لينين: مسيرة حافلة من النضال والكفاح الثوري على درب الاشتراكية (4)

خليل اندراوس
2020 / 6 / 7


ومن مآثر لينين العظمى انه طور من جميع النواحي مذهب الماركسية بصدد معرفة العالم، ونظرية الانعكاس، وذلك في سياق النضال ضد المثالية الذاتية وضد اللاعرفانية. وذاد لينين عن المفهوم المادي للنفسي، للوعي بوصفه أسمى نتاج للمادة، بوصفه وظيفة الدماغ البشري، وأشار الى أن التفكير، الوعي، هو انعكاس للعالم الخارجي، وأعطى تعريفا رائعا للاحساس بوصفه صورة ذاتية عن العالم الموضوعي، وانتقد النظرية اللاعرفانية الخاصة بالرموز أو الهيروغليفات التي تقول ان الاحساسات هي مجرد علامات اصطلاحية، وليست صورا للأشياء الفعلية. وهذه النظرية المثالية الرجعية لا يزال يروجها في أيامنا أيضا ممثلو مختلف الاتجاهات في الفلسفة البرجوازية والرجعية خدمة طبقة رأس المال في عصرنا الحاضر.

وكشف لينين هذه العملية المعقدة، والدياليكتيكية التي هي عملية المعرفة وبين ان الديالكتيك هو نظرية المعرفة الماركسية. والى هذه الموضوعة الفائقة الأهمية التي صاغها لينين، فيما بعد، في سنتي 1914، 1915 في مؤلفه "كارل ماركس" ومؤلفه "الدفاتر الفلسفية"، يقود كل مجرى المحاكمات اللينينية بشأن جوهر النظرية الماركسية الخاصة بالمعرفة في كتاب "المادية والمذهب النقدي التجريبي". وقد كتب لينين يقول: "في نظرية المعرفة، كما في جميع ميادين العلم الأخرى، تجب المحاكمة بطريقة دياليكتيكية. وهذا يعني انه يجب علينا لا أن نفترض معرفتنا ناجزة وثابتة لا تتغير، بل ان نحلل ونبحث بأي طريقة تظهر المعرفة من اللامعرفة، بأي طريقة تصبح المعرفة غير الكاملة وغير الدقيقة أكمل وأدق" (لينين المادية والمذهب النقدي التجريبي ص113)، ان تحليل مذهب الحقيقة الوارد في كتاب "المادية والمذهب التجريبي" هو مثال رائع على تطبيق الديالكتيك في دراسة عملية المعرفة البشرية. فإن لينين يعرف الحقيقة على انها عملية معقدة، متناقضة، عملية تطوير المعرفة، ويدرس هذه العملية في جانبين: فعلى نقيض مختلف أشكال المثالية الذاتية واللاعرفانية، يشير الى موضوعية مضمون معارفنا، الى استقلاله عن الذات، وفي الوقت نفسه يشير لينين الى ان المعرفة هي عملية تطور الحقيقة النسبية الى حقيقة مطلقة، فعارض بالتالي نظرية النسبية والميتافيزياء على السواء بالمذهب المادي الدياليكتيكي الخاص بالحقيقة. وقد كتب يقول: "... يستطيع التفكير البشري بحكم طبيعته أن يعطينا وهو يعطينا الحقيقة المطلقة التي تتكون من مجمل الحقائق النسبية. وكل درجة في تطور العلم تضيف ذرات جديدة الى مجمل الحقيقة هذا، ولكن حدود حقيقة كل موضوعة علمية هي حدود نسبية لأنها تتسع تارة وتضيف طورا من جراء نمو المعرفة اللاحق" (نفس المصدر – الكتاب ص 151 – 152).



وكل مضمون كتاب "المادية والمذهب النقدي التجريبي" هو تعليل عميق لإمكانية معرفة قوانين الطبيعة والمجتمع، مفعم بالاقتناع بقوة العقل البشري وجبروته. وانطلاقا من الديالكتيك المادي طرح لينين موضوعة استحالة نضوب المادة. وكتب يقول: "... إن الإلكترون لا ينضب، مثله مثل الذرة والطبيعة لا متناهية، ولكنها توجد الى ما لا نهاية، وان هذا الاعتراف القاطع الوحيد، والمطلق الوحيد بوجودها خارج وعي الانسان واحساسه هو الذي يميز المادية الدياليكتيكية عن اللاعرفانية النسبية وعن المثالية (لينين – المادية والمذهب المادي التجريبي- ص 306) وقد بين لينين في كتابه هذا – المادة والمذهب النقدي التجريبي، الوحدة التي لا تنفصم عراها بين المادية الدياليكتيكية والمادية التاريخية، وطور الموضوعات الأساسية في المادية التاريخية ولا سيما منها موضوعة الدور المحدد للوجود الاجتماعي بالنسبة للوعي الاجتماعي.

وفضح لينين في كتابه هذا اللاحزبية الموهومة للفلسفة البرجوازية. وبين ان تطور الفلسفة في المجتمع التناحري، الطبقي، يتجلى بصورة محتمة في الصراع بين الاتجاهين الفلسفيين – المادية والمثالية- اللذين يُعريان، بوجه عام، أحدهما عن مصالح الطبقات التقدمية والثاني عن مصالح الطبقات الرجعية.



وكشف لينين لا علمية المثالية وعارضها بالتقليد الفلسفي المادي (من ديموقريطس الى فورباخ وتشيرنيشيفسكي) الذي بلغ أرفع درجات تطوره في الفلسفة الماركسية.

ويعتبر لينين تاريخ الفلسفة على أنه صراع بين "اتجاهي أو خطي أفلاطون وديموقريطس" ويشير الى ان الفلسفة الحديثة حزبية كما منذ الفي سنة.

كان لينين لا يعرف الهوادة في النضال من أجل الحزب، ومن أجل نقاوته الفكرية، ومن أجل سياسة ماركسية حقا وقد كان لا يطيق الصبر على التشوش الفكري، وعلى التملص من النضال المباشر والسافر، اعتقادا منه ان ذلك يعود بأكبر الضرر على الحزب الذي كان لا يعلى على مصالحه مصلحة. إن الخدمات السابقة مهما بلغت لا يمكن لها أن تدفع الانتقاد اللينيني الصارم كمن يحيد عن الماركسية وعن حزب العمال الثوري.



في حزيران عام 1909 عقدت هيئة تحرير "بروليتاري" اجتماعا موسعا انبرى فيه لينين للانسحابيين بجد، وبين مبلغ الضرر الذي يسببه الانسحابيون لحركة العمال ولوحدة الحزب، واعترف هذا الاجتماع بانه لا يوجد أي جامع يجمع بين البلشفية والانسحابية وأهاب بالبلاشفة بان يشنوا ضد الانسحابيين نضالا فكريا لا يعرف الهوادة.

وكتب لينين يقول فيما بعد ان البلاشفة استطاعوا بعد انهزام الثورة (ثورة عام 1905 – 1907) ان يتقهقروا بنظام وانهم ما كانوا ليستطيعوا الحفاظ على صفوفهم لو لم "يشهروا دون رحمة بثوريي الجمل ويطردونهم". تخلص الحزب من اناس يحبون الكلمات "الثورية" المنمقة، ولكنهم لا يحسنون القيام بالعمل الثوري اليومي العادي ولا يريدون القيام به.

وقد اعاق تروتسكي نضال البلاشفة في سبيل حزب ثوري قوي، لقد اعلن تروتسكي نفاقا، انه يريد بلوغ السلام في الحزب ودافع عن التصفية وجمع من الفرق والتيارات المعادية للحزب كتلة ضد لينين، وقد فضح لينين تروتسكي ووصفه بالمنافق والوصولي والمفتري. وفي تلك السنوات نعت لينين تروتسكي بنعت "يهوذا". حينها ترأس لينين النضال ضد الانتهازية في حركة العمال الاممية وحقق عملا جسيما في تنظيم القوى الثورية ورصها، فقد اشترك بنشاط في مؤتمرات الاممية الثانية – وهي اتحاد اممي للاحزاب الاشتراكية وكتب المقالات والقى التقارير حول حركة العمال الاممية.

وفي خريف سنة 1910 سافر لينين الى ستوكهولم للقاء أمه التي لم يرها في غضون ثلاث سنوات، وقد احاط ماريا الكسندروفنا بانتباه وحب مؤثرين، وفي سستوكهولم سمعت ماريا الكسندروفنا (أي والدة لينين)، فلاديمير ايليتش لأول مرة وهو يلقي خطابا في اجتماع عام للفرقة البلشفية. وفي يوم سفر أمه، سار فلاديمير ايليتش لينين في وداعها حتى الميناء، ولكنه لم يستطع الصعود الى الباخرة، لأن الباخرة كانت ملكا لشركة روسية، وكان يمكن بالتالي ان يعتقل فيها.



وكتبت كروبسكايا زوجة لينين تقول: "كانت هذه المرة آخر مرة يرى فيها أمه، وقد أحس قلبه ذلك وظل يشيع الباخرة المبتعدة بعينين حزينتين، وحينما عاد الى روسيا في سنة 1917، أي بعد مضي سبع سنوات كانت قد فارقت الحياة".

في اواخر ايلول عام 1910 عاد لينين الى باريس، وتتلخص مأثرة من اعظم مآثر لينين في كونه قد بين للحزب في هذه المرحلة العصيبة جدا في حياة الحزب – مرحلة الرجعية القيصرية الحالكة – الطريق الصحيح لمواصلة التقدم الى الامام. فالبلاشفة قد وطدوا الحزب، وفقا لارشادات لينين، ورصوا صفوف الطبقة العاملة بغية هجوم جديد على الحكم المطلق، وقد رسخ اكثر فأكثر يقينهم بان وقوع ثورة جديدة في روسيا أمر محتوم.

ان تحليل لينين بصدد حتمية النهوض الثوري الجديد قد تحققت، فجميع المطاردات والملاحقات قد ظهرت أعجز من ان توقف نضال الجماهير الثوري المتصاعد بقوة لا مرد لها. وكان لينين صاحب شخصية مرحة فرحة وعالي المعنويات وكان يحسن الاستقصاء حتى بلوغ الامر الرئيسي الاساسي، وكان بعيدا عن العجرفة، بسيطا بساطة مدهشة، وكان عميق الاطلاع على احوال الطبقة العاملة والفلاحين في روسيا.

وفي مؤتمر الحزب الاشتراكي الدمقراطي الروسي (الحزب الشيوعي) الذي عقد في براغ في كانون الثاني سنة 1912 اتخذ قرار بطرد المناشفة من الحزب وأهاب المجلس العامل للحزب بجميع اعضاءه ان يناضلوا ضد تيار التصفية، تيار المناشفة، وان يشرحوا الاضرار التي يسببها لقضية تحرير الطبقة العاملة، وان يركزوا الجهود على بعث وتعزيز المنظمات الحزبية السرية، فخاض لينين نضالا لا يعرف الهوادة ضد الانتهازية.

في ربيع سنة 1912 انشأت بمبادرة عمال بطرسبورغ جريدة يومية بلشفية علنية باسم "برافدا"، وأعد العدد الاول من "البرافدا" ستالين وبوليتايف وبوكروفسكي (النائب في مجلس الدوما الثالث)، وأولمينسكي وباتورين وصدر ببطرسبورغ في 22 نيسان، وكانت تلك الايام غضبة الجماهير واحتجاجها على قيام جنود القيصر بإطلاق النار على عمال مناجم الذهب على نهر لينا، في تايغا سيبيريا النائية. وقد شملت البلاد من أقصاها الى اقصاها موجة من الاضطرابات احتجاجا على اطلاق النار على عمال مناجم ذهب لينا.



كان لينين يكتب لأجل صحيفة "البرافدا" بصورة تكاد تكون يومية، فزعيم الحزب البلشفي كان يشرح لجماهير العمال على صفحات الجريدة جوهر تعاليم ماركس ويبين عظمة نظرية الماركسية الثورية. وكتب لينين بقلق ومرارة بشأن تأخر روسيا الاقتصادي، وندد بالطبقات المستثمِرة طبقة رأس المال التي عرضت الشعب للبؤس وسلبته حقوقه. وشرح لينين من على صفحات صحيفة البرافدا اهمية التنظيم الحزبي وتراص الصفوف كأساس تأمين نجاح نضال الطبقة العاملة، وكتب يقول: "العمال المبعثرون لا شيء، العمال المتحدون – كل شيء".

ونمى لينين في الحزب والطبقة العاملة اليقين بانتصار الثورة المقبل، ان قيام لينين وزملائه بتنظيم واصدار "البرافدا" في ظروف قاسية، في ظروف القيصرية، واستخدامها في تطبيق الاتجاه الثوري، وفي تربية الجماهير سياسيا قد كان مثلا رائعا في تاريخ حركة العمال الاممية برمتها، وهذا المثل الرائع لدور صحافة الحزب الشيوعي، كل حزب شيوعي يجب ان يحتذى به دائما الآن وفي المستقبل من اجل تطبيق التنظيم الثوري وتربية الطبقة العاملة في كل مجتمع ونشر المفاهيم الاممية – القومية، القومية الاممية الثورية في كل انحاء العالم، فالاممي الحقيقي هو القومي الحقيقي، والقومي الحقيقي هو الاممي الحقيقي.

في خريف عام 1912 جرت انتخابات مجلس الدوما الرابع، وقد اعتبر لينين ان الاشتراك في الحملة الانتخابية يساعد الحزب في توثيق روابطه بالجماهير وينشط عمل المنظمات الحزبية، وقد كتب يقول: "على نتيجة الانتخابات تتوقف امور كثيرة تتعلق ببناء الحزب"، ومن هذا المنطلق وعلى هذا الاساس يجب على كل حزب شيوعي ان يرى عمله البرلماني الآن، ونحن نعيش في دولة صهيونية عنصرية وبرلمانها يعكس هذا الفكر والايديولوجية والممارسات الصهيونية الشوفينية، ويجب ان نرى بمشاركتنا في هذا البرلمان كنضال ثوري اممي قومي طبقي ضد الصهيونية ومن اجل توثيق روابط الحزب مع جماهير الشعب الواسعة من خلال اللقاءات والاجتماعات ووضع برنامج عمل مدروس للكفاح من اجل تحقيق المساواة وحل المشاكل والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والقومية والطبقية وزعزعة هيمنة وسيطرة طبقة رأس المال، وزعزعة هيمنة الايديولوجية الصهيونية على المجتمع الاسرائيلي.

في عام 1913 – 1914 طور لينين في تأليفيه: "ملاحظات انتقادية حول المسألة الوطنية" و"حول حق الامم في تقرير المصير" ودعم البرنامج الماركسي في المسألة الوطنية وسياسة الحزب البلشفي الوطنية، وقد ضمن لينين برنامج الحزب في المسألة الوطنية المطالب الاساسية التالية: المساواة التامة بين الشعوب، حق الامم في تقرير المصير (أي حق الانفصال وتأسيس دول مستقلة) توحيد العمال من ابناء جميع القوميات توحيدا وطيدا في منظمات بروليتارية واحدة، وبين ان الامر الرئيسي هو وحدة العمال من ابناء جميع الامم، هو توحيدهم في ظل لواء الاممية البروليتارية، وبين لينين ايضا ان حزب البلاشفة هو الحزب الوحيد الذي يدافع قلبا وقالبا عن حقوق الشعوب المظلومة ومصالحها.



خلال فترة الحرب العالمية الاولى علّم لينين العمال كيف ينبغي لهم ان يفهموا طابع الحرب الفهم الصحيح وكيف ينبغي لهم ان يحددوا موقفهم منها ومن شعار "الدفاع عن الوطن". فقد بين ان الحروب تكون حروبا عادلة وحروبا غير عادلة، وان الحروب غير العادلة هي حروب الغزو، هي الحروب الاستعمارية التي تشنها البرجوازية، هي الحروب التي تستهدف قمع حركة الشعوب الذائدة عن حرية بلادها واستقلالها، هي الحروب التي تشنها البرجوازية على البروليتارية التي تهب للنضال من اجل تحررها، وهذه الحروب تشن بقصد تعزيز سيطرة البرجوازية وبغية نهب الشعوب الاخرى، ولذلك ينبغي للعمال ان يناضلوا ضد هذه الحروب، ولذلك فان شعار "الدفاع عن الوطن" في حالات هذه الحروب هو مجرد خدعة. وهذه الخدع تمارسها الامبريالية العالمية والصهيونية العنصرية لتبرير حروبها المتكررة ضد الشعوب المظلومة، مثل احتلال افغانستان والعراق ودول اخرى في امريكا اللاتينية من قبل الولايات المتحدة، وحروب اسرائيل المتكررة والعدوانية ضد دول المنطقة وخاصة استمرار الاحتلال والاستيطان الكولونيالي لفلسطين والحروب العدوانية ضد سوريا ولبنان والتي تصفها اسرائيل بحروب الدفاع عن اسرائيل.

واعتبر لينين ان الحروب العادلة هي الحروب الدفاعية التي تخوضها الشعوب ضد الغزاة الاستعماريين، هي الحروب الوطنية التحررية التي تخوضها الشعوب المظلومة، هي الحروب الاهلية التي تخوضها البروليتاريا بغية التحرر من الظلم الرأسمالي، والحرب التي يخوضها الشعب السوري البطل والشعب اليمني البطل في عصرنا الحاضر هي اكبر مثل للحروب العادلة الدفاعية التي تخوضها الشعوب ضد الاستعمار، ضد الثالوث الدنس – الامبريالي الامريكي – الصهيوني الاسرائيلي والوهابي السعودي – بغية التحرر من الهيمنة الامبريالية الصهيونية الرجعية العربية على غرب آسيا.

وهنا أذكر ما كتبه لينين في كتابه "في الاممية البروليتارية" ص70: "ان الامبريالية هي عهد اضطهاد أمم العالم بأسره بصورة متزايدة من قبل حفنة من الدول "الكبرى" وعليه فان النضال في سبيل الثورة العالمية الاشتراكية ضد الامبريالية يستحيل دون الاعتراف بحق الامم في تقرير مصيرها. "ان الشعب الذي يضطهد شعوبا اخرى لا يمكن ان يكون حرا (ماركس إنجلز)، ولا يمكن ان تكون اشتراكية تلك البروليتاريا التي تقبل اقل عمل من اعمال العنف ترتكبه "امتها" ضد الامم الاخرى.." وعلى هذا الاساس وهذه المفاهيم نستطيع ان نقول لحكام اسرائيل الصهاينة بانه ما دامت اسرائيل تحتل وتضطهد الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يكون الشعب الاسرائيلي حرا.

ان العمل الجسيم الذي حققه لينين خلال فترة الحرب العالمية الاولى قد تطلب منه ان يجهد قواه الى اقصى حد. وكانت ظروف حياته المادية في غاية العسر، فهو لم يشعر قط بمثل العوز الذي عاناه في فترة الحرب، فقد كان شق قلمه المصدر الرئيسي لحياة العائلة، وكان نشر المقالات السياسية والكراريس الموجهة ضد الحرب امرا بالغ الصعوبة، وكان لينين بحاجة دائمة الى البحث عن عمل يتكسب منه.



فقد جاء في رسالة كتبها الى احد رفاقه: "وفيما يتعلق بي شخصيا اقول اني بمسيس الحاجة الى عمل أتقوت منه، وإلا لا يبقى غير الموت، والله غلاء المعيشة بلغ حدا شيطانيا، وليس من مورد".

كان لينين يعيش بتواضع كلي، مكتفيا باللباس البسيط والأثاث البسيط، ولكنه لم يقتر قط في الانفاق على الكتب وعلى المكتبات التي كان يعمل فيها دائما، وكانت لديه في بيته كثرة من الكتب والجرائد والمجلات بمختلف اللغات، وكيفما كانت ظروف حياته، كان يعمل على الدوام بدأب ويحسن توزيع وقته وتنظيمه، والى جانب النشاط العملي الكبير في قيادة حركة العمال الثورية، انصرف لينين الى الدراسة النظرية بإجهاد. لقد كان يدرس بعمق ودأب المطبوعات العالمية التي تتناول تطور الحياة الاجتماعية في شتى البلدان، وكان يهتم بالكتب التي تبحث شؤون الاقتصاد، والتكنيك والصناعة والاقتصاد الزراعي، وحركة الطبقة العاملة التحريرية الثورية في البلدان الرأسمالية، ونضال الشعوب المظلومة في المستعمرات والبلدان التابعة والشؤون الاخرى.

في عام 1916 كانت محصلة دراسته هي كتابه بعنوان "الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية". وقد انفق الكثير من الجهد والوقت في دراسة مؤلفات مؤسسي الماركسية العظيمين، وقد قالت ن.ق. كروبسكايا زوجة لينين في مذكراتها ان لينين قد قرأ المرة بعد الاخرة مؤلفات ماركس وإنجلز "لكي يتصور بصورة اوضح عصر الثورة الاشتراكية وسبلها وتطورها"، وهنا لا بد ان نذكر بان لينين حذر مرارا وتكرارا من إعداد الرأسماليين للحرب العالمية الاولى، وأهاب بالاحزاب الاشتراكية الدمقراطية في كافة البلدان ان تعمل على عدم اشتعالها، وفي حالة ما اذا اشتعلت نيران الحرب بالفعل ينبغي تفنيد وفضح اهدافها الحقيقية الغريبة تماما عن جماهير الشعب.

غير انه في الرابع من آب انضم الاشتراكيون الدمقراطيون في البرلمان الالماني الى النواب البرجوازيون وصوتوا سويا معهم لصالح تقديم قرض للحكومة لشن هذه الحرب غير العادلة، وفي اليوم التالي تصرف الاشتراكيون الدمقراطيون في برلمانات دول الائتلاف على هذا النحو ونعني فرنسا وانجلترا وبلجيكا.

"لم أعد اشتراكيا دمقراطيا منذ اليوم، فلقد اصبحت شيوعيا" قال لينين هذه العبارة في الخامس من آب بمجرد ان عرف نبأ ما حدث في البرلمان الالماني.

ان هذه الاحزاب "الاشتراكية الدمقراطية" في دول اوروبا الغربية بتأييدها المطلق لرأسمالييها في نواياهم التوسعية الاغتصابية، تكون قد خانت مبدأ التضامن الاممي بين كادحي العالم كله، ولم يكن هناك سوى حزب واحد هو حزب البلاشفة عمل علانية ضد السياسة العدوانية للحكومة القيصرية، فقد رفض النواب البلاشفة في دوما الدولة التصويت لصالح منح القروض العسكرية.

قضى لينين في المهجر قرابة 15 عاما (باستثناء وجوده في بطرسبورغ ابان الثورة عام 1905 – 1907.) وكانت فترة عصيبة مليئة بالصعاب حسب اعترافه، وكان المهجر صعبا بوجه خاص لأنه تأتى عليه العيش بعيدا عن الوطن وعن جماهير العمال والفلاحين وبعيد عن الصلة الوثيقة معهم وهي ما كان يطمح اليه باستمرار.

واصبح هذا العبء لا يطاق جدا بعد ان اندلعت شرارة ثورة جديدة في روسيا في شباط عام 1917، وهي الثورة التي استطاع فيها الشعب المنتفض انزال القيصر عن العرش، وكتب فلاديمير ايليتش لينين: "لكم ان تتصورا مدى هذا العذاب بالنسبة لنا الجالسين هنا (أي في الغربة)، في مثل هذا الوقت".

في اليوم التالي لعودته الى روسيا أي في الرابع من ابريل عام 1917 تحدث لينين امام نشطاء البلاشفة في بيتروجراد وطرح موضوعات لخص فيها خطة النضال للانتقال من الثورة البرجوازية الدمقراطية (وهي الثورة التي حدثت في روسيا في فبراير عام 1917) الى الثورة الاشتراكية، وعرفت "بموضوعات ابريل".

وأثناء ربيع عام 1917 نجم في روسيا وضع غير معتاد على الاطلاق، فمع ان السلطة قد انتقلت شكليا بعد الاطاحة بالقيصر الى الحكومة المؤقتة التي كانت دعامتها هي البرجوازية الكبيرة والصغيرة، كانت القوة الفعلية في أيدي سوفييتات نواب العمال والجنود، وكانت دعامتها هي الشعب المسلح أي الحرس الاحمر من العمال وجماهير الجنود من ذوي الميول الثورية. كان الشعار الذي طرحه لينين في كتابه "موضوعات ابريل" هو "لا تأييد للحكومة المؤقتة" وكان لينين يرى ان التنفيذ الفوري لشعار "تسقط الحكومة المؤقتة" واستبدالها بالسوفييتات عمل لم يحن اوانه بعد: "فبدون الاغلبية الراسخة للشعب في صف البروليتاريا الثورية فان هذا الشعار هو تشدق بالكلام، لأنه يتلخص موضوعيا في محاولات لها طابع المغامرة". وعندما تكف الجماهير عن الثقة العمياء في الحكومة المؤقتة، وعندما تقتنع بأنها ليست من اجل الشعب، بل ضده فسوف تقول الجماهير "كفى" وستنتقل السلطة كلها الى السوفييتات. وقال لينين مفسرا: يجب تحرير الحركة من تحت تأثير البرجوازية حتى يمكن تحريكها الى الامام. وطرح لينين ايضا في "موضوعات ابريل" مسألة قد تبدو شكلية بحتة ولكنها في واقع الامر ذات حدة سياسية كبيرة هي انه اقترح تغيير تسمية الحزب، واقترح في الظروف التي ابتعدت فيها احزاب اشتراكية دمقراطية كثيرة عن المثل العليا الاشتراكية وخانت مبدأ الوحدة الأممية، اقترح تسمية الحزب بالحزب الشيوعي وهي التسمية التي اطلقها عليه ماركس وإنجلز.