نذور بنت الجلبي في دير مار متي

ملهم الملائكة
2020 / 6 / 11

بين حربين سافرت سما وزوجها الذي تعشقه لحد الجنون إلى بيت في مصيف أنشكي على سفوح جبل متين. لم يكن الصيف الحقيقي قد حل في ربوع العراق، إذ لا يزال الربيع يجرجر آخر أسابيعه مهزوماً أمام شمس تسخن كل يوم ليهجم فجأة صيف العراق الكافر على الرافدينيين بلا رحمة.
وفي انشكي اكتشفت سما وزوجها "كوخ الناسك" على سفح منحدر في الطريق إلى كهف أنشكي، وهو كوخ صغير جدرانه حجرية وقد تقادمت عليه الحروب أو ما يشبهها من كوارث، فاحترقت جدرانه، وأعيد تبييضها بالجص فباتت ملساء مرقّعة بالحجارة، أما سقفه فقد شيد من جذوع أشجار الجوز القوية وراكموا فوقها حطباً كثيراً من مختلف الأنواع. وفي نافذة مدورة في جدار الكوخ يشاهد المرء شمعدانات صغيرة شكتّ فيها شموع متباينات الأحجام، أحترق بعضها وما زال البعض الآخر ينتظر من يحرقه. يطلّ ظهر الكوخ على وادٍ غير عميق تفصله عنه جنينة صغيرة فيها بضع أشجار نارنج ومساحة معشبة بالريحان والكرفس والنعناع. في هذا الكوخ يسكن ناسك مسيحي يقارب عمره الخمسين، يهجر بيته في الشتاء ويذهب إلى بيوت أقربائه في القرى المسيحية، والتقاه الزوجان أول مرة عائداً من الوادي، وعلى ظهره حزمة حطب. ورحب بهما الناسك، ودعاهما إلى كوخه لقدح شاي.
باتت زيارة كوخ الناسك جزءًا من طقوسهما اليومية في هذا المكان القصي، واعتادا أن يجلبا معهما هدية صغيرة للناسك، وحتى إذا لم يجداه في كوخه، يتركان الهدية له على نافذة الكوخ. الهدايا لم تكن تتعدى علبة شاي، أو كيس رز بكيلوغرامين، أو كيس طحين بكيلوغرامين، أو قطع صابون الغار منتجة في البيوت يشترونها من أسواق دهوك في جولاتهما الليلية بالسيارة في تلك البقاع.
وكلما غادرا كوخه يذهبان مباشرة إلى صومعة مار كوركيس القريبة منه وهي غرفة بطارمة شيدت من الحجر الجبلي، وفي واجهتها باب معدني أقيم على جانبيه تمثالان للسيدة مرم العذراء وهي تحمل يسوع الصغير وتضمه إلى صدرها، فيما يتوسط المدخل معقوداً فوق باب معدني سميك قوس عليه نقوش سريانية. داخل الصومعة، مذبح كنسي مبني بالرخام الأبيض والرمادي، ويتصدره تمثال السيد المسيح. هنا اعتادت سما أن تجثو أمام التمثال وتدعو من السيد المسيح والروح القدس والسيدة مريم العذراء أن يرزقونها بولد يجعل من بيتها الصغير مع زوجها عائلة حقيقية. سما لم تكن مسيحية، لكنّ هاجساً في داخلها كان يقرّبها إلى رموز المسيحية فتتشفع بها علّها ترزق بثمرة حب جارف أثمر زيجة لم تكتمل بولد أو صبية منذ 6 سنوات مررن عجافاً وسط مآسي الحرب العراقية الإيرانية. علاقة حب تهددها دائما رصاصات وشظايا تصيب زوجها في جبهات القتال، فيعود ليقضي معها بضع أسابيع، يتعافى فيها ليعود إلى ميدان الخطر المرعب.
في ذلك الفردوس المتواري بين الجبال تقودهما طقوس جولاتهما اليومية بعد زيارة الصومعة إلى كهف انشكي على سفوح جبال متين بين مصيفي سولاف وسرسنك شرقاً باتجاه الحدود التركية نائياً نحو 40 كيلومترا عن مدينة دهوك.
الكهف (ويسمى بالكردية شكفته) مدخله ضيق، لكنّ جوفه ينفتح على منصتين نحتتا في الطين الذي تراكم عليه حجر جبل متين. جوف الكهف بارد وتتعرق من جدرانه المياه لتتقاطر في مسير خطته في مجارٍ تخرج الماء من الكهف ليسيل إلى سفوح الجبل المنحدرة فيتوزع على قرى اندثرت بحروب الأنفال ولم يبق منها سوى ركام بيوت هدمتها الحادلات والشوفلات.
لهذا الكهف قصص مكتومة، رواها لهما الناسك في خلوة آمنة بعد أن تأكد أنهما ليسا من عيون السلطة على سكان المنطقة، وذات غروب أخرج لهما من صندوق عتيق تحت سريره مخطوطة باللغة السريانية، وبدأ يشرح لهما بإسهاب محتويات المخطوطة المكتوبة على ورق سميك يشبه جلد الغزال.
وكشف أنّه قد عرف من المخطوطة ومن روايات النساك والرهبان والكهنة في القرى المتاخمة للكهف أنه قد تكامل على مدى 10 قرون، وكان في بدئه معبداً للزرادشتية الهاربين من سيوف المسلمين وحرابهم قبل نحو ألف، ثم حاصرهم الكرد المسلمون، ففروا إلى لالش وجبل سنجار، وغيّروا ديانتهم إلى أخرى باتت تعرف بالأيزيدية.
وفي غفلة من زمن مجهول تحول الكهف إلى كنيسة للمسيحيين الكاثوليك، الكنيسة باتت تعرف بمار كوركيس نسبة الى القديس كوركيس (حسب رواية الناسك). الكنيسة وعلى مدى قرنين صارت أهم معلم ديني لسكان القرى المسيحية المحيطة بالمكان. هذه السفوح الوعرة النائية هي أماكن المسيحيين الآشوريين ثم الكلدانيين الأولى في المنطقة، ويقدر عمر بعضها بألفي سنة، حيث أنها تختلط برحلات السيد المسيح وقساوسة الشام والناصرة.
وقال الناسك إن سرسنك الواقعة على سفوح جبل كارا هي قرية آشورية ويلقب أهلها بالنساطرة وكنيستهم هي كنيسة المشرق وباقي القرى كلدانية كاثوليكية والفرق مذهبي بين الكنائس هنا. ثم مضى يشرح جغرافية المكان فقال إنّ سفوح جبل متين التي تنتشر فيها القرى المسيحية هي السفوح الغربية، فيما تطل سفوح متين الشرقية على منطقة برواري بالا، وهناك شريط بعمق نحو 30 كم يتصل بالحدود التركية تطرقه سنابك بغال المهربين والبيشمركه هرباً من الأتراك مرة ومن العرب أحياناً حسب تقلب الأحول السياسية.
جلس متريثاً وهو يستجمع ذاكرة المكان ثم أشار إلى أعلى قمة في جبل متين، وقال تلك التي في القمة هي قرية كله شيخو وفيها مقبرة يهودية، لكنّ كل ذلك دمر في معارك الأنفال ونقلوا أهلها إلى مجمعات شاريا وعربت ومناطق أخرى. أما على سفوح جبل متين الشرقية من جهة الحدود التركية قبل كاني ماسي وبالقرب من منطقة هاكاري عبوراً إلى قرية اشيثا الآشورية في داخل الأراضي التركية فتوجد آخر القرى القريبة من الحدود التركية وهما قريتا هلوا وسردشته، وبعد عبور الزاب تصل إلى قرية آطوش الأشورية، وصولاً إلى قرية زيوا عبوراً إلى جوله ميرك.
عموماً كل هذه القرى والمدن على السفح الغربي لجبل متين تقع في حوض صبنا وقطنتها قبائل الكرد المزوريون والدوسكيون وأفخاذ أخرى صغيرة، وقبائل الكرد فيها مسلمون ومسيحيون.
مذهولة بروايته التي يتخللها الضباب وتعبق برائحة تاريخ سحيق سألته سما عن مرجعية تلك الكنائس والقرى لاسيما أن عموم سكان هذه المناطق هم من الكرد، فأجاب منتفضاً: أغلب سكان سفوح متين الغربية هم من المسيحيين لكنهم مسيحيين كرد، وبينهم آشوريون وكلدانيون ونساطرة ومرجعيتهم أبرشية العمادية التي كانت تسمى سابقاً بالكلدانية "قلا" واليوم تسمى العماديّة وأضيفت إليها أبرشية زاخو، وتشمل القرى المسيحية هنا قرية همزيك وكنيستها مارت شموني.
وقرية تِنْ أو تْنا وفيها دير مار اوراهام (ابراهيم) التائب ويقع على سفوح جبل متين الغربية. وقرية بيناثا بقايا كنيسة انتقال مريم العذراء .
وقرية انشكي التي تقع في حوض صبنا على السفح الغربي لجبل متينا وفيها دير مار كوركيس، وكنيسة مارت شموني.
وقرية داودية الواقعة غربي مطار بامرني وتحيط بها قرى مثل تنا وشرب وكلي وخلبيشي وفيها كنيسة باسم مار يوحنا، وفيها أنقاض دير مجهول يدعى دق ريشيه وبقربها أنقاض دير يدعى مار داود. وقرية بادرش الواقعة في حدود الكنيسة الحالية (مار كوركيس). وقد اختارها السيد الرئيس (صدام حسين) ليشيد فيها قصره فوق القمة التي ترونها من هنأ واسماه قصر أنشكي، والتفت باتجاه قمة منيرة مشيراً إلى البناء الكبير فوقها.
قرية أرادن سفلى ويقال إن اسمها مشتق من كلمة (ارعا دَعْدِنْ) أي "أرض عدن" وهي من أقدم القرى الموجودة في منطقة وادي صبنا. وفيها كنيسة مارت شموني وكنيسة سلطانة مهدوخت وهي المزار الزرادشتي الوحيد الذي لم يتم هدمه. وتوجد أيضا شمالها قرية أرادن عليا ويسكنها المسلمون، وتاريخ انشائها متأخر يرجع إلى نحو 200 سنة.
وقرية كوماني والتي تسمى ايضاً أوكاما، وقد ورد اسمها في رقيم مسماري محفوظ في مكتبة جامعة الموصل كما كانت إحدى بوابات نينوى تسمى أوكاما وكان فيها دير اسمه مار قرياقوس ومار مريم حسبما ورد في مخطوطة كتبها الأركذياقون المسمى نيسان من قرية دركني. وفي مدخل القرية آثار دير اسمه مار ابرام ويذكره دليل الآثار العراقية باسم دير مار ابرون.
توقف الناسك عن الحديث، ونظر إلى سما وزوجها وفي عينيه قلق واضح وقال: هل تضايقكما هذه التفاصيل؟ إنه تاريخ أهلنا الذي ضاع بين الغزاة؟
بادرت سما تسأله وفي عينيها شبح دموع: من أنت أيها الناسك المتوحد؟ أنت تروي تاريخ لم اقرأ مثله في كتب المدارس، هل لي أن أعرف اسمك على الأقل؟
تطلع في وجهها كأنه يود اختبار إخلاصها باحثاً عن دلائل أخرى تبعد الشبهة عن هذين الغريبين بفضولهما المحبب، ثم أجاب بعد لحظات صمت: اسمي دانيال، وكنت قسّاً ثم هجرت الرهبنة، واعتكفت متنسّكاً لصق هذه الصومعة، ثم سألها بنوع من اللهفة: لماذا تريدين أن تعرفي التاريخ المسيحي لهذه الأصقاع النائية، هل أنتِ مسيحية؟
أجابت سما وهي تنظر عبره إلى جدران الصومعة الخارجية وأيقونة المسيح المعلقة فوق سريره: لست مسيحية، لكني أريد التشفع بالمسيح والسيدة العذراء، أريد شفاعتهما وسوف أنذر لهما أغلى ما بوسعي لو تحقق مرادي.
وما هو مرادكِ؟
قالت وقد وصل الدمع حافة عينيها الصغيرتين: أنا لا أحبل، أريد أن تنقذني السيدة العذراء والمسيح المخلص، وترزقني ببنت وسأسميها مريم، ولو رزقتني بولد فسوف اسميه عيسى.
قال دانيال: سأروي لكما بعض ما جرى في هذه البقاع، ثم أرشدكما إلى حيث تستجاب النذور، ثم واصل القراءة والترجمة من وثيقته التاريخية السريانية:
مدينة مانكيش فيها كنيسة مار توما الرسول الذي طلب منه المسيح أن يجس يديه وجنبه وبجانبها قلعة (قلايه) تعرف باسم الراهب مار عبديشوع، وعن يمينها قلاية الراهب مار موشي.
ثم قرية تلّا وفيها العديد من المزارات والكنائس القديمة، جوار الكنيسة الحالية كانت هنالك كنيسة قديمة باسم انتقال مريم العذراء كما توجد مزارات لمارت شموني وكنيسة لمار أيليا وأخرى لمار ساورا. في تلّا ايضاً كهف باسم مار أوراها.
ونتجه إلى قرية بيبوزي التي يعود تاريخها إلى ما قبل القرن التاسع الميلادي. ثم قرية آزخ التي تحتفل سنوياً بعيد شفيعها مار كوركيس، وصولاً إلى قرية هرماشي التي تحتفل سنوياً بعيد القديسة تريزا. ثم نتجه إلى قرية رَمْتا التي سميت كنيستها باسم مار يوسف شفيع العمال وتحتفل بعيده يوم الأول من آيار.
ونصل إلى قرية شيوز البعيدة النائية على مرتفع من الجبل الابيض شمال مدينة سميل وترتفع عن مستوى سطح البحر حوالي 620 متراً وفيها كنيسة على اسم مار كوركيس الشهيد وهو شفيع الخورنة.
قاطع القراءة زوج سما الأسمر الطويل وهو يتساءل عن جدوى معرفة كل أسماء القرى والكنائس في المنطقة، فرد عليه دانيال الناسك وعيناه معلقتان بغيب كنسي موغل في التقوى: أنتما في حاجة، ولكي تقضيا حاجتكما لابد أن تعرفا شيئاً عن الراعي وعن الرعية!
ما معنى الراعي والرعية؟
ردت سما على سؤال زوجها: الراعي هو المسيح، والرعية هم المسيحيون.
تبسّم الناسك دانيال فرحاً بجوابها، ثم وضع الوثيقة على الفراش ونهض من مجلسه على حافة سريره، وبدأ يعد لضيفيه شاياً، فيما أخرجت سما من حقيبتها، بضع شطائر من كباب الطاوة وشرائح الجبنة التي يعشقها زوجها، ودون استئذان نهضت إلى مطبخ الكوخ، في رازونة مطلية بالنورة وقد حال لونها إلى ترابي بتقادم السنين، وبحثت فوجدت صحناً من الفرفوري العتيق بشكل زورق وفي العراق يسمونه "بلم" غسلته بماء أسالته من أبريق نحاسي ثقيل الوزن عملاق الحجم يصب في مسيل ماء بزاوية المطبخ ينتهي بثقب بين الجدار وأرضية الكوخ، يخرج منها الى حافة الوادي خلف البيت، ومسحته بمنديل ورقي، ثم وضعت عليه الشطائر، وأوقدت لنفسها ولزوجها سيجارتين بعد أن استأذنت من الناسك.
عاد دانيال بأقداح الشاي غير المتشابهة ووضعها أمامهم على طاولة معدنية متناهية الصغر، وشرع الجميع يرشفون الشاي ويمضغون شطائرهم اللذيذة. وأبدى دانيال اعجابه بالطعام مبيناً أنه لم يذق مثله منذ سنوات طوال، فيما خيّل لزوج سما أنّ ذلك الغذاء أشهى وجبة تناولها في حياته العاصفة. وحين انتهوا من تناول الطعام وشرب الشاي قال دانيال مخاطباً زوج سما: خُلق الانسان من عَجَل، لو كنتَ تريثت دقيقة واحدة لكنت انهيت تلاوة المخطوطة، لكنّ لا يمكن تغيير الأقدار، فمشيئة الرب أن تسال، وينقطع الكلام، لنذهب الى الإدام والشراب ونعود بعدها إلى قصص الراعي والرعية. وها أنا أحدثكم عن آخر موائل المسيحية في هذا الحوض الخصيب وهي قرية مار ياقو (يعقوب) على الطريق المؤدي إلى زاخو، وقد تحدر إليها اسمها من دير الآباء الدومنيكان الموجود في حضن الجبل الأبيض، والذي اسمه دير مار يعقوب الرائي.
ران صمت يشوبه الحزن على الغرباء الثلاث، قطعه دانيال بعبارة خطيرة: كل هذا التاريخ والتمدن والتقوى قضت عليه عمليات الأنفال، فدُمرت أغلب القرى التي تحدثنا عنها من بين 31 قرية مسيحية سويت بالأرض.
ثم عاد دانيال يروي قصة شكفته انشكي مؤكداً أن الكهف قد تحول في زمن غامض إلى معبد لليهود، ويرجّح أهل تلك القرى، أنّ هذا الزمن يرقى إلى نحو عام 1820، حيث بدأ العثمانيون يطاردون اليهود والمسيحيين، فنزح يهود القرى اليهودية المتاخمة لجبل متين، إلى شكفته انشكي، واختبأوا فيها، وحين رحل الغزاة جعلوا من الكهف معبداً وبنوا لأنفسهم بيوتاً على السفح الغربي لجبل متين، وقد انشغلوا بإنتاج الأقمشة المزركشة التي يرتديها المسيحيون، وبإنتاج طاقياتهم الآشورية التي كانوا يبيعونها للمسيحيين ويعتمرونها هم أنفسهم بحيث تخفي الكيباه التي تغطي نُقر رؤوسهم، كما مارسوا الصياغة وصناعات أخرى صغيرة بينها صناعة الملاعق والخناجر والسكاكين.
سكت دانيال، وأخذ يتجرع بهدوء شايه داكن السواد شديد الحلاوة على الطريقة العراقية، ثم أخرج سواكاً وضعه في فمه فما لبث عطره أن عم المكان، فتساءلت سما بلهفة "ما هذا الغصن الذي يفوح بعطر القداح"؟
أجاب الناسك: إنه مسوّك تواصى به الأسلاف وعطره يزيّن رائحة الفم، هو من جذور شجرة اللوز الأرضرملي النادرة، والتي لم تعد تربو في ديارنا، فبات المهربون يجلبون المساوك من ديار بكر التركية مع ما يجلبون. يمكن أن أطلب لك واحداً منها، فلدى المهربين غالباً ذخيرة يبيعونها، لاسيما أن دراويش الصوفية، وحكماء الزرادشتية الأيزيدية والكاكائية المتخفّون يستعملونها لتنظيف أفواههم.
قالت سما بشوق: أريد واحداً، لكن هل هو متوفر فوراً أم يجب الانتظار حتى يجيئوا به من تركيا؟ لا وقت عندي لانتظار طويل، سنرحل من هنا خلال أيام؟
نظر دانيال إليها وهو يتمسوك فيترامى العطر في كل مكان وقال: هو متوفر غالباً، لكن ثمنه غالٍ بعض الشيء مقارنة بالسواك الذي يستخدمه المسلمون والمستخرج من جذور شجرة الأراك النادرة. عود المسوك اللوزي يكلف 5 إلى 7 دنانير (7 إلى 5 دولارات في ذلك الوقت). لو شئت، اعطني 5 دنانير وسأذهب لهم الليلة وآتيك به غداً.
مدت سما يدها في حقيبتها، وهي خُرج دمشقي حيك باليد من أصواف ملونة ثابتة الصبغة وناولته خمسة دنانير، ثم جلست تصغي له باهتمام وتتلذذ بعطر المسوك النادر.
وعاد دانيال يسرد تاريخ كهف أنشكي فذكر أن العثمانيين شرعوا بموجات ثانية من مذابح الأرمن والآشوريين، فتكاثرت الهجرات، وزحفت قبائل كردية مسلمة على أنشكي وما حولها فأعلنت بلا سبب واضح حرباً على اليهود ففروا من المنطقة متجهين غرباً إلى سوريا، فيما نزح كرد وآشوريون وأرمن من تركيا هاربين من بطش العثمانيين وقطنوا هذه المناطق.
في أزمنة متأخرة، وربما تتذكرونها، اتخذت الحركات الكردية الثائرة من الكهف وما حوله في ستينيات القرن العشرين مقراً للقيادة ثم حولوه في معارك سبعينيات القرن العشرين الى مستشفى خاص بجرحى الثوار وانتهى المطاف به أخيرا إلى كهف مهجور.
سكت دانيال، فسارعت سما توقد لفافة تبغ أخرى، وتسأله: أين يمكنني أن أبذل نذري؟
نظر إليها بإمعان صامتاً ثم قال بعربيته التي تنتابها لكنة مسيحية معروفة: الرب موجود في كل مكان، والراعي يأتيك حيثما كنتِ، لكنّ دير مار متي شمال شرق نينوى هو المكان الأفضل لمثل هذه النذور. دعيني أقرأ لك ما ذكره أسلافنا عن هذا الدير العتيق، وشرع يقرأ بالعربية:
ياقوت الحموي زار نينوى على عهد بدر الدين لؤلؤة أمير الموصل، ثم زار دير مار متي وكتب فيه: دير متي بشرقي الموصل على جبل شامخ يقال له جبل متى، من استشرفه نظر إلى رستاق نينوى والمرج، وهو حسن البناء وأكثر بيوته منقورة في الصخر، وفيه نحو مائة راهب لا يأكلون الطعام إلا جميعاً في بيت الشتاء أو بيت الصيف، وهما منقوران في صخرة كل بيت منهما يسع جميع الرهبان، وفي كل بيت عشرون مائدة منقورة من الصخر، وفي ظهر كل واحدة منهن قبالة برفوف وباب يغلق عليها، وفي كل قبالة آلة المائدة التي تقابلها من غضارة وطوفرية وسكرجة لا تختلط آلة هذه بآلة هذه، ولرأس ديرهم مائدة لطيفة على دكان لطيف في صدر البيت يجلس عليها وحدة وجميعها حجر ملصق بالأرض، وهذا عجيب أن يكون بيت واحد يسع مائة رجل وهو وموائده حجر واحد، وإذا جلس رجل في صحن هذا الدير نظر إلى مدينة الموصل، وبينهما سبعة فراسخ، ووجد على حائط دهليزه مكتوباً:
يا دير متى سقتْ إطلاُلكَ الديمُ ... وانهلَ فيكَ على ُسكانِكَ الرهمُ
فما شَفى ِغلتي ماء على ظمأ .... كما شفى َحرَّ قلبي َماؤكَ الشبمُ
سكت هنيهة ثم قال، تسافران من هنا إلى بعشيقة، وفي بعشيقة تسألان فيرشدكم أي مستطرق إلى طريق الدير.
في اليوم التالي، جاء دانيال لسما بمسوك، ومع المسوك سلمها دانيال هدية من عنده هي بيت المسوك، وهي علبة نحاسية رفيعة بطول 10 سنتمترات ولها غطاء محكم، العلبة وغطاؤها تشبهان علب السيكار الكوبي الثمينة لكنها مجردة عن الكتابات والألوان ومصنوعة بجهد اليد المجردة دون مكائن، فهي بدائية الشكل كأنها علبة تبغ تستخدمها الجدات من العصر العصملي،. وضعت سما الكنز العطري في خرجها، فدبّ عطره في جسدها وجسد زوجها وفي ملابسهما وفي داخل سيارتهما، أما حين كانت تتمسوك به، فإن عطره يبقى في فيها لبضع ساعات، وكأنه رائحة القداح.
غادرت سما وزوجها حوض صبنا وجبال متينا وكارا متجهين إلى سهل نينوى. وهي تحلم بأن تصل إلى الدير الشهير، وأثناء الطريق ما برحت تحدث زوجها عن أملها الكبير في أن نذورها في هذا المكان المقدس ستؤتي أكلها.
وصلا مدينة بعشيقة فسألا سائق حافلة صغيرة عن الطريق إلى دير متي، فقال لهما اتبعاني فأنا صاعد للدير، وباتا يسيران خلف حافلته الصغيرة، وسارا عبر حقول الحنطة ليقتربا بسيارتهما الجديدة من الحوض الفسيح لجبل مقلوب المعروف باللغة السريانية بجبل (ألفاف). وبدا الدير كأنه قلعة شامخة تتربع على إحدى المرتفعات في سفح الجبل، وتسلقا بسيارتهما مقتفيان مسار الحافلة الحمراء الصغيرة على الطريق المعبد حديثاً، اثنان وثلاثون استدارة وصلت بهما إلى الدير فترجلا عند مدخله واجتازا الطارمة الكبيرة ثم ارتقيا السلالم ليصلا البناء المحاط بأسوار شاهقة الارتفاع، كأنه حصن، واقترب منهما راهب صغير يسألهما بلغة العارف" هل لديكما نذر؟"
كان السؤال مفتاح بهجة لسما، لكنّ زوجها اعتبره عربون تجارة من نوع ما، ولم يشعر بالارتياح، لكنه جاء إلى هنا إكراماً للمرأة التي يعشقها بلا حدود. ابتسمت سما وقالت "نعم لدينا نذر" فأشار لهما الراهب الصغير أن يتبعاه، ثم أوصلهما إلى كبير القساوسة الذي يدير المكان، وطلع عليهما القس بلباسه الأسود المهيب وقبعته المزرّدة بقطع الفضة صلباناً ونجوماً ورموز أخرى. ثم سألهما إن كانا مسلمين فأشارا بالإيجاب، وصار يوجههما إلى كيفية الغسل قبل دخول صومعة القديس متي، ثم قادهما عبر دهاليز واطئة ما برحت تضيق وتضيق، ولحظت سما أن إسمنت الأرض وحجرها قد صقلته مئات ألوف الأقدام التي مرت عليه ساعية إلى المقدّس المتواري في ظلمة الحجر.
انتهى الدهليز إلى غرفة حجرية معتمة يتسرب إليها النور من طاقة حجرية بعيدة، في زاوية الصومعة الدائرية يوجد صليب وضع في رازونه سوداء، وتحت الصليب على الأرض دُق وتد معدني قصير، وارتبطت بنهاية الوتد سلسلة قصيرة جداً يتدلى منها طوق معدني بقوسين. كان على صاحب النذر أن يجثو ساجداً على ركبتيه، ثم يضع الطوق في رقبته، ويطلب نذره، وهكذا سجدت سما، ووضعت الطوق في رقبتها وبقيت تدعو وتبتهل الى مار متي، احتوتها تماماً رائحة الرطوبة التي تعمّ المكان، وبعد نحو خمس دقائق قامت لتخلي السبيل لزوجها الذي وضع الطوق في ركبته ساجداً في حرم مار متي إرضاء لرغبة أحب النساء إلى قلبه.
خرج العاشقان من جوف الصومعة إلى فضاء جلس فيه كبير القساوسة، فجلسا عنده، وقدمت سما تبرعاً مالياً سخياً للدير، ووعدت بمبلغ كبير حين توافي نذرها لو تحقق. وشرع الأب إلياس يروي تاريخ هذا الدير، مرجعاً إياه إلى أكثر من 16 قرناً، حيث بناه الملك الآشوري سنحاريب ملك نينوى (عاصمة الدولة الآشورية) على ارتفاع 2400 متراً عن سطح البحر في عام 381 ميلادي. ثم قطع الأب إلياس حديثه، واقترب برأسه من سما وهو يقول: لو كان في نفس زوجك شك في قدسية وقدرة مار متي، فاسمعي مني هذه الحكاية، فقد زارنا منذ سنوات طويلة المرحوم عدنان خير الله الذي توفي قبل اسبوعين (وزير الدفاع العراقي الذي قتل في تحطم طائرة مروحية في 5 أيار/ مايو 1989) ومعه زوجته السيدة هيفاء ابنة الرئيس أحمد حسن البكر ولم يكن عدنان قد صار وزيراً بعد، بل كان ضابطاً برتبة صغيرة، وقد مضى على زواجهما سنتان دون أن يرزقا بطفل، وهكذا فعل وزوجته نفس الذي فعلتماه الآن، فرزق في نفس العام بولده الأول فأسماه علي، ثم وبعد سنوات طويلة زارنا وهو بمنصب وزير الدفاع، وأمر بتعبيد الطريق إلى الدير، نفس الطريق الذي سلكتماه الآن.
بعد عامين من نذرها في دير مار متي، فقدت سما زوجها بعد أن أُجبر الجيش العراقي عام 1991 على الانسحاب من الكويت التي غزاها منتصف العام الذي سبق. ثم قيض لسما واختها وزوجها زيارة دير القديس متي في عام 1994، فالتقت بقس غير الذي التقته قبل 5 أعوام، وروت له ما كان، وسألته كيف السبيل إلى عودة زوجها، فوجهها أن تنذر لمار متي نذراً تفي به في حال عودته. انحنت سما ساجدة في صومعة مار متي، ووضعت الطوق في رقبتها مرة أخرى، وابتهلت أن يعود زوجها لتفي بنذرها وخرجت.
ما حبلت سما ولم يعد زوجها ولم تفِ بنذرها قط.
الموصل – صيف 2019