الحروب الدينية/ الدينية وجرثومة التعصب

طلعت رضوان
2020 / 6 / 10

انقسم الإسلام إلى ثلاثة مذاهب (رئيسية بخلاف المذاهب الفرعية الكثيرة) على النحوالذى ذكره الشهرستانى فى كتابه الشهير(الملل والنحل) وأنا أعتمد على طبعة هيئة قصورالثقافة- عام2014، بل إنّ نبى الإسلام نفسه قال ((ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منهم واحدة..هى أهل السنة والجماعة، أى ما أنا عليه اليوم وأصحابى..والباقون هلكى))
وبعد (خديعة التحكيم) التى اشترك فيها عمربن العاص لصالح معاوية بن أبى سفيان..وبعد ظهور(جماعة الخوارج) الذين انتقدوا على بن أبى طالب لأنه وافق على التحكيم..ووصل بهم الغلولدرجة ((تكفيركل الصحابة)) (الشهرستانى- ص368)
وبدءًا من هذا التاريخ (خاصة بعد الحرب بين على ومعاوية) وبعد انحيازأهل الشام إلى معاوية..واحيازأهل العراق إلى على، انقسم المسلمون إلى مذهبيْن رئيسييْن (سنة وشيعة) واستمرّهذا الانقسام وامتدّ حتى القرنيْن العشرين..والحادى والعشرين..وتبلور فى (زعامة دولتيْن) إحداهما تتبنى مذهب السنة..والثانية تتبنى مذهب الشيعة..والإثنتان تــُـبـدّدان موارهما الطبيعية على (تخزين السلاح) وتأجيج الصراع فى منطقة الخليج العربى/ الفارسى..ولايستفيد من هذه الموارد الشعبان البائسان (السعودى والإيرانى)
وكما حدث مع المسلمين، حدث مثله مع المسيحيين، حيث انقسمتْ المسيحية إلى ثلاثة مذاهب رئيسية: كاثوليك، بروتستنت وأرثوذكس (بخلاف الفرعية) ولكن أثبتتْ تجارب التاريخ أنّ الصراع تركــّـزبين الكاثوليك والبروتستنت، بينما نجتْ الأرثوذكسية منه إلى حد كبير..وفى هذا الشأن ذكرديورانت أنّ القرن الثامن عشرفى غرب أوروبا، شهد ظاهرتيْن: الأولى انهيارالنظام الاقطاعى..والثانية الانهيارالوشيك للدين المسيحى، بسبب الحروب المسلحة بين الكاثوليك (بزعامة فرنسا) وبين البروتستنت (بزعامة بريطانيا)
وإذا كان التعصب للدين، انتقل للتعصب للمذهب..وأنّ هذا التعصب سببه الإيمان بالميتافيزيقا..ومن أمثلة ذلك (فى الإسلام) الإيمان باللعنة التى نزلتْ على إبليس بطرده من الجنة، لأنه رفض السجود لآدم..ولهذا فإنّ الشهرستانى استنطق إبليس..وجعله يقول: إنّ الله طردنى من الجنة، فما الحكمة من ذلك؟ وأنا لم أرتكب قبحــًـا إلاّ أنْ قلت: لا أسجد إلاّ لك..وأنت يا ربى الذى جعلت الحية تبتلعنى لأتخفى وأدخل الجنة لأوسوس لحواء حتى تأكل من الشجرة المحرّمة هى وآدم، فما الحكمة من ذلك؟ ولماذا لم تمنعنى من دخول الجنة..ولوحدث ذلك لاستراح آدم وذريته منى؟ وإذا كانت الخصومة بدأتْ بينى وبين آدم، فلماذا سلــّـطتنى على أولاده وأحفاده..وما الحكمة من ذلك (ص13) ومن بين خرافات الميتافيزيقا أنّ رب بنى إسرائيل وُضع فى التابوت..وكان يــُـحرّض أتباعه المؤمنين به على محاربة خصومهم (ص287) ومن بين مظاهرالميتافيزيقا الحديث المنسوب لنبى الإسلام..والذى قال فيه: أنّ الله كتب التوراة بيده..وخلق جنة عدن بيده (الشهرستانى- ص178)
وهذا الإيمان بالميتافيزيقا وُجد فى تاريخ اليونان القديم، حيث كانوا يعتقدون أنّ قوانينهم وعاداتهم (مقـدّسة) لأنها من وحى الآلهة..وكان الحكم بإعدام سقراط لأنه سخر من الآلهة اليونانية..ودافع عن آلهة أجنبية..وأنّ فيليب (والد الإسكندرالأكبر) كان يخشى زوجته (أولمبياس) بسبب حدة طباعها..واشتراكها فى طقوس ديانة أجنبية..وقد وجد ذات ليلة أفعى إلى جانبها فى السريرفارتاع..ولم يذهب عنه الخوف، حتى بعد أنْ قيل له: إنّ الأفعى إله من الآلهة..وأسوأ من هذا أنّ زوجته أخبرته أنه لم يكن والد ابنها الإسكندر..وأنّ ((صاعقة قد انقضــّـتْ عليها ليلة زفافها..وأشعلتْ فيها النار..وأنّ الإله العظيم (زيوس- آمون) هوالذى حملتْ منه بالأميرالإسكندر..ولما كبرأخبرته بسرأبوته الإلهية..وبعد الانتصارات العديدة التى حققها الإسكندرفإنّ الكثيرين من أهالى أثينا كانوا يتضرّعون إلى الآلهة، أنْ ((تقضى على الإسكندر)) وأخطرمظاهرالميتافيزيقا أنّ المرضى كانوا يرفضون الدواء ((بحجة أنّ المرض مُـرسل من الله)) (ديورانت- المجلد الرابع- الجزء السابع والجزء الثامن- أكثرمن صفحة)
فى تلك الحروب الدينية/ الدينية، أوالدينية/ المذهبية، كان مشعلوها يتستــّـرون خلف أسباب سياسية، من أجل تحقيق مطامع شخصية..كما حدث فى الحرب التى أشعلها معاوية بن إبى سفيان ضد على بن أبى طالبة..وهى الحرب الشهيرة..والمعروفة (بموقعة الجمل) وفيها قتل المسلمون العرب، المسلمين العرب مثلهم، بل صحابة بنى الإسلام، قتلوا صحابة نبى الإسلام، مثل طلحة الذى رماه مروان بن الحكم بسهم ((فخرّ ميتــًـا)) بل إنّ عائشة زوجة نبى الإسلام انضمــّـتْ لجيش معاوية، لتنتقم من على بن أبى طالب..وهذا الصراع الدينى/ الدينى..والمستترخلف المصالح الشخصية، عبــّـرعنه نبى الإسلام بقوله عن القرآن ((فيكم من يقاتل على تأويله..كما قاتلتُ على تنزيله)) (الشهرستانى- ص409)

ويذهب ظنى أنّ مؤسسات الكهنوت الدينى، فى أى ديانة، كانت وراء ظاهرة التعصب..وقد ابتلتْ البشرية بأخطرداء تسبـّـب فى الحروب وإراقة الدماء، ونتج عنه وقف التنمية والتقدم، هذا الداء هو(التعصب) الدينى والمذهبى..وأخبرتنا التجارب أنه حتى أبناء الديانة الواحدة انقسموا إلى مذاهب (كما حدث مع أبناء الديانة العبرية: اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) وأنّ أبناء المذاهب انقسموا إلى فرق الخ..ووفقــًا لما ورد فى كتب التراث العربى انقسم اليهود إلى 71 فرقة. والمسيحيين 72 فرقة..والمسلمين 73 فرقة..وبغض النظرعن هذا الكلام الذى يعتمد على صيغة (المُـطلق) ضد (النسبى) تأتى أجيال من (المسلمين الموحدين) وكفــّروا جميع صحابة محمد، من بين هؤلاء (أبى كامل) الذى أنشأ مذهب (الكاملية) والسبب من وجهة نظره أنّ الصحابة تخلوا عن على بن إبى طالب..وفى نفس الوقت انتقد على لأنه ترك حقه..وبعد أبى كامل جاء (العلياء بن ذراع الدواسى) فكان يُـفضــّـل على بن أبى طالب على محمد الذى نسب الدعوة الإسلامية لنفسه، فى حين أنّ صاحبها الحقيقى هوعلى (الشهرستانى- من ص368- 371)
وانقسم أتباع الحسن بن على بن أبى طالب إلى 11 فرقة. بعضها تقول إنه مات وبعضها تقول إنه لم يمت ولايجوزأنْ يموت وأنه فى حالة (غيبة) ولما اعترض البعض عليهم قالوا ((أليس الخضروإلياس يعيشان فى الدنيا من آلاف السنين ولايحتاجان إلى طعام أوشراب، فلمَ لايجوزذلك على واحد من أهل البيت؟)) (المصدرالسابق– من ص 352- 359))
وإذا كان النبى محمد حصل على توكيل من السماء يسمح له بإعطاء تأشيرة دخول الجنة فمنح عشرة من أصحابه تلك التأشيرة، كان من بينهم الخليفة عثمان، ولكن يأتى أتباع (الحسن بن صالح بن حى) ويسألونه: هل عثمان مؤمن أم كافر؟ لقد سمعنا الأخبارالواردة فى حقه وكونه من العشرة المُبشرين بالجنة. فقال زعيمهم: إذا رأينا الأحداث التى أحدثها من استهتاره بتربية بنى أمية. واستبداده بأمورلم توافق سيرة الصحابة، قلنا يجب أنْ نحكم بكفره (319، 320) وعند واصل بن عطاء رئيس المعتزلة أنه لاتـــُـقبل شهاة (المتلاعنين) أى الذين شتموا ولعنوا بعضهم. وبناءً على ذلك لاتجوزشهادة على بن أبى طالب وطلحة والزبير..وأنّ المتلاعنين فاسقون..وأنّ فريق على وفريق وطلحة والزبيرمن أهل النار(69، 70) مع ملاحظة أنهم من بين العشرة المُبشرين بالجنة..وإذن فالتعصب لهم منحهم تأشيرة دخول الجنة..والتعصب ضدهم سحب تلك التأشيرة وقذف بهم إلى النار. أما أصحاب مذهب الأزارقة الذى أنشأه (نافع بن الأزرق) فقد كفــّروا على بن أبى طالب وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبد الله بن عباس وسائرالمسلمين معهم وتخليدهم جميعًا فى النار..وأباحوا قتل أطفال المخالفين لهم وقتل النساء..وأنّ أطفال المشركين فى النارمع آبائهم (210) وقد أيدهم فى ذلك مذهب السليمانية (316) )
والتعصب الدينى له أشكال عديدة مثل موقف عمربن الخطاب الذى قال ((من قال أنّ محمدًا قد مات قتلته بسيفى هذا)) والتعصب الدينى جعل النبى محمد يقول فى حديث شهير((لايجتمع فى جزيرة العرب دينان)) لذلك أجلى عمربن الخطاب (أهل الذمة) عن الحجاز(الأحكام السلطانية والولايات الدينية- أبوالحسن البصرى البغدادى الماوردى- ص168) وفى سبيل تدعيم الدعوة لجأ محمد إلى تصفية الخصوم فأمربقتل عبد الله بن سعد بن أبى سرح..وقتل امرأة اسمها (أم رومان) وفى عام الفتح أم بقتل ستة ((ولوتعلــّـقوا بأستارالكعبة)) وكان بينم امرأة (الماوردى- ص 55، 132) والتعصب للدين هوالذى جعل محمد يقول حديثه الشهير((أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأولادهم)) وبمفهوم المخالفة فإنّ أى إنسان يرفض ما دعا إليه محمد يُهدردمه..كما أنّ (العقوبة) تلحق أولاده حتى ولو كانوا أطفالا..وفى هذا الشأن ذكرتْ كتب التراث العربى/ الإسلامى أنه إذا أسلم الأبوان كان إسلامًا لصغارأولادهما (أى نقل أوتوماتيكى) وقال الإمام مالك ((يكون إسلام الأب إسلامًا لهم ولايكون إسلام الأم إسلاما لهم)) وهنا نلاحظ أنّ التعصب الدينى انعكس على التعصب للرجل ضد المرأة. أما أبوحنيفة فقال ((إنّ إسلام الطفل إسلام وردته ردة ولايُــُــقتل حتى يبلغ)) (الماوردى- ص 137) لهذه الدرجة يبلغ التعصب مداه فى التدخل فى حياة البشربما فيهم الأطفال.
والتعصب هوالذى جعل أبوبكريتصوّرأنّ الذين رفضوا أداء (الصدقة) التى كانوا يدفعونها لمحمد فأطلق عليهم (أهل الردة) فأمربقتلهم وحرق ديارهم مع أنهم مسلمون موحدون..والتعصب الدينى ارتبط بالتعصب ضد حضارة المجتمعات الزراعية وهوما عبّرعنه النبى محمد فقال ((لم أبعث تاجرًا ولازارعًا..وإنّ شرهذه الأمة التجاروالزراع)) (الماوردى- ص 44) وقال أيضًا لأتباعه ((إذا تبايعتم بالنسيئة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) (رواه أحمد وصححه الحاكم) لهذه الدرجة كان التعصب فيكون (الجهاد) أى الغزو ونهب ثروات الشعوب، أفضل وأهم من إنتاج المحاصيل الزراعية..وكل ذلك فى تبريرمن مرجعية دينية كما قال ((حتى ترجعوا إلى دينكم)) والتعصب الدينى هوالذى ولـــّـد عدم الإيمان بحرية الاعتقاد..وهوما عبّرعنه محمد فى حديثه الشهير((لايحل دم مسلم إلاّبإحدى ثلاث: كفربعد إيمان، أوزنا بعد إحصان، أوقتل نفس بغيرنفس)) مع ملاحظة أنّ هذا الحديث يعتمد على الحكم القيمى غيرالعلمى (تكفيرالمختلف) وصعوبة التحقق من شرط (الزنا: وجود أربعة شهود رأوا الفعل) وعلى إمكانية تلفيق تهمة القتل لأسباب شخصية أوسياسية.
والتعصب الدينى هوالذى أنتج حديث محمد ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. ومن لم يستطع فبلسانه..ومن لم يستطع فبقلبه..وهذا أضعف الإيمان)) (رواه أحمد ومسلم والنسائى والترمذى وابن ماجه)) فهذا الحديث يعتمد على صيغة المطلق (من رأى منكرًا) أى أنه تجاهل (تحديد المنكر) وتركه لتقديركل شخص على هواه، فقد يراه أحدهم فى عدم ارتداء المرأة الحجاب..ويراه آخرفى عدم ارتداء الخمار..ويراه ثالث فى عدم ارتداء النقاب..ويراه رابع فى خروج المرأة من البيت، لأنّ المرأة لاتخرج من بيت أبيها إلامرتيْن: الأولى إلى بيت زوجها والثانية إلى قبرها..وأنّ النبى قال ((المرأة عورة فإذا خرجتْ من بيتها استشرفها الشيطان)) وقد يرى البعض (المنكر) فى عدم تلبية رغبة الزوج دون مراعاة لظروفها الصحية أوالنفسية تنفيذًا لحديث النبى ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته لعنتها الملائكة حتى تــُـصبح)) وقال أيضًا ((إذا باتتْ المرأة هاجرة فراش زوجها كان من فى السماء ساخطــًا عليها حتى يرضى عنها زوجها)) (فى الصحيحيْن والنسائى) والإنسان (الملتزم) بأحاديث محمد وبالتراث العربى/ الإسلامى مؤمن بأنّ المرأة ((كالمملوك للزوج فلا تتصرف فى نفسها ولافى ماله.. وتكون مستعدة لتمتعه بها)) (الإمام شمس الدين الذهبى فى كتاب الكبائر- ص189) و(المُـنكــَـر) قد يراه البعض فى فن التصويروالرسم تنفيذا لحديث محمد ((إنّ الذين يصنعون الصوريُعذبون يوم القيامة..ويُـقال لهم أحيوا ما خلقتم)) وقال ((كل مصوّرفى النار)) (فى الصحيحيْن)
كما أنّ التعصب المذهبى لم يكتف بتكفيرالمختلف..وإنما وصل لدرجة القتل حتى بين أصحاب المذهب الواحد (الشهرستانى– 381) وكان المفكرإسماعيل مظهرعلى حق عندما كتب دراسة مهمة بعنوان (المذهبية والارتقاء) من 16 صفحة من القطع الكبير، انتهى فيها إلى أنّ الارتقاء والمذهبية عدوان..ولن يكون ارتقاء مع مذهبية. والمذهبية لن تختفى إلامع الارتقاء (مجلة العصور- مايو29) فهل يأتى يوم على البشرية يتراجع فيه التعصب الدينى والمذهبى؟ مع حق كل إنسان فى أنْ يعتقد ما يشاء دون تكفير؟ ويعيش البشرفى سلام وتتركزجهودهم على تنمية مواردهم الطبيعية، فينعموا بالحرية والتقدم ؟أعتقد أنّ هذا الحلم لن يتحقــّـق إلاّبعد أنْ تتخلــّـص البشرية من كل مؤسسات الكهنوت الدينى، فى الديانة العبرية بشعبها الثلاث..ومع مراعاة أنّ ماحدث بين مسلمين..ومسلمين مثلهم، حدث بين مسيحيين ومسيحيين مثلهم..واستمرّ حتى القرنيْن الثامن عشر..والتاسع عشركما ذكرديورانت فى قصة الحضارة.
***