من اجل وصل ما انقطع من نفس نضالي وحدوي للشغيلة التعليم، بقلم، يوسف النجار. يوم 09- 06- 2020

المناضل-ة
2020 / 6 / 10

الدولة سائرة في تعزيز ترسانة مدفعيتها الهجومية على التعليم العمومي، ترسانة تنفيذ كل ما أرسا ميثاق التربية والتكوين سنة 2000 إبان حكومة اليوسفي، وكل اجراءاته التنفيذية وصولا الى القانون الإطار سنة 2019 مع حكومات الواجهة المتعاقبة الى الآن. معاول، ماضية لتحطيم التعليم العمومي، وتحميل أعباء التمويل لما تبقى منه على كاهل اسر مرتاديه من ابناء عمال/ات ومفقري الشعب الكادح اسوة بالصحة وغيرها من خدمات اجتماعية، والقضاء على التوظيف القار عبر تهشيش وضع عمل شغيلته (اسوة بما فرض بالقطاع الخاص مع مدونة شغل 2003) بفرض وتعميم التعاقد الجهوي ومضاعفة اعبائها واستنزافها، كما سيجري أيضا بمجمل الوظيفة العمومية، وبالموازاة، تشجيع وتحفيز متسارع للتعليم المقاولاتي الخصوصي منذ 2007.
فمنذ الاستقلال الشكلي، لم يكن يوما هم الدولة شعبية التعليم وديمقراطيته وتجويده والنهوض بمضمونه العلمي والثقافي-النقدي والانساني، فشعار "اعتباره رافعة للتنمية" لا يدل سوى على تنمية مصالح الرأسمال الامبريالي (خدمة دين واستثمارات مستفيدة من مزايا عدة) وربيبه المحلى ومواصفات حاجياتهما من اليد العاملة، وتجذير الاستبداد لا غير. فبعد اجهاض الاندفاعة الواسعة الشعبية نحو التمدرس في بداية الاستقلال بقمع انتفاضة البيضاء سنة 1965، وبعد ادخال البلاد دوامة نظام المديونية الجهنمية، لعوامل ليس هنا مجالها، حسم نظام الاستبداد والاستغلال امر الانعطاف نحو اللبرلة وتقشف السياسة المالية العمومية تجاه كل ما هو اجتماعي بمسلسل تقويم هيكلي متجدد. وهو المنحى الذي سيتعمق مع السير الى الاندماج التام في العولمة النيولبرالية منذ أواسط التسعينات، بالانخراط في المنظمة العالمية للتجارة والتوقيع على ملحقها الخاص بتجارة الخدمات (ضمنها التعليم و الصحة...) واتفاقيات شراكة و تبادل حر غير متكافئة خاصة مع القوى الكبرى للرأسمال العالمي، والتي على خلفيتها اقر مرسوم 30 مارس 1999 حول الأداء مقابل خدمات الصحة وميثاق التربية والتكوين سنة 2000 المؤطر لما يجري بقطاع التعليم اليوم، وغير ذلك من عدة هجوم متواصلة ومترابطة الحلقات للإجهاز على الخدمة والوظيفة العمومية مراجعا وقوانين التنفيذ.
في هذا السياق، وفي ظل الجائحة والحجر الصحي وما سيتلوها من مبررات الأزمة ومستتبعاتها، ستتسارع وثيرة حلقات الهجوم وتحميل كلفتها على حسابنا كجزء من الطبقة العاملة ومن هم أسفل، خاصة امام ضعف أدوات نضالنا، ومنها النقابة لتذررها وضلالها علة وجودها العمالية وفقدانها للبوصلة. وضمن ذلك، يأتي قرار مأسسة /الزامية التعليم عن بعد (ضمن ما يستهدف الموظف العمومي) و "مشروع النظام الداخلي النموذجي لمؤسسات التربية والتعليم العمومي. "هذا المشروع الذي أورد في باب" حقوق وواجبات الأستاذ"، ضمن جمله الإنشائية، 5 حقوق و16 واجبا لترسيخ تكريس الخنوع لإدارة الاستبداد ومصالح الرأس مال ودولته، وضمنها، طبعا، التنصيص على الالتزام بواجب" التعليم عن بعد" ، بما يحمله من أهداف الإنهاك وتقييد الحرية النقابية وتحميل عبئ تقشف المالية العمومية تجاه المدرسة للشغيلة والأسر، وفي المقابل خدمة ومضاعفة مشاريع وأرياح شركات إنتاج الوسائل والخدمات الرقمية، فضلا عن تعميق مسلسل تفاوت فرص التعلم بين التلاميذ/ات والخواء النفسي والاجتماعي لديهم والتنميط على الفردانية و الخنوع.
يا شغيلة التعليم، آخر مسامير وضعكم في غل الرق البين يتم انجاز لمساته الأخيرة...
ومن أجل وصل ما انقطع من نفس نضالي، منذ اضرابات نهاية السبعينات البطولية في سياق هبة كدش التأسيسية مغذية آمال إعادة بناء اداة الطبقة للمقاومة وفرض البديل، والتي أدى جيل سابق منا ثمن شرفها قمعا أهوجا (طردا واعتقالات بالمئات). نفس، تم تجديده من طرف فروع نقابية مكافحة خلال تسعينات القرن الماضي، في سياق تحريك متحكم به للقاعدة ضمن جلبة التماس "الاصلاح والتناوب" المزعومين من طرف "الكتلة الديمقراطية" للمعارضة الليبرالية آنذاك، وضحى مناضلو فروع نقابية مكافحة من اجل تعميقه وتعميمه في مواجهة الخصاص وإعادة الانتشار ونقص بنيات الاستقبال والتجهيز وتآكلها وتعسفات الإدارة..
ومقابل ما تم كسبه طيلة سنوات كفاح وتضحية، اجورا وترقية وتقاعدا وحماية اجتماعية وحرية نقابية وافشال محاولات تهشيش الشغل (بنضالات المجندين والعرضيين والمتدربين)، وعوض المزيد المستحق، فكل شيء اصبح في مهب دكاكة هجوم دولة الرأسمال: ترسيم ساعات التضامن المؤقت لسنة 1985 وإضافة أخرى جار مع الأعباء الرقمية المتزايدة وضمنها التعليم عن بعد، جيوش من ضحايا الترقية بثغرات حملها النظام الأساسي لسنة 2003، والتي يجري الإعداد للإجهاز على الإيجابي منها برهنها بمفهوم مقاولاتي "المردودية/الإنتاجية" والقضاء على طابعها المعياري الجماعي، تهشيش الشغل وتفكيك وضع الشغيلة تجاه المشغل/الدولة عبر فرض التعاقد/التوظيف الجهوي والسير نحو ترسيم نهائي لذلك في نظام جديد لمهن التربية والتكوين التراجعي، تجريم الحرية النقابية باقتطاع أجور أيام الإضراب ومعاقبة المضربين...
يا شغيلة التعليم، الآن، وأكثر من اي وقت مضى، الحاجة ملحة الى تحرك استثنائي وسريع وموحد لكل الشغيلة، مرسمين ومفروض عليهم التعاقد، في نهر عظيم كفيل بتوقيف الهجوم وجرف كل ما تراكم من قوانين واجراءات مدمرة للتعليم العمومي ومجهزة على مكتسبات وضع شغيلته، مكتسبات على علاتها كلفت تضحيات جسام.
برهنت تجربة السنوات الأخيرة ان الجسم حيوي نضاليا، من خلال نضالات فئوية بطولية، وما أبان عنه الشباب/ات المفروض عليهم/ن التعاقد وقبلهم فوج المتدربين من قتالية حقيقية نيابة عن كل الجسم بل عن مصلحة الشعب الكادح بأكمله، غير ان ذلك ظل دون ميزان القوى الضروري لرد التعديات وتحصين المكتسبات وبالأحرى إتيان اخرى. وهو ما يعكس امراضا اخترقت وعينا كشغيلة يجمعها نفس الوضع والمصير؟
معارك معزولة عن بعضها، تجري كروافد غير متصلة بنهر موحد لقوتها التنظيمية والمطلبية والنضالية، يغديها النفور من النقابة وهجرها، بحكم المماثلة بين ما هي عليه من تفكك وتبقرط ميسرة لهجوم الدولة وضياع المطالب/الحقوق بخط تعاونها الطبقي، والنقابة كما يفترض ان تكون كأداة ديمقراطية كفاحية موحدة بيد الشغيلة. معارك أيضا استبطنت فئاتها المرسمة المنطق الانتهازي بان صغر المطلب وأحيانا ينضاف اليه وهم محدودية عدد المعنيين به يسهل تحقيقه، و يزيدها مرض التعصب "فخر الانتماء" بين قواعد القسم المنظم نقابيا بوعي وتشجيع من القيادات ذات المصلحة في ذلك تمثيلا لذى الإدارة وما يستتبعه من منافع المؤسسات والوساطة والتفرغ. . . ذات مرض التعصب ووهم القوة العددية، ممزوج باستهجان النقابة كمكسب تضامني عمالي لا غنى عنه بحكم المماثلة أعلاه والتي يجب استعادتها لصالح الشغيلة ووحدة فعلها، انتقل الى قاعدة وأجهزة تنسيقية المفروض عليهم/ن التعاقد.
لا خيار، اما هزيمة ماحقة او نصر ممكن بيدنا. لا خيار غير وحدة عموم شغيلة التعليم المطلبية والنضالية الحازمة كجسم واحد، دفاعا عن التعليم والتوظيف العموميين كعنوان مطلبي لكافة المطالب العامة والخاصة بكل فئة، ومدخل ذلك يكمن في تحطيم الانعزالية الفئوية وحيطان الفصل النقابي المكبل للوعي الطبقي التضامني وقوة الشغيلة الجبارة. انها على الأخص مهمة الطلائع الواعية في القاعدة وأجهزة النقابات والتنسيقيات، مهمة تنظيم تيار ديمقراطي كفاحي وحدوي في توسع عبر جهد فكري وميداني ومخترق لكل جسد الشغيلة التعليمية وأدوات نضالها، تيار ضاغط بقوة لتوحيد ملف مطلبي شامل ومعركة اضراب عام قابل للتمديد حتى النصر، اضراب يمتد لكافة القطاعات العامة والخاصة كسبيل لرد التعديات المتعاظمة والتي تستهدف كل الطبقة العاملة والكادحين لتحميلهم وزر الازمة التي عمقتها انعكاسات الجائحة.