقيقة إلا تقية وتكتيك لغزو العقول وإنشاء خلايا نائمة ستتحول إلى دعم الأعمال الإرهابية في الوقت الملائم والمحدد في إطار إستراتيجية مرسومة، وعادة مايلاحظ هذا التحول من السلمية إلى الإرهاب بمجرد ماتشعر هذه الحركات الوهابية والسلفية أن هناك ضعفا أو فراغا قد دب في أوصال أي دولة، ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تعي ذلك جيدا بحكم معرفتها الدقيقة بهذا الفكر الوهابي، وهو مايدفعنا إلى طرح سؤال مشروع هو: هل كانت الوهابية مجرد أيديولوجية لإدخال جنوب المتوسط في الفوضى الخلاقة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية؟.
ونجد تركيا من الدول التي عادت فجأة إلى ماتراه فضاءها الطبيعي، وهو العالم الإسلامي تحت قيادة حزب العدالة والتنمية، فظهر اردوغان بخطاب ديني موجه إلى الخارج لكسب مسلمي جنوب المتوسط بإستغلال عواطفهم الدينية، لكن في نفس الوقت ملتزم بمباديء العلمانية في تركيا، مما يدفع البعض إلى التشكيك في صدق خطابه الإسلامي، وأنه ما هو إلا وسيلة منه لخدمة مشروع تركي تحت رعاية أمريكا والغرب ولخدمة مصالح تركيا أيضا كي تصبح هي القوة المتحدثة بإسم العالم الإسلامي كما كانت مصر عبدالناصر تستخدم العروبة لنفس الهدف.
سارت وتسير تركيا وفق إستراتيجية جديدة وضع معالمها وبلورها الأكاديمي أحمد داوود أوغلو في كتاب عنوانه "العمق الإستراتيجي" عام2001، والذي تحول إلى معلم للسياسة الخارجية لدولة تركيا تحت قيادة حزب العدالة والتنمية بزعامة الطيب أردوغان تجاه هذا العالم الذي يعتبره "عمقها الإستراتيجي"، وهي مناطق نفوذ الأمبرطورية العثمانية في الماضي، وهو ما يطرح أمامنا تساؤلات أخرى: فهل تركيا هي أداة في يد كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تستخدمها دون وعي منها لصالح الإستراتيجية الأمريكية للتوصل عبرها إلى نفوذ لين في المنطقة بعد إعادة تشكيل خريطة دول جنوب المتوسط؟، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا السيناريو الذي تحدثت عنه دراسة "البحر الأبيض المتوسط عام2030"، وهل تدخل الإستراتيجية التركية في إطار العمل من أجل التحول إلى قوة مركز داخل الحضارة الإسلامية حسب ماطرحه هننغتون في كتابه صدام الحضارات، ولهذا تشجعها الولايات المتحدة على النفوذ في جنوب المتوسط بالإستلهام من الدولة العثمانية القديمة، وجعل آراضيها السابقة مسرح نفوذ لها، لكن عبر ذلك تضمن مصالح ونفوذ الولايات المتحدة الأمريكية؟، لكن إن ذهبنا هذا الطرح فمعناه بإمكان توصل كل من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إلى توافق عند إعادة تشكيل خريطة دول الجنوب بالقضاء على التوتر بين ضفتي المتوسط، مما يسمح لأوروبا أن تتخلص من أي إقلاق لأمنها من الضفة الجنوبية وأيضا مواصلة خدمة مصالحها على حساب الجنوب، لأن أوروبا لن تنتبه وتنظر إلى الجنوب إلا في حالة شعورها بخطر على أمنها، كما أن ذلك سيضمن إستمرار التحالف الغربي بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لخدمة مصالحهما المشتركة
ويبدو أن تركيا كانت على إستعداد للعب هذا الدور بحكم أنها تمتلك نموذجا سياسيا وثقافيا يمكن به أن تلعب دور الرابط بين الضفتين، ولهذا نعتقد أن الأهمية التركية ستظهر فيما بعد، وستحتاجها الولايات المتحدة الأمريكية ومعها أوروبا عند إعادة تشكيل خريطة جنوب المتوسط والعمل من أجل إعادة الإستقرار وضمانه بعد الفوضى الخلاقة التي أستخدمت فيه الوهابية السعودية المنتجة للعنف والإرهاب، وما يدفعنا إلى هذا الطرح ما كتبه تقرير حول البحر الأبيض المتوسط عام2030 الذي سبق أن أشرنا إليه أين يقول بسيناريو وصول حركات إسلامية إلى السلطة في دول جنوب المتوسط تجمع بين الإسلام والديمقراطية، ولاتعادي الغرب بل هي على نفس الخط الرأسمالي في المجال الإقتصادي بتشجيع سوق البازار، وتشبه حزب العدالة والتنمية في تركيا، وتكون موالية لتركيا التي ستلعب دور المركز في الحضارة الإسلامية كما نصح بذلك هنتنغتون، وتكون تحت نفوذ أمريكي غير مباشر، لكن نعتقد أنه من الخطأ الفادح وضع الحركات الإسلامية في تركيا وفي العالم العربي على نفس الخط، لأن ذلك إهمال لعامل هام يتمثل في مدرسة كمال أتاتورك التي حدثت وعقلنت الإنسان التركي على عكس المدرسة في العالم العربي التي نشرت ثقافة دينية متخلفة جدا مستمدة من العصور الوسطى، ولا يمكن نجاح مشروع شبيه بمشروع حزب العدالة والتنمية التركي في العالم العربي إلا في حالة قيام ثورة ثقافية وتعليمية شبيهة بالثورة التي أقامها آتاتورك في تركيا، وهذا يتطلب مدة طويلة، لكن من غير المستبعد إدراك أصحاب هذه الرؤية لهذا العامل، مما سيجعلهم يعتمدون مستقبلا على صراعات دينية عنيفة مما سيؤدي إلى تعب وإرهاق شعوب جنوب المتوسط بعد مدة من الصراعات الدموية، مما سيجعلها تبحث عن السلم بأي ثمن، وبأنهم بإمكان قبولهم حتى بسيطرة أوروبية أو أمريكية تضمن لهم الإستقرار، ولهذا السبب يجب محاربة التطرف الديني المنتشر بقوة في هذه الدول، وذلك بإعادة النظر في المدرسة والثقافة والخطاب الديني التي تتسم بالتخلف الكبير جعلتها تلعب دورا كبيرا في إنتاج هذا التطرف الذي سيدمر هذه البلدان مستقبلا.