تقديم دراسة: ماركسية أنطونيو غرامشي الثورية، بقلم ليفيو مايتان

المناضل-ة
2020 / 6 / 7

لم يمارس أنطونيو غرامشي، إبان حياته، تأثيرا حاسما في الحزب الذي أسهم في بنائه سوى خلال حقبة وجيزة إلى حد ما. فقبل انشقاق ليفورن (1291)، ومباشرة بعده، تعلق إسهامه النظري والسياسي بوجه خاص بمنطقة تورينو، ووازنته إلى حد كبير هيمنة بورديغا Bordiga على الصعيد الوطني. ولم يضطلع بدور رئيس في حزبه إلا بدءا من لحظة شنه، بتنسيق مع قيادة الأممية الشيوعية، معركته بقصد تكوين مجموعة قيادية جديدة. واستمر ذلك حتى اعتقاله. ومنذئذ، لزَم مُضي أكثر من عشرين سنة كي يتبوأ فكره وشخصيته مكانة مركزية في الحركة العمالية الايطالية.

كانت دفاتر السجن، التي جرى الشروع في نشرها في العام 8491، اكتشافا حقيقيا. لكن الميل إلى استعمالها لأهداف سياسية ظرفية طغى على تحليل قيمتها الجوهرية الخاصة. هذا فضلا عن كونها نُشرت إبان سنوات أكبر سطوة للستالينية على الحركة العمالية الايطالية. وتعرضت، مثل رسائل السجن، لصنوف تلاعب وحتى تزوير، يتحمل بلا شك پالميرو تولياتي Palmiro Togliatti مسؤوليتها المباشرة.

كان قصْدُ الحزب الشيوعي الايطالي الأول بنشره دفاتر السجن تعظيم هيبته الخاصة. فأحد مؤسسيه لم يقاوم بتفان ورباطة جأش الاضطهاد الفاشي وحسب، بل حافظ على كل قوته الفكرية في ظروف بالغة الصعوبة، مورثاً الحركة العمالية كتابات ذات قيمة سياسية وفكرية عالية جدا. فما خلا أنطونيو لابريولا Antonio Labriola، لم يقدم أحد هكذا إسهاما للماركسية بايطاليا.

لكن، كانت لقادة الحزب الشيوعي الايطالي مصلحةٌ أيضا في استغلال غرامشي في اتجاه أدق. فقد عرضوه رائدا للإستراتيجية التي تبنوا منذ العام 4491. وفي الآن ذاته، ما كان لما تمثله مقاربة غرامشي وأسلوبه من ثقل موازن إلا أن يُعينهم في تلك الحقبة حيث كانت الحركة الشيوعية العالمية تتراءى بسمات الستالينية المنفرة. نعيد إلى الأذهان، مثلا، أن ثقافة الحركة الشيوعية في متم سنوات الأربعين كانت تحت سطوة أندريي جدانوف، الذي أخضع الانتلجنسيا السوفيتية لمحاكم تفتيش. كان ذلك أمراً لا يُطاق من قبل الحزب الشيوعي الايطالي والمثقفين المتأثرين به ذوي الدور المهيمن إلى حد كبير في ثقافة البلد. وفور أن أصبحت دفاتر السجن، وبمقام أول الملاحظات حول المثقفين، معروفة بات بوسع الجميع إدراك الفرق وتفضيل الاستناد إلى غرامشي. [1]

بدأ طور ثان من استعمال غرامشي بعد مؤتمر الحزب الشيوعي الايطالي العشرين في كانون أول/ ديسمبر العام 6591. وفي تلك اللحظة بوجه، خاص جرى التأكيد على مفهوم الهيمنة. وذاك من أجل تخل نهائي عن مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا، وأقصى طمس لمنظور إستراتيجية الاستيلاء على السلطة.

بديهي أنه بقدر ما كان الحزب الشيوعي الايطالي يستكمل مراجعته الإيديولوجية والسياسية، بتبنيه المقاربة الاشتراكية الديمقراطية الكلاسيكية بصدد القيمة العامة للديمقراطية (البرجوازية) وبتعريف نفسه في آخر المطاف بما هو «جزء لا يتجزأ من اليسار الأوربي»، كان الاستناد إلى غرامشي يثير مشاكل لا حل لها. والصعوبة جوهرية بالمقام الأول، ولكنها تكتيكية أيضا. ووجب على قادة الحزب الشيوعي الايطالي، في محاولتهم منح ضمانات لشركاء فعليين أو محتملين، إثبات «تجاوزوهم» مراحل تاريخهم التي كان غرامشي رمزا لها. هكذا انتهى بهم الأمر إلى المواقف التي عبر عنها، في مقابلة حديثة العهد، أليساندرو ناتا Natta خَلفُ إنريكو برلنغير Berlinguer. صرح ناتا بوجه خاص أن تصوره للحزب لم يعد تصور غرامشي، وأن تصور غرامشي للماركسية «أصولي» وغير مستشرف للتصور الراهن للسبل الوطنية نحو الاشتراكية (أونيتا، 81 كانون الثاني/يناير عام 7691). وتبقى نظرية غرامشي، بنظر ناتا، صالحة بقدر ما كان غرامشي «ينطلق من الواقع الفعلي ويناضل ضد كل جمود عقائدي». هل يمكن تصور تفاهة أكبر من هذه؟

نرى من جانبنا أفضل تكريم لغرامشي، بمناسبة ذكرى وفاته الخمسين، في الجواب على سؤالين مفادهما: ماذا كان إسهامه التاريخي في الحركة العمالية الايطالية والعالمية؟ أما يزال فكره صحيحا اليوم؟