من قبيل -البيداجوجى-

محمد السعدنى
2020 / 6 / 10

بينما كان القطار يقطع الطريق مسرعاً داعبت أشعة الشمس الذهبية رأس صاحبنا فالتمعت فى مفرق رأسه تلك الخصلات الفضية فازداد وجهه بريقاً وإشراقاً وعكست نظراته إلى الأفق البعيد قدراً من الوقار والمهابة فى عيون تلك الفتاة السمراء الجميلة الجالسة فى المقعد المقابل لصاحبنا وقد أخذت تتفحصه فى براءة وتقدير، ذلك أنه قد شدها إليه ذلك الهدوء البادى فى ملامحه والثقة التى تشى بها رابطة عنقه الأنيقة ونظارته الطبية التى رفعها إلى عينيه متصفحاً بين أصابعه كتاباً أخذ يقلب صفحاته حيناً ويقرأ حيناً ثم تشرد به النظرات عبر زجاج النافذة إلى مناظر الطبيعة، حيث تتقاطع النظرات والمساحات والأضواء والظلال وكأنها تقدم عدداً خاصاً عن الفنون التشكيلية فى مدرسة الإنطباعية والتأثير.
تمنت الفتاة السمراء الجميلة أن لو أفصح ذلك الشخص المهيب الجالس أمامها عما يدور فى ذهنه أو شاركها بعضاً من فكره، وشاغلها كثيراً ذلك الشىء الغامض الذى جذبها إليه وجعل نظراتها شغوفة به، وأحست فى ذاتها رغبة قوية تدفعها للحديث إليه والتواصل معه. أخذت الفتاة تقلب فى داخلها الفكرة تلو الأخرى كيف تبدأ الحوار معه، وماذا عساها تكون جملة الإفتتاح فى ذلك الحوار الذى تمنته بديلاً عن ملل الرحلة وبعد المسافة ورتابة الموسيقى الكلاسيكية التى فرضها نظام القطار الدولى السريع على راكبيه دون إعتبارلميولهم وتطلعاتهم. أخذتها الأفكار بينما هو مستغرقً ما بين القراءة والتفكير ومتابعة جمال الطبيعة ومحاولة لهروب من إنكسارات أشعة الشمس على نظارته. وفى عفوية رفع عينيه عن الكتاب وإذا به يلتقى والتطلع والتساؤل فى عينيها. ابتسم وندت عنه كلمة ترحيب بسيطة وتساءل هل كنت يوماً واحدة من تلاميذى فى الجامعة؟ أنفرجت أساريرها، وعلى الفور أجابت كنت أتمنى سيدى الأستاذ وسألته عن إسمه، وكانت فرحتها أنها قرأت له كثيراً من كتبه ومقالاته وحكت له كيف كان ملهماً للأساتذة والكتاب والمفكرين والسياسيين فى بلادها.
أخذ يتصفح الكتاب بين يديه بينما ذهنه لا يزال شارداً فى مسيرة حياته وعطائه، وهنا باغتته بالسؤال: أحسبك أستاذى الفاضل قد أعتذرت يوماً عندما دعاك إتحاد طلاب جامعة كيب تاون عن المشاركة فى مؤتمر لنصرة نلسون مانديلا والحزب الإفريقى القومى وأرسلت بورقة بحثية قرأها أحد الأساتذة فى المؤتمر وذيلتها بإعتذارك عن زيارة جنوب إفريقيا إلا بعد رحيل حكم بريتوريا العنصرى. تصور هذه الرسالة لا تزال تطبع ضمن أدبيات جامعتنا وقد قرأتها والآن أذكرك وأذكر صورتك وأذكر... قاطعها وصول سيدة فى العقد الخامس من العمر إلى صالون القطار. كانت السيدة القادمة تبدو عليها ملامح الإرهاق والتعب الذين لم يجسرا على إزاحة ما يحمله وجهها من جمال ورقة، فبدت كما لو كانت واحدة من نجوم سينما الستينيات والسبعينيات بما تميزت به من رومانسية ورقى.
أخذت السيدة تتبادل أطراف الحديث مع الفتاة السمراء الذكية بينما تشاغل صاحبنا بالتطلع إلى الآفق البعيد وما أهتاج فى ذهنه وصدره من ذكريات النضال والكفاح من أجل نصرة الشعوب والحريات، وتذكر أنه الآن فى طريقه للمرة الأولى إلى جوهانسبرج يلقى محاضرة الإفتتاح فى جامعتها وأنه سيكون فى إستقباله نلسون مانديلا ذلك الزعيم العظيم الذى يذكر له موقفاً لن ينساه أبداً، فقد قرأ صاحبنا منذ سنوات قليلة ذلك الإستفتاء الذى نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية عن رجل القرن العشرين، كانت القائمة الطويلة تشمل أسماء جمال عبد الناصر ونلسون مانديلا و ماوتسى تونج وشواين لاى ونهرو والمهاتما غانذى وجيفارا وجون كينيدى وألفارو أوريبى فيليز رئيس كولومبيا ومارجريت تاتشر رئيس وزراء بريطانيا ولولادى سيلفا رئيس البرازيل وكيم داو جونج رئيس كوريا الجنوبية السابق والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية. يومها صوت نلسون مانديلا نفسه لصالح جمال عبد الناصر محرر قارة إفريقيا والعالم الثالث، وتحتل تماثيله أهم ميادين إفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث يتجاور تمثال عبد الناصر مع تمثال سيمون بوليفار فى بوينس أيرس بالأرجنتين وفى أهم ميادين شيلى. صوت مانديلا لجمال عبد الناصر الزعيم المصرى الذى ألهم إفريقيا والعالم الثالث والذى قاد ثورة مصر من أجل الحرية والإستقلال وساعد بالسلاح والتدريب والحشد والتحرك السياسى كل حركات التحرر فى العالم، بما فيها المقاومة الفلسطينية والثورة الجزائرية والثورات الإفريقية التى تحولت القاهرة إلى بيت لهم ومقر لحكومات المنفى وأخاً أكبر يعلم ويدرب ويدافع ويقدم.
تذكر صاحبنا نبل نلسون مانديلا الذى أعلن للعالم كله أن رجل القرن العشرين هو جمال عبد الناصر إبن مصر البار وزعيم إفريقيا والعالم الثالث الذى تعلمنا منه جميعاً والذى ألهمتنا أفكاره وأعماله. إمتلأ صاحبنا حماساً وتوقدت مشاعره، توقف القطار وإذا بشاب تشى ملامحه أنه نصف إفريقى ونصف أوروبى، لكنه كان يمتاز بجلافة لا تناسب جلال ووقار الصالون والجالسين فيه، كان يرتدى ملابساً أشبه ما تكون بلباس الكاوبويز فى أفلام الويسترن "الغرب الأمريكى". كان شعره مجعداً تتسم قسماته بالغلظة ناهيك عن طريقته المتعالية وأسلوبه الفج. جلس الشاب فى المقعد الخالى فى الصالون واضعاً ساقاً فوق ساق، حتى أن حذاءه الضخم المدبب كاد أن يلامس المقعد الذى جلس عليه صاحبنا الأستاذ الكبير، الذى نظر إليه نظرة ذات مغزى. تبادل الجميع نظرات الإستغراب لذلك الوافد الهمجى الذى حاول أن يفرض نفسه على المجلس بتعليقات تافهة تنم عن شخصية ساذجة وأفق أملس، ولما لم يجبه أحد فقد حاول الإستظراف لخطب ود الفتاة الجميلة قائلاً: أحسبك تذهبين إلى جوهانسبرج لتشجيع فريقك المفضل فى المونديال، أنا أيضاً أذهب لتشجيع فريقى الذى سحق المصريين وأختطف منهم تذكرة التأهل فى الخرطوم. وسألته هل أنت من الجزائر؟ وأجاب كنت من الجزائر ولكنى الآن نصف فرنسى نصف أمريكى؟ جئت من تكساس إلى كيب تاون حيث التذكرة أرخص ولذا أركب القطار إلى جوهانسبرج.
أخذ الشاب المتعالى يرغى ويزبد فى غثاء لا قيمة له، ولما تشاغل عنه زملاء الصالون والقطار فقد بدا فاصلاً من الغزل الصريح والكلام الرخيص عن جمال الفتاة ورشاقتها، الأمر الذى قابلته الفتاة بامتعاض واستدارت فى جلستها لتكون فى مبعدة عنه. وهنا تحول إلى السيدة الراقية يبدى إعجابه بذوقها وملابسها، ولما أحست السيدة بتلميحاته المتطاولة أشاحت عنه وتشاغلت بجريدة كانت إلى جوارها. نظر صاحبنا إلى الشاب متفحصاً ودقق فى ملامحه وتذكر أنه كان قريب الشبه من واحد من تلاميذه فى الجامعة كان يعد معه رسالة الماجستير عن الدور المصرى فى تحرير العالم العربى، وأن ذلك الرجل كان من أعز تلاميذه وكان يعتبره واحداً من أبناءه فقد كان صاحب مأساة، ذلك أنه كان متزوجاً من سيدة فرنسية من أصل غجرى "جيبسى" وانفصل عنها وأخذت معها إبنه إلى تكساس حيث تزوجت وعاشت هناك. نشأ الولد على كره لأصوله العربية، وعلمته أمه دون أن تدرى التنكر لأصوله وجذوره والتطاول على كل ما هو عربى وكل ما هو أصيل، وسرعان ماتركت تكساس إلى باريس وظل الفتى ضائعاً بلا جذور ولا إنتماء، فلا غرو أن كان هذا سلوكه. لما تشاغل عنه الجميع أخذ يرفع صوت الـ mp3 الذى يسمعه وطفق يحدث ضجيجاً وجلبة ويسخر من الجميع ويتطاول عليهم مهدداً بالسلاح الأبيض الذى وضعه فى خصره. هنا ابتسم صاحبنا وتذكر قصة إيرينى ثابت، وبدا أنه أضمر فى داخله شيئاً.
كان القطار يمر فى نفق حيث أظلم المكان وساد الهدوء، وفجأة سمع الجميع صوت قبله تلاها صفعة مدوية. خرج القطار من النفق وتسمرت نظرات الجميع على وجه الشاب المغرور حيث آثار الصفعة. نظرت إليه السيدة الراقية وهى تحدث نفسها: ونعم الأخلاق إنها فتاة محترمة لم تقبل تطاوله عليها وجرأته فقامت بصفعه، برافوا، ونظرت إليه الفتاة وهى تقول داخلها، إنه شاب أرعن متهور، كيف يجرؤ على تقبيل سيدة فى سن أمه، والله خير ما فعلت فربما هذه الصفعة تعيد إليه صوابه. ونظر هو إلى الأستاذ الجامعى متسائلاً كيف يقوم ذلك الرجل بتقبيل الفتاة وتقوم هى بصفعى على وجهى، وتشاغل صاحبنا بقراءة كتابه بالفرنسية وهو يضحك قائلاً هكذا يكون الأدب، فقد قبلت إحدى يدىَ بينما صفعته بالأخرى، وما حدث لذلك المغرور ماهو إلا من قبيل البيداجوجي، وهو فن من فنون التدريس والأخلاق وعلوم التربية.