ودروس أمريكا أيضا..

حسن أحراث
2020 / 6 / 7

قد نموت وفي أنفسنا "شيء من لكن"..

تحدثنا وأسهبنا في الحديث عن الدروس والتجارب. لم نترك تجربة إلا ونبشنا في تفاصيلها (كثيرا ما كان نبشنا سطحيا)، من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا. مجدنا العمال والفلاحين الفقراء والمثقفين الثوريين والجماهير الشعبية المضطهدة... وكم تباهينا بالانتماء الى هذه التجربة أو تلك، حتى صار من عادتنا الاستدلال ببعض التجارب ودروسها، وأحيانا ببعض رموزها، من أجل الإقناع والدفاع عن مواقفنا وتوجهاتنا السياسية! وكلما لاح في الأفق جديد، ارتمينا عليه كارتماء الغريق على أي قش من أجل النجاة. وتابعنا جميعا الاحتفاء ببعض "الحناجر" المغردة في أجواء انتفاضة 20 فبراير والتهافت على "اقتناصها"، وما هو مآلها اليوم؟ ونذكر كيف تفجر الفرح في الأعين وبات حلم الخلاص قريبا إثر حملة المقاطعة، وكيف كان الرهان عليها لهزم "الليبرالية المتوحشة"!! ونذكر التعاطي العاطفي والشكلي مع نضالات الريف وجرادة وزاكورة... وبالمعنى المغربي: "تعاطف الدجاجة بدون أثداء"!!
لن أغوص كثيرا في الماضي سواء البعيد أو القريب، لأذكر الحديث وبحماس مبالغ فيه يشبه ما تملكنا رغما عنا إبان انفجار "الربيع العربي"؛ قلت أذكر الحديث عن دروس اليونان (سيريزا، أي تحالف/ائتلاف اليسار الراديكالي) وعن دروس اسبانيا (PODEMOS، بمعنى "قادرون") وعن دروس فرنسا (GILETS JAUNES، السترات الصفراء). لكن، "أفل" كل ذلك.. وسيتجدد الحديث عن دروس أخرى، ومن بينها دروس أمريكا أيضا (الربيع الأمريكي اليوم)..
كل التجارب مفيدة، ونؤكد الناجحة منها والفاشلة. لأنها تفتح أعيننا على الجديد وتخلصنا من بعض الإعاقة والشوائب التي لازمتنا لسنوات وعقود، وخاصة إعاقة الخوف وشائبة العفوية... وما حصل بالولايات المتحدة الأمريكية في هذه الآونة ليس جديدا في عمقه. بالفعل، ما حصل جديد في شكله وعرف انخراط فئات اجتماعية مختلفة، لكن بعاطفة وعفوية وتلقائية، وفي غياب أي ارتباطات طبقية أو تأطير تنظيمي فعلي ( أثر وتأثير "انتيفا" مثلا). فمادامت العنصرية مستمرة وبأبشع صورها، وكذلك الاستغلال والاضطهاد الطبقيين للسود وللبيض أيضا، لن يتوقف الاحتجاج ولن يهدأ بال المستأسدين على خيرات الشعوب اليوم أو غدا. لقد صدمت البعض منا همجية القوى القمعية الأمريكية وصلافتها، وهي نفس الهمجية الفرنسية التي تصدت لاحتجاجات السترات الصفراء. نحن خبرنا الهمجية بكل أصنافها، المادية والمعنوية، ولم نعد نتوقع غير هذه الهمجية في مواجهة نضالات الشعوب المضطهدة التواقة الى التحرر والانعتاق بكل بقاع العالم. فكما لنا دروس في تجارب الشعوب المستعبدة، للأنظمة الرجعية دروس في تجارب القمع والقتل. فعندما تصنع الشعوب الأشكال النضالية الراقية، تصنع الرجعية والصهيونية والامبريالية آليات الموت والدمار... فالقتل البشع الذي تعرض له المواطن الأمريكي جورج فلويد هو نفسه القتل الذي يتعرض له المواطن الفلسطيني من طرف الأجهزة القمعية للكيان الصهيوني.
ولننتظر الجواب الوقح، ليس بالضرورة من طرف النظام، ذلك تحصيل حاصل، بل من طرف أحزابنا السياسية وقياداتنا النقابية والجمعوية المتواطئة: هل نسيتم تدخل الأجهزة "الأمنية" بفرنسا في مواجهة السترات الصفر؟ وهل أغفلتم دور الأجهزة "الأمنية" بالولايات المتحدة الأمريكية بعد اغتيال جورج فلويد؟ إننا أرحم منهم في مواجهتكم أيها "الجاحدون"، أيها "الأنذال"، أيها "الأوباش"!!
لكن، ويا لكن!! قد نموت وفي أنفسنا "شيء من لكن" وليس "شيء من حتى" كما هو متداول. متى سنبقى منبهرين بهذه التجربة أو تلك، من دروس أوروبا وعبر أسيا وافريقيا الى أمريكا اللاتينية، ودروس أمريكا أيضا...؟
وضعت إجابات مختلفة بالمغرب وخارج المغرب، ومنذ مدة بعيدة؛ وليست كلها خاطئة أو تافهة. وراكم شعبنا ومناضلوه ما يكفي من التضحيات والبطولات. فلم يعد هناك مجال للتبخيس أو للاختباء وراء السؤال التاريخي "ما العمل؟" أو أسئلة أخرى كانت الى وقت قريب حارقة، مثل: لماذا يا ترى بعد كل هذه الدروس والتجارب، لم نغادر عنق الزجاجة؟ لماذا لم نبارح مكاننا رغم التضحيات المقدمة والجهود المبذولة؟ أين يكمن الخلل؟
الصورة واضحة، من يريد أن يعمل، فليعمل؛ ومن لا يريد أن يعمل، فليصمت. وليس الصمت غير تزكية الأوضاع القائمة، لأنه لا حياد في الصراع.
قرأنا عن التحالفات السياسية وسعينا اليها، بل ومارسنا بعضها ولو في صيغة التنسيق والتواصل وفي حدود ضيقة أو داخل بعض الإطارات الجماهيرية (الجمعيات والنقابات). لكنها فشلت، بل أنتجت الحقد على المناضلين وعلى الفعل النضالي الجذري. لأن لبعض أطرافها خلفية التركيع والولاء (القيادة) والخضوع للسقف الإصلاحي (نظريا). علما أن الواقع في حاجة الى إصلاحيين حقيقيين والى ديمقراطيين حقيقيين. فالصراع الطبقي يتقدم بتفاعل وتضحيات كل من ينشد التغيير الجذري. فلابد من رفع الشعارات البورجوازية، مثل الحرية والديمقراطية وباقي حقوق الإنسان والإصلاح الزراعي في مرحلة الثورة البورجوازية. ولابد من تحالف كل من تهمه هذه الشعارات، تحت قيادة القوى الثورية ذات الأفق البعيد (الاشتراكية والشيوعية).
درسنا تعدد الذكاءات، ولم نتبين بعد أي ذكاء يخصنا؛ نقصد أنفسنا، أي النخبة التي بنت لها الأبراج والمعابد والهياكل "الذهبية". لا نعمم، كما دائما، ولا نقصد العمال أو المناضلين الملتحمين بالعمال وبأوسع الجماهير الشعبية، وخير مثال اليوم ملاحم عمال امانور بطنجة وتطوان والرباط وعمال النظافة بالسعيدية والعمال الزراعيين باشتوكة أيت باها ومعارك وأخرى للطلبة والمعطلين ولأطر الصحة والتدريس وللمعتقلين السياسيين وعائلاتهم... ولا أقصد شعبنا، فانتفاضاته غنية عن التعريف، منذ الخمسينات الماضية الى اليوم، وشهداؤه أعصياء على الإحصاء...
وشئنا أم أبينا، نحن سجينو بوطقة البورجوازية الصغيرة، خاصة على مستوى الممارسة، نريد فرض ذاتنا المشوهة على الواقع، ونحن بعيدون عنه. حروبنا الهامشية لا تنتهي، ونرجسيتنا تقتل الفعل النضالي. وثبت عبر مراحل تورطنا في إعادة إنتاج مآسي شعبنا المتمثلة في التيه وتكرار، بل صنع الفشل. نسعى الى نجاح ذاتنا وإطاراتنا الهشة على حساب نجاح قضية شعبنا. وربما الذكاء الذي يخصنا هو "الذكاء الانتهازي" المستمد من انتهازية البورجوازية الصغيرة وتذبذبها، نظرا لسلبيته أمام إيجابية باقي الذكاءات. فبالعودة الى التجارب النضالية السابقة، سنجد القلة القليلة في صفوفنا التي بقيت على العهد وطوقت عنقها بمهمة صيانة الإرث النضالي لشعبنا وتطويره.. كلنا (أصحاب الذاكرة الحية) يذكر كم من أسماء قامت لها الدنيا، لكنها قعدت!! أين خريجي الجامعات وخريجي السجون (التي من قلبها ينبع الثوار) وخريجي الحركات والتنسيقيات والنقابات والتيارات السياسية...؟ لنمتلك ذرة من الجرأة، ولننظر في مرآة شعبنا. من نحن حقيقة؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا تحقق؟
إننا لا نحب "الآفلين" ولم نراهن عليهم أثناء "مجدهم" أحياء أو أمواتا، ولنعمل على توفير شروط "بزوغ" فجرنا الأكيد، فجر شعبنا الآتي...