الإمبريالية تطورها و صراعها الاستعمارى (الحلقة العاشرة)

عمرو إمام عمر
2020 / 6 / 9

القوى الإمبريالية العظمى تاريخياً


الثورة البورجوازية فى فرنسا

لم تعد باريس كما كانت قبل تلك الأحداث ، فالشوارع امتلأت بالعامة محتجين على تردى الأوضاع الاقتصادية أغلبهم من البروليتاريا (الطبقة العاملة) ، و أندفع سكان سان أنطوان يهاجمون المصانع فى ريفيون و هنريو ، و كانت الهتافات فى أغلبها ضد الملك و النبلاء و مؤيدة للطبقة البورجوازية ، اصبح موقف الملك غاية فى الحساسية خاصة و أن نبلاء الريف تحصنوا داخل حصونهم و امتنعوا عن التدخل ، كذلك عدد من نبلاء السيف فالجنود باتوا اقرب إلى التمرد فالأوضاع السيئة طالت الجميع ، فى نفس الوقت بدأت الطبقة البورجوازية تستعد للمعركة مع الملك و حشد الرأسماليون قواهم و استعانوا بكافة الأسلحة التى يجيدوا التعامل معها من مال و نفوذ و اتصالات ، و روجت لأفكار كل من ”جان جاك روسو“ ، ”جوستاف لوبان“ ، و ”مونسكيو“ و شعار الحرية و العدالة و المساواة ، و كانت الشرارة من عمال باريس اللذين تجمعوا فى الباليه رويال Palais Roual حيث أخذ المحامى و الشاعر الفرنسى كاميل ديمولان Camille Desmoulins و غيره من الخطباء فى إشعال مشاعر الجماهير بالخطب النارية فهاجم العمال مخازن السلاح و استولوا عليها ، و اقتحم العامة و الدهماء أبواب باريس و أصبحت الأوضاع فى غير صالح الملك و الطبقة الأرستقراطية أو حتى فى صالح البورجوازية التى هى من المفترض مفجرة الثورة ، بعد معارك دامية شهدتها شوارع العاصمة باريس ، أصبح من الواضح أقتراب البروليتاريا من الاستيلاء على مقاليد الأمور ، فأسرعت قيادات الطبقة البورجوازية للسيطرة على الأوضاع بإنشاء حرس وطنى من رجال الجيش اللذين انخرطوا تحت لواء الثورة ، بالإضافة إلى الثوريين البورجوازيين و قد روعى أن يكون الحرس بورجوازياً ، فلم يتم ضم سوى من يحملون صك ملكية مساكن ثابتة و لأبعاد الفقراء تقرر أن يتخذ الحرس زيا عسكريا يتكلف خمسة جنيهات أنجليزية ، و بهذا تم إبعاد العمال و صغار الحرفيين و الفلاحين فهم لا يملكون صكوك ملكية منازلهم و لا يستطيعون دفع الخمسة جنيهات ثمن الزى العسكرى …

استطاع هذا الجيش الاستيلاء على ”سجن الباستيل“ المشهور ، و شارك فى القتال معه بروليتاريا باريس و فلاحى القرى القريبة منها و شكلوا غالبية الجنود - لكن القيادة كانت بورجوازية خالصة - و هذا الحدث كان له صدى كبير فى أوروبا كلها ، إذ مع سقوطه تهاوى أحد الرموز الكبيرة للأوتوقراطية الملكية ، و فى اليوم التالى أستسلم الملك لويس السادس عشر ، فى نفس الوقت ثار الفلاحين فى الأقاليم الفرنسية بعد أن وصلت إليهم أخبار سقوط الباستيل و هاجم الفلاحين النبلاء الإقطاعيين و اقتحموا القصور و حرقوا الوثائق التى كانت تحتوى على الدليل القانونى لحقوق النبلاء ، و أعلنوا الامتناع عن دفع الضرائب و الرسوم الإقطاعية و الإيجارات ، و ضغط البورجوازيين المنتصرين بسواعد البروليتاريا و الفلاحين على النبلاء بأن يتخلوا طوعا عن بعض أمتيازاتهم الإقطاعية …

و بعد صراع أستمر أيام أعلن الملك عن قبوله مواد الدستور الجديد و إعلان حقوق الإنسان لتصبح السلطة ملكية دستورية ؛ فى تلك الفترة كان هناك قلق داهم أخذ يزداد بين البورجوازية خوفا من استيلاء الجماهير الشعبية على الثورة ، و أخذوا ينشرون إن الثورة لا تستطيع السير بأمان إلى أبعد مما كان الملك على استعداد للسير فيه(1) …

كان من الواضح فى تلك الفترة أن هناك تغيرات تحدث فقيادة الثورة بدأت فى الانتقال من الجمعية الوطنية و الأوتيل دى فيل إلى ”الكومون“(2) التى كانت السيطرة فيها لمجموعة من المثقفين منهم أعضاء فى الجمعية الوطنية و المجالس البلدية سواء فى باريس أو المدن الفرنسية الأخرى ، و ظهرت كتابات لكل من ديمولان و مارا تعلن عدم ثقتهم فى السلطة الجديدة ، فى المقابل حاول الملك استعادة سيطرته على الأمور و قرر القضاء على الثورة بالقوة العسكرية و حاول الهرب عن طريق الهرب إلى ميتز Metz و الاستعانة بالنمسا للتدخل لصالحه ، لكن تم القبض عليه فى منطقة فارين Varennes و إعادته تحت الحراسة يوم 25 يوليو 1791 ، لتصبح محاولة الملك نقطة تحول فى مسار الثورة ؛ فى بداية الثورة لم يكن هناك تفكير فى خلع الملك و إعلان الجمهورية ، فالصراع كان يدور فقط حول تحجيم سلطة الملك و النبلاء و تحويل السلطة إلى ملكية دستورية ، و بعد أحداث دامية انقسمت الثورة بين يمين يتشكل من البورجوازية و بعض النبلاء الإقطاعيين اللذين انضموا لهم فى محاولة للحفاظ على النظام بدستورية ملكية و يسار ثورى يتكون من البروليتاريا و الفلاحين يقودهم مجموعة من المثقفين أطلقوا على أنفسهم ”اليعاقبة“(3) يدعون إلى إنهاء الملكية و إعلان الجمهورية الشعبية …

و بعد أحداث عديدة متشابكة انتصرت البورجوازية و هزمت قوى اليسار الثورية ، لتنتهى عهد الملكية و تعلن الجمهورية و لكنها جمهورية يمينية رأسمالية ، و فى 26 أكتوبر 1795 أعلن الدستور الجديد الذى حرم الشعب من المشاركة فى إدارة شئون البلاد ، لتدخل الثورة الفرنسية فى طور معاكس ، فالبورجوازية حملت أكثر السمات تضارباً ، ترياق الثورة ، و فيروس الثورة المضادة فى نفس الوقت ، فانقلبت على نفسها و أسست لحكم ديكتاتورى يعمل لمصالحها ، فكانت ترفع فيه شعارات الحرية و العدالة و المساواة ، و فى نفس الوقت سعت لإنشاء جمهورية قنصلية بأطماع بورجوازية استعمارية و ما لبثت أن تحولت إلى إمبراطورية ديكتاتورية بزعامة الإمبراطور نابليون الأول(4) …

البورجوازية و الثورة و تناقضاتها

لم تكن الطبقة البورجوازية ثورية فى أعماقها فهى بطبيعة تكوينها التجارى و المالى طبقة انتهازية لم تعبأ بمطالب العامة من الشعب ، و لم يكن يهمها من مفاهيم حقوق الإنسان و الديمقراطية إلا ما يفيد تطلعاتها ، من أكبر الأمثلة على ذلك جناحين من أكبر أجنحة الثورة هما اليعاقبة و الجيروند Girondins اللذين اكتسبوا هذا الاسم لأن اصل نوابهم فى الجمعية التأسيسية كانوا من أقليم الجيروند ، تحالف اليعاقبة و الجيرونديين فى البداية و استطاعوا تنظيم مظاهرة كبيرة فى يوم 20 يونيو 1792 التى حاصرت قصر التويلرى أحد القصور الملكية و التى كانت العائلة الملكية مقيمة به و كادت أن تطيح بالملك و الفتك بالعائلة إلا إن الجيرونديين تراجعوا بعد أن وجه دوق برونسفيك قائد الجيش البروسى إنذار يوم 25 يوليو يحمل فيها أهل باريس مسئولية سلامة الأسرة المالكة و هدد بالتدخل العسكرى ، تراجع عند إذن الجيرونديين وأخذوا يتفاوضون مع الملك لتشكيل حكومة منهم ، و فجأة تحولوا من مطالبين بإلغاء الحكم الملكى و تغيير الدستور و إعلان الجمهورية إلى مدافعين عن عرش الملك ، و توالت الأحداث بشكل درامى حتى إلى يوم 25 أغسطس من نفس العام حيث أقتحم الصان كيلوت(5) قصر التويلرى و كان لسقوطه دوى مماثل لسقوط سحن الباستيل ، هرب بعدها أكثر من نصف أعضاء الجمعية التأسيسية خارج فرنسا ، و انتفلت السلطة إلى الكومون أو المجالس البلدية و التى أخذت مكانة هامة تفوق مكانة الجمعية التأسيسية ، تشكلت بعدها وزارة من الجيرونديين و قررت إيقاف الملك و تشكيل مجلس سيادى يكون له الفصل فى إدارة الدولة ، أصدرت الحكومة الجديدة مجموعة من القرارات أهمها إلغاء المكوس و الضرائب على الاراضى الزراعية و طالبوا النبلاء بإبراز الحجج الأصلية لملكية الأراضى ، و تم مصادرة الأراضى التى لم يتم إثبات ملكيتها بحجج رسمية …

فى المقابل طالب الكومون بخلع الملك و تقديمه لمحاكمة ثورية و عقاب كل من حارب معه ضد الشعب معتمدين على تأييد الصان كيلوت لهم ، و استمرت الأحداث متأرجحة بين التيارات السياسية المختلفة حتى استطاع الجبليين و هم مجموعة انشقت من اليعاقبة الاستيلاء على السلطة اللذين سارعوا بإصدار الدستور و إن لم يوضع موضع التنفيذ ، و فى يوم 10 يونيو 1793 صدر قرار بتقسيم الأراضى المشاعة بالتساوى على الفلاحين من أهل القرى ، و فى يوم 17 يونيو صدر قانون نص على إلغاء جميع الامتيازات و الحقوق الإقطاعية و تدمير جميع حجج الملكية و جميع الالتزامات ، إلا إن هذا القانون نزع ملكية الكثير من البورجوازيين اللذين كانوا يتشبهون بالإقطاعيين ، و قد وصف هذا القانون بأنه ثورة داخل الثورة …

ثلاث سنوات من الفوضى السياسية باسم الثورة ، كل الأحداث فيها كانت من المفترض أنها لصالح الطبقة البورجوازية ، و فى المقابل لم تعطى شيئا لأهم الطبقات و هم عامة الشعب من البروليتاريا اللذين لا يملكون سوى كدهم و قوة عملهم ، قضت على الإقطاع و أعلنت المساواة المدنية و لكنها لم تعطى العامة شيئا ، لم تحرك قلوب البورجوازية التى سيطرت على الحكم دموع و آهات الفقراء و صاغت القوانين لصالح الأغنياء ، اجتاحت فى تلك الفترة روح التمرد فى عدد من المدن الفرنسية غضبا من ديكتاتورية الجبليين و سيطرتهم على الحكم ، و بدأت الدول الأوروبية بالتدخل العسكرى فاحتلت ماينز و كونديه و فالنسيين على يد النمساويين ، و زحف الجيش الانجليزى على دنكرك ، و هزم الجيش الفرنسى أمام الأسبان فى معركة البرانس ، و كانت الواقعة الأكثر إيلاما على باريس هو أستسلام مدنية طولون للأسطول الإنجليزى ، و نادى أهل المدينة بأن يجلس لويس السابع عشر على العرش …

استطاع الجبليون و حلفائهم من اليعاقبة من أحراز الانتصارات بعد إعادة تشكيل الجيش الذى أنحل على اثر هروب قواده من الضباط النبلاء ، كان أغلب القيادات الجديدة من البورجوازيين الثوريين ، بينما شكل العامة غالبية الجنود ، وبقيادة الضابط الشاب ”نابليون بونابرت“ استطاع أن يخمد تمرد مدينة ليون ، و يستعيد طولون ، هذه الانتصارات أخمدت روح التمرد التى سرت فى المدن الفرنسية ، و بدأ الجبليون بعدها عملية تصفية ما أطلق عليهم أعداء الثورة و التى قتل فيها آلاف من المعتقلين ،لم تسكت الملكيات الأوروبية خاصة كل من النمسا و بروسيا حيث خشت الملكيات من تمدد روح الثورة إلى بلادهم ، كذلك تجمع النبلاء اللذين هربوا إلى مقاطعة الراين بقيادة الكونت دارتوا أخو الملك و كونوا جيشا لوئد الثورة و غزو فرنسا ، ثلاث سنوات بين كر و فر و حروب استطاعت القوات الفرنسية الصمود خلال تلك الحروب أعلن المؤتمر الوطنى بإقراره إلغاء الملكية و إعلان الجمهورية فى 25 سبتمبر 1792 ، و قرر إعدام الملك فى 11 يناير 1793 و تم التنفيذ يوم 21 من نفس الشهر …

مع انتشار خبر إعدام الملك لويس السادس عشر فزع ملوك أوروبا و أعلن البلاط الانجليزى قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا ، ليعلن المؤتمر الوطنى الحرب على بريطانيا ، و هولندا ثم أسبانيا ليتشكل تحالف أوروبى ضم عدد كبير من الملكيات و الدوقيات أهمهم إنجلترا التى قادت التحالف مع النمسا و أسبانيا و نابولى و فلورنسا و البندقية ، و زحفت الجيوش الأوروبية على بلجيكا و ماينز و هزمت القوات الفرنسية التى كان يقودها ديمورييه فى موقعتين متتاليتين الذى وقع أتفاقا مع العدو يخلى فيه بلجيكا مقابل التعهد بعدم اقتحام الحدود الفرنسية ، بعدها أنقلب ديمورييه على الثورة بعد جملة الإعدامات التى تمت خلال تلك الفترة و حاول أستمالة جنوده لتخليص فرنسا ، لكن الجنود رفضوا طلبه و انسحبوا إلى باريس و أعلن المؤتمر الوطنى خيانة ديمورييه …

إلا إن الأمور لم تستمر على نفس المنوال بسبب الخلافات الأوروبية فدب النزاع بين كل من النمسا و بروسيا ، فامتنعت بروسيا عن الزحف إلى باريس و بين النمسا و أنجلترا ، استطاعت الحكومة الفرنسية خلال تلك الفترة إعادة بناء الجيش و حققت فرنسا مجموعة من الانتصارات ، و استعادت فرنسا سيطرتها على بلجيكا ، و دخل الفرنسيين مدينة كولون الألمانية لتسيطر فرنسا على مجرى نهر الراين بأكمله ، كما هزموا الجيش الأسبانى ، و غزوا هولندا ليحتلوها بلا قتال لينتهى التحالف الأوربى ….

بعد ذلك انتفلت فرنسا للهجوم و هاجمت الجيوش النمساوية ، و دخلت المدن الإيطالية و تشكلت جمهوريات فى تلك المدن على أساس فكر الثورة الفرنسية ، لمع أسم نابليون بونابرت بشدة بعد قيادته الجيش نحو الانتصارات ، و فى نفس الوقت كان الصراع على اشده فى باريس بين الملكيين و الجمهوريين الذين استطاعوا السيطرة على الأمور ، و لم يبقى فى أوروبا سوى انجلترا تكن العداء لفرنسا و ثورتها ، و قررت الحكومة الانطلاق لاحتلال مصر لقطع طريق التجارة البريطانية الهندية ...

إن الخوض فى الثورة الفرنسية قد يطول بشكل من الأرجح أن يخرجنا عن الغرض من تلك السلسلة من المقالات فالحالة الفرنسية أثناء و بعد الثورة مليئة بالتشابكات ، و قد اضطررت إلى المرور سريعا على أحداثها بشكل شديد الاختصار الذى قد يراه البعض من القراء و المتخصصين مخلاً فى أجزاء ، فالغرض من تلك السلسلة ليس البحث فى تاريخ أوروبا أو الثورة الفرنسية و لكن إلقاء الضوء على صعود البورجوازيات و الحركة الاستعمارية و إستراتيجياتها و أثر الجغرافيا السياسية و الافتصادية فى طور تحركها و نموها …

من المعروف أنه فى بداية الثورة الفرنسية لم يكن من المطروح هدم النظام القائم و اقتلاعه من جذوره ، و لم يكن يفكر أحد فى تأسيس الجمهورية وإنهاء الحكم الملكى ، إلا أن التعقيدات التى واكبت الأحداث و تعدد دوافع الثوار و تنوع العناصر الذى تألفت منهم أضفى على الثورة نوعاً من التناقض بين الأهداف و الأسباب و بين ما انتهت إليه ، فجاءت أيضاً كتابات المؤرخين متضاربة و متناقضة ، فمنهم من أعتبرها عملاً شيطانياً مثل المؤرخ الفرنسى دي مايستر(6) De Maistre ، و هناك من أعتبرها أحياء للبشرية و بعثها بعثا من جديد ، فقد أعتبر إدجار كينيه(7) Edgar Quinet إن الثورة هى نتيجة لطغيان أستمر جيلاً بعد جيل و كان من رأيه إن المؤتمر الوطنى عديم النفع و لا جدوى منه ، و تسبب فى تعقيد عمل الثورة و قيد سيرها الطبيعى ، و هناك من أحاط الثورة بهالة من المجد و الافتخار و أعتبرها ثمرة جهود الشعب مثل المفكر و المؤرخ ميشيليه(8) Michelet.

القانون الإجتماعى الجديد و العلاقات الطبقية

ترسخت فى فرنسا بعد الثورة مجموعة من الهياكل القانونية و الاجتماعية الجديدة ، و قد ظهر بوضوح فى قانون نابليون الذى صدر فى مارس 1804 ، الذى يؤكد على جميع الأفراد فى كل بلد لهم الحق بأن يتمتعوا بقدر متساو من الحقوق الطبيعية ، و هذا القانون أعتمد على ما أقرته الجمعية التأسيسية فى 24 أغسطس 1789 ، تلك الحقوق غيرت من شكل الحياة و خلقت مجتمعا جديداً ، حيث ألغيت على اثره الامتيازات و العلاقات الإقطاعية و جميع ألقاب النبالة ، حظيت تلك المبادئ القانونية الجديدة انتشار واسع فى أوروبا خصوصا مع غزو نابليون لأوروبا ، و كان يطلب من الجنرالات فى البلدان التى تحتلها الجمهورية الفرنسية أن يعلنوا فورا سيادة الشعب و إلغاء الإقطاعية و أمتيازات النبلاء ، و قد ذكر نابليون فى مذكراته أنه كان يحلم بتحقيق الوحدة فى القوانين و المبادئ فى كل مكان ، و إن كان تلك المبادئ قد سبقت نابليون فى أماكن عدة على أثر انتشار أفكار الثورة الفرنسية ، فمثلا فى اسكندنافيا و من قبل الثورة الفرنسية بدأت حملة إصلاحات قادها سترونيسى ، و إصلاحات جوستاف الثالث فى السويد ، و بات واضحا إن هناك علاقات اجتماعية جديدة تتأسس فى عدد من البلدان الأوروبية ، فى المقابل اشتدت قبضة النبلاء على الفلاحين فى روسيا القيصرية اللذين دافعوا عن امتيازاتهم و ناصرتهم الدولة فى ذلك ، إلا إن ما قدمته الثورة الفرنسية من أفكار بدأ واضحا إنها ستكون نقطة بداية جديدة و على أثرها انفجر عدد من الثورات فى بعض البلدان ففى أسبانيا تمكن الإصلاحين و الثورين من الانتصار بالرغم من المعارضة الشديدة خاصة من رجال الدين ، و شهدت البرتغال أيضا أحداث مشابهة …

الثورة فكرية تقود الحالة الثورية

شهدت فترة ما قبل الثورة جدالا على المستوى الفكرى حول ”مفهوم الدولة“ الذى بات ضرورياً مع بدايات انتشار الفكر القومى فى القارة الأوروبية ، فالصراعات التى حدثت نتيجة للتقسيمه الطبقية للمجتمع فمن ثلاث طبقات أساسية تشكل منها المجتمع فى العصر القروسطى (النبلاء ، ملاك الأراضى ، المزارعين و أصحاب الحرف ) و ظهور طبقتين جديدتين هما الطبقة البورجوازية التجارية و المالية التى تشكلت على اثر التحولات فى علاقات و نمط الملكية و الإنتاج و تشكل طبقة البروليتاريا على أثر الثورة الصناعية و التناقضات التى زادت بين الطبقات ، و حركة الإصلاح الدينى و أهتزاز مبدأ الحق الإلهى للملوك كان من الضرورى من إعادة النظر حول تعريف هوية الدولة و إرادة الأمة أو الشعب و حقوق الفرد و المجتمع ، و منذ نهايات العصور الوسطى أخذ المفكرون يبحثون عن طرق جديدة لإدراك الأشياء و كشف مظاهرها و العلاقات فيما بينها ، و من خلال ذلك تم إعادة النظر للكون و الطبيعة و الإنسان و يقول المفكر فونتنيل ”إن وجهات النظر المختلف للفكر البشرى لا حدود لها ، و الطبيعة كذلك غير محدودة“ ، فالطبيعة تتحلل إلى تنوع لامتناه و عبر عن ذلك المفكر ديدرو Diderot بقوله ”ما من ذرة تشبه ذرة أخرى و ما من ذرة تشبه نفسها لحظة واحدة“ ، كذلك الأمر فى حياة الناس ”ففى كل قارة يختلف قطر عن الآخر ، و فى القطر الواحد تختلف كل ولاية عن الأخرى ، ثم أختلاف كل مدينة عن أختها فى الولاية ، و اختلاف أسرة عن أسرة فى المدينة الواحدة ، و فى الأسرة الواحدة يختلف كل فرد عن الآخر ، و فى الفرد نفسه يكون لكل لحظة سيماؤها و تعبيرها“ ، فأصل الأشياء هى الاختلاف فليس فى الجنس البشرى كله شخصان بينهما أدنى تماثل ، حتى الإنسان ذاته يختلف بحسب مراحل حياته المختلفة ، فطبيعة الأشياء هى التغير و التبديل و التطوير.

كانت كتابات المفكر السويسرى مونتسكيو الذى أجتهد فى درسة المجتمعات و الأعراف و القوانين لها صدى واسع بين العامة و المثقفين الفرنسيين ، وجد مونتسكيو إن الأفراد تجمعوا فى شعوب و أمم و كونوا طبقات اجتماعية ، و نظموا أنفسهم من خلال مجموعة من الأعراف و القوانين و العادات ، قارن مونتسكيو بينهم لمعرفة أوجه الاختلاف و الشبه و إلى أدراك سبب تلك القوانين و الأعراف التى حكمت تلك الشعوب ، و انتهى إلى إن تلك العادات و القوانين هى منجزات عقلية من خلالها قررت الشعوب مصيرها للوصول إلى غايات حددتها و تسعى للوصول لها ، كما وجد أن لكل شعب فرديته ، لذا وجب تحليل تلك الفرديات آخذين بعين الاعتبار الظروف التاريخية و الأحوال الاقتصادية و درجات التسلسل القائمة بين أفراد المجتمع ، و أفكارهم الأخلاقية و الدينية ، أى إن علينا أن نسعى لإدراك كيف تنشأ من هذه العلاقات المعقدة فردية الشعب و تميزه …

كما حاول مونتسكيو إدراك سبب القوانين و الشرائع المنظمة للمجتمعات ، فالصراعات التى تشهدها أوروبا فى تلك الفترة نتيجة للتغيرات التى حدثت للمجتمع تحتم وجوب الوصول إلى تشريع جديد يقضى على الاختلافات الحادة التى قد تؤدى إلى الفناء فى الوقت الذى توصل فيه إن تشكل المجتمعات و الأمم كان الهدف الرئيسى منه هو البقاء ، و القوانين الغرض منها هو الحفاظ على تماسك المجتمع للوصول إلى الغاية الأساسية ، و أنه قد تنشأ خلال تاريخ أمة ما تناقضات داخلية بين قوانينها الأساسية و علل ذلك لسببين إما لأن القوانين لم تستلهم شكل الحكم المناسب ، أو لأن هناك مؤثرات خارجية وجهت إرادة الأفراد إلى وجهة أخرى …

من هنا رأى مونتسكيو إن عالم الإنسان هو عدد متلاصق من الجماعات المنظمة وفق مبادئ مختلفة ، و إن العلاقات بينها ضيقة و عدائية ، فهى تتقاتل و يتوسع بعضها على حساب الآخر ، و قد تعقد المعاهدات ، و لكنها لا تخضع لقوانين تطور شامل ، من هنا جاءت رؤية مونتسكيو إن الناس هم نتاج الظروف و التنشئة ، و إن تناسى إن الناس هم انفسهم يقومون بتغيير الظروف و فقا لمتطلباتهم و إرادتهم ، فالإنسان يتميز بأنه ينتج وسائل وجوده من خلال الظروف الطبيعية و الجيولوجية و عوامل أخرى عديدة ، فالعلاقات ينشئها الإنسان من خلالها و ينتج وسائل وجوده التى تعتمد على وسائل الوجود المتوفرة ، أى أنه يعيد إنتاج الوجود بالموجود و ينشأ العلاقات و القوانين على أساس الموجود ذاته و أنماط الملكية الناشئة عنه ، كما تجاهل مونتسكيو طبيعة العلاقات داخل المجتمع التى تتعلق بمدى تطور القوى المنتجة و آليات تقسيم العمل ، بل إن البناء الداخلى لأى أمة مرتبط بمراحل التطور لعلاقات الإنتاج و الملكية الداخلية و الخارجية …

فإذا أخذنا الحالة الفرنسية نجد إن طبيعة العلاقات داخل المجتمع كانت تحكمها الملكية الإقطاعية فى وقت بدأت فيه تتغير طبيعة تلك العلاقات بتشكل الطوائف و المدن التجارية ، ففى البداية تشكلت الملكية الإقطاعية تحت تأثير التكوين العسكرى لامبراطورية شارلمان الكبير لينشأ بناء متسلسل للملكية العقارية يبدأ من صغار الفلاحين و ينتهى فى قمة الهرم عند النبلاء الإقطاعيين اللذين تسلطوا على صغار الفلاحين من خلال قوتهم العسكرية ، و مع بداية أفول علاقات الملكية العقارية و ظهور المدن التجارية و الطبقة البورجوازية ظهرت التناقضات فى علاقات الملكية بين الطبقة البورجوازية و النبلاء الإقطاعيين و أهتز الهرم الطبقى المنظم للمجتمع ، كذلك موجات فرار عدد من صغار الفلاحين إلى المدن هربا من قسوة الحياة فى الريف و طبيعة العلاقات و القوانين المنظمة بين الإقطاع و الأقنان ، كل هذا أدى إلى ضرورة التغيير فى البناء الداخلى للأمة و لهذا أعتبرها البير سوريل Albert Sorel إن الثورة كانت نتيجة طبيعية و حتمية ، كذلك شاركه الرأى جيزو Guizot بأن الثورة حدثا طبيعيا و أنها لم تبتكر جديد فهى لم تطلب مطلبا لم يسبق أن ظهرت الرغبة فى تحقيقه ، فالأفكار التى طرحها المفكرين لم تتعدى نظريات الحق الطبيعى التى كانت سائدة فى القرنين السادس عشر و السابع عشر ، فإن ما طرح من أفكار من خلال فلاسفة الثورة الفرنسية هو استكمال لتطور طرحه من قبل فلاسفة عصر التنوير ، فقد حاولت أن تحقق فكرة الحق الطبيعى فى ميدان السياسة بأن يحل تنظيم الحياة وفق لمبادئ الحق لتحل محل الصراعات لإزالة كل مظاهر العنف و عدم المساواة الاجتماعية و القانونية و السياسية ، فهى وسعت دائرة المطالب البشرية لكى تعبر عن الإنسان فى جوهره و عن الشعب فى وحدته ، فقد أعطت لمفهوم الأمة شكلا جديدا يتجاوز التحديد عن طريق العلاقة الرياضية بين الأكثرية و الأقلية فالأمة يجب أن تكون واحدة لكل إنسان فيها له نفس الحقوق فالأمة هى الشعب ، إنها الإرادة العامة التى تشكل قناعة الأفراد ، و يتضح هذا فى أفكار مارا الذى عبر عن البسطاء من الناس بقوله ”انهم اللذين فى صراع دائم مع البؤس ، و هم دائما مخدوعون ، و الأمل يحدوهم على الدوام“ ، فكانت فكرة الحقوق هى هذا الأمل لتحقيق الحلم …





_________________________________________________________

الهوامش

1) راجع موقف الأخوان و ما أطلق عليهم حزب الكنبة من الطبقة المتوسطة و البورجوازية الصغيرة أثناء ثورة 25 يناير 2011 ، بإيقاف المد الثورى بعد تنحى مبارك و إسراعهم بما سمى بالاستحقاق الديمقراطى و تشكيل لجنة تعديل الدستور و الدعوة للانتخابات فى خطوة عاجلة الغرض منها القضاء على الثورة باسم الديمقراطية فى وقت لم يسقط النظام بالكامل و لتنتهى إلى ما نحن عليه الآن.

2) المجالس البلدية للمدن الفرنسية كان لها دورا هاما فى باريس إبان ثورة باريس و التى عرفت باسم ثورة الكومون

3) هم مجموعة من المثقفين الفرنسيين المناصرين للثورة أطلقوا على تجمعهم فى البداية جمعية أصدقاء الدستور ، لكن بعد عام 1792 أتفقوا على تسمية تجمعهم بجمعية اليعاقبة أصدقاء الحرية و المساواة ، و الذى عرف تاريخيا باسم نادى اليعاقبة ، طالب اليعاقبة بإنهاء الحكم الملكى و إعلان الجمهورية ، أنضم لليعاقبة كل من حزب الجبل و الجيرونديون ، و كان الجيرونديون الأكثر نشاطا خلال الثورة ، أنتهى نادى اليعاقبة عام 1794 بعد فترة عنف سياسى تسبب فيها حزب الجبل الذى استطاع القفز على السلطة

4) غادر نابليون مصر فى 22 أغسطس 1799 بسبب الأخبار التى وصلت إليه عن الصراعات السياسية التى انفجرت فى باريس ، و فى 13 أكتوبر وصل إلى باريس ليجد كما قال "الكمثرى ناضجة" ، فقد أصبحت الأوضاع مهيأة تماما للانقلاب ، و فى يوم 9 نوفمبر أجتمع مجلس الشيوخ و عهد إلى بونابرت بالدفاع عن باريس من الخطر الداهم ، و هذا الخطر كان جموع العمال و الفلاحين ، فأرغم بونابرت الحكومة على الاستقالة و أعلن تطهير المجلس من المعارضين اليعاقبة بدعوى أنهم صنائع الإنجليز ، ليصدر الأعضاء المتبقين دستورا جديدا و تشكيل حكومة مؤقتة ، و تقرر إنشا لجنة قنصلية تنفيذية مشكلة من ثلاثة أعضاء هم سييس ، و روجيه ديكو ، و نابليون بونابرت على أن يكون بونابرت هو القنصل الأول و له حق أبرام المعاهدات و إعلان الحرب ، و إصدار القوانين و أختيار الوزراء ، و رئاسة الجيش ، و أن يكون القنصلان الآخران مساعدان له و بهذا يكتمل الانقلاب الذى أطلق عليه تاريخياً أنقلاب بريمىر

5) الصان كيلوت Sans-Culottes هم من عامة الشعب أغلبهم من العمال و المعدمين ، أطلق عليهم هذا اللفظ حيث كانوا يلبسون بنطلونات قصيرة ، أو بمعنى آخر اللذين ليس لديهم بنطلونات ركوب الخيل الطويلة كالتى يرتديها النبلاء

6) جوزيف مايستر (وُلد فى أبريل عام 1753، و توفى 26 فبراير عام 1821) ، كان فيلسوفاً و كاتباً و محامياً و دبلوماسياً من منطقة سافوا ، دافع عن المنظومة الطبقية الاجتماعية و الملكية فى الفترة التى تلت الثورة الفرنسية مباشرة. على الرغم من علاقاته الشخصية و الفكرية الوثيقة مع فرنسا فقد كان مايستر أحد رعايا ملك بيدمونت سردينيا طوال حياته، و خدم لديه كعضو فى مجلس شيوخ سافوى (1787-1792)، و سفير لدى روسيا (1803-1817)، و وزير الدولة فى محكمة تورينو (1817-1821) ، يعتبر مايستر شخصية رئيسية فى مرحلة التنوير العكسى. رأى النظام الملكى كحق الملوك الإلهى هو الشكل المستقر الوحيد للحكم و دعا إلى استعادة آل بوربون عرش فرنسا، و منح السلطة الكاملة للبابا فى المسائل المعاصرة. ذكر مايستر أن الرفض العقلانى للمسيحية هو المسئول المباشر عن الاضطرابات وإراقة الدماء التى حدثت بعد الثورة الفرنسية عام 1789

7) إدجار كينيه (1803 - 1875 ) مؤرخ و سياسى و شاعر و صحفى و فيلسوف ، عمل فى كوليدج دى فرانس و هى جامعة فرنسية تختص بالبحث العلمى و التعليم مقرها بالمنطقة الخامسة بالحى اللاتينى بباريس ، حاصل على وسام جوقة الشرف ، توفى بباريس و دفن فى مقبرة مونبارنس

8) جول ميشليه(1798 - 1874) Jules Michelet مؤرخ و مفكر فرنسى ، عضو أكاديمية العلوم الأخلاقية و السياسية ، و لجنة العمل التاريخى و العلمى ، من أهم كتبه تاريخ الثورة الفرنسية الذى ترجم للعربية عام 1994 الهيئة المصرية العامة للكتاب



المصـادر

• جان جاك روسو – أصل التفاوت بين الناس – ترجمة عادل زعيتر – مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة – الطبعة الأولى 2013
• هربرت فيشر – أصول التاريخ الأوروبى الحديث "من النهضة الأوربية إلى الثورة الفرنسية" – ترجمة د. زينب عصمت راشد ، د. أحمد عبد الرحيم مصطفى - دار المعارف المصرية – الطبعة الثالثة 1970
• فرنان برودل – الحضارة المادية و الاقتصاد و الرأسمالية من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر – الجزء الثانى التبادل التجارى و عملياته – ترجمة مصطفى ماهر – المركز القومى للترجمة – الطبعة الأولى 2013
• نيكوس بولانتزاس - السلطة السياسية و الطبقات الاجتماعية "الجزء الأول" – ترجمة عادل غنيم -دار أبن خلدون 1982
• محمد فؤاد شكرى - الصراع بين البورجوازية و الإقطاع 1848/1789 "المجلد الأول" - مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة – الطبعة الأولى 2014
• ألبير سوبول - تاريخ الثورة الفرنسية – ترجمة جورج كوسى – منشورات عويدات – الطبعة الرابعة 1989
• رونالد سترومبرج – تاريخ الفكر الأوروبى الحديث 1977/1601 – ترجمة أحمد الشيبانى – دار القارئ العربى - الطبعة الثالثة 1994
• جوستاف لوبون – روح السياسة – ترجمة عادل زعيتر - مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة – الطبعة الأولى 2012
• ريمون آرون – صراع الطبقات – ترجمة عبد الحميد الكاتب – منشورات عويدات – الطبعة الثالثة 1983
• جان بيرنجيه ، إيف دوران ، فيليب كونتامن ، فرانسيس راب – موسوعة التاريخ الأوروبى العام- المجلد الثانى "منذ بديات القرن الرابع عشر و حتى نهاية القرن الثامن عشر" – ترجمة وجيه البعينى – منشورات عويدات الطبعة الأولى 1995

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول