الديون الخارجية...وسوء ادارتها في مصر

احمد البهائي
2020 / 6 / 6

قالت وزارة المالية المصرية في بيان لها ،" في عودة قوية للسوق الدولية وبأكبر إصدار في تاريخها ، طرحت مصر سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار على 3 شرائح ، وان السندات بآجل استحقاق 4 سنوات و12 عاما و30 عاما، بقيم مصدرة تبلغ 1.25 مليار دولار، و1.75 مليار دولار، و2 مليار دولار لكل منهم على التوالي ، وعرضت مصر عائدا على المستثمرين 5.75% على شريحة الأربع سنوات و7.625% على سندات الاثنى عشر عاما و8.875% على إصدار الثلاثين عاما " ، وأوضحت الوزارة أن الطرح شهد منذ بدايته تزايداً مستمراً وقوياً لطلبات الشراء من قبل المستثمرين الأجانب من جميع المناطق والدول ، وصل حجم طلبات المستثمرين في المراحل النهائية للطرح وقبل الإغلاق إلى أكثر من 22 مليار دولار، وتقول الوزارة إن أسعار العائد تلك جيدة جدا في ضوء التقلبات التي تشهدها أسواق المال العالمية مؤخرا وارتفاع درجة المخاطر وعدم اليقين من قبل المستثمرين .
أظهرت بيانات اقتصادية حديثة صادرة عن البنك الدولي ، ارتفاع حجم الدين الخارجي المستحق على مصر ليسجل نحو 112.67 مليار دولار بنهاية 2019 ، محققًا ارتفاع نسبته 16.6%، وقدره 16.1 مليار دولار على أساس سنوي، مقابل 96.6 مليار دولار بنهاية 2018، وبإضافة قيمة تلك السندات الدولية الجديدة ، وقرض (تمويل طارئ ) بقيمة 2.77 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لتجاوز جائحة كورونا ، وبعض القروض الاخرى الصغيرة من بنوك وجهات ومؤسسات دولية مانحة يكون حجم الديون الخارجية المستحقة على مصر قد تخطت حاجز 120 مليار دولار (قروض وسندات)، رغم التحذيرات المتصاعدة من تداعيات ذلك على الاقتصاد، والتي تنبئ بكارثة لا مفر منها، غير أن السلطة النقدية والمالية في مصر ترى أن الديون ما تزال في مستويات آمنة !، وذلك في إعتمادها على مؤشر قياس نسبة رصيد الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الاجمالي والذي اقترب بالفعل الى 50% من قيمة الناتج المحلي، متجاهلين مؤشرات قياس اخرى اكثر اهمية ، اصبح يعتمد عليها الان في عملية القياس كنسبة رصيد الدين الخارجي من رصيد اجمالي الصادرات الخارجية ، الذي من خلاله يؤكد ان ديون مصر الخارجية تقع في خانة الديون المتفاقمة ، حيث أن الديون الخارجية تجاوزت بكثير الرقم الذي وضعه صندوق النقد الدولي، واصر على ألا تتعداه الحكومة وهو 98 مليار دولار، في نهاية العام المالي 2019 /2020، وهو آخر عام مالي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق بشأنه مع مصر.
اذا من يراجع أسعار الفائدة الثلاث (5.75% و7.625% و8.875%) المقدرة على أجل وقيمة الشرائح الثلاث ( أجل 5 سنوات بقيمة 1.25 مليار دولار، وأجل 12 سنة بقيمة1.75 مليار دولار،وأجل 30 سنة بقيمة 2 مليار دولار ) للطرح الجديد، يعلم أن التصنيف الائتماني هو في حقيقته أقل بتسع درجات عن درجة الإستثمار ذات جدارة ائتمانية اقل من المتوسط (Baa3)، أي هو في حقيقته عند مستوى Ca حسب تصنيف وكالة موديز التي تعتبر من أهم وكالات التصنيف العالمية، رغم ما قيل عن تحسنه حسب وكالة موديز وتثبيته عند B2 مستقرة ، وستاندرد آنديورزB مستقر، وفيتش+B مستقرة ، ما يعني وجود مخاطرة عالية، وهذا يعني أن تصنيف مصر الإئتماني المعلن عنه ليس حقيقيا، فعند مقارنتها مع أخر إصدار كان في نوفمبر2019 والمقدر ب 2 مليار دولار ، تجد انها تتفق معها في الأجال ، بينما إختلفت في أسعار العوائد عليها ، هذا ما تجده بالفعل ، حيث إرتفعت أسعار عوائد الاصدار الجديد عن أسعار عوائد الاصدار الاخير التي كانت على التوالي (5% و7.5% و8.15%)، رغم ان التصنيف الائتماني لمصر كان وقت الطرح الاخير هو نفس التصنيف الإئتماني المثبت للطرح الجديد ، ولتأكيد أن تصنيف مصر الإئتماني المعلن عنه ليس حقيقيا ، ولا يتفق تطبيقه مع أسعار العوائد المفروضة على أجل وقيمة شرائح السندات المطروحة ، تجد ان أسعار عوائد سندات الطرح الجديد ، أعلى من اسعار عوائد السندات التي طرحت في فبراير2018 ، التي كانت على التوالي 5.58% و6.59% و7.9% ، رغم ان التصنيف الائتماني لمصر كان وقت هذا الطرح ، حسب وكالة استاندرد اند بور B سالب ، ووكالة موديز 3 B مستقر ، ووكالة فيتش B مستقر، أي اقل من تصنيف الطرح الجديد ، ليؤكد ان تصنيف مصر الائتمانئ المعلن عنه ليس حقيقيا ، ولتأكيد ذلك ، كانت مصر قد طرحت في يونيو 2015 سندات مدتها عشر سنوات لاول مرة منذ 2010 بفائدة 6 %، وكان وقتها تصنيف مصر حسب وكالة فيتش B سالب ، هذا يعني ان الارتفاع في التصنيف ليس حقيقيا ، وان تصنيف مصر الائتمانئ المعلن عنه ليس حقيقي ، إذا سقف السندات عند تلك العوائد الجديدة، توصف بأن الالتزامات ضعيفة وتخمينية بصورة كبيرة وتحمل مخاطر إئتمانية مرتفعة جدا ، والدول التي تحمل هذا السقوف تكون متأخرة مالية وغير قادرة على السداد ، ومهددة بالإنزلاق المالي ، فزيادة معدل مبادلة المخاطر ينتج عنها إرتفاع سعر الفائدة ، وهو ما جعل المستثمرين يطلبون عوائد بالغة الارتفاع ، حيث تكون معدلات الخسارة عند كل درجة تقترب من 40% ، ولكي نعرف حجم الكارثة الحقيقية، علينا أن نعلم، أن هذا الطرح الجديد يمثل واحدة من ثماني أطروحات تمت حتى الآن، فالفكر الاقتصادي المتبع، يشير أن هذا الطرح لن يكون الأخير، حسب التصريحات الأخيرة لوزير المالية .
العجز المستمر والمتزايد في الموازنة العامة لمصر، علينا ان نعترف انه راجع الى سوء إستخدام وتوزيع وتوظيف متحصلات الدولة من الايرادات العامة ، والتزايد المستمر في النفقات العامة ، بصورة تفوق بشكل كبير وملحوظ النمو في الايرادات العامة للدولة ، مما ترتب علية اللجوء الى الدين العام لسد تلك الفجوة ، فالهدف الرئيسي لإدارة الدين ومنه الخارجي يتمثل في توفير الإحتياجات التمويلية الحكومية والوفاء بالتزاماتها بأقل تكلفة ممكنة في الاجلين المتوسط والطويل في ظل مستوى مقبول من المخاطر، فالإستمرارية والإعتماد المتزايد على الدين الخارجي والنمو المتسارع لحجم الدين الخارجي ، والزيادة الكبيرة في أعباء خدمته ، يؤكد انه لايوجد حتى الان نظام جيد لإدارة الدين العام الخارجي بالمعنى العلمي السليم ، وأن هناك سوء في إدارة هذا الدين ، حيث يؤكد ذلك ، إرتفع حجم الدين الخارجي ليتجاوز 120 مليار دولار، بتلك الزيادة قفز الدين الخارجي للدولة المصرية بنسبة 150% خلال السنوات الخمس الماضية ، التي منها ثلاث سنوات هي سنوات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي، فقد زاد الدين الخارجي في مصر بمعدل 17٪ خلال عام 2018، اما في عام 2019 زاد الدين الخارجي للبلاد20.4 % على أساس سنوي ، حيث من المرجح 2020 ان تتعدى الزيادة في حجم الدين الخارجي لمصر 33% على اساس سنوي ، ما جعل مصر أسرع دول المنطقة نموا من حيث حجم الدين الخارجي، ليكون أكثر من ثلاثة أضعاف النمو في الناتج المحلي ، حيث اصبح الدين الخارجي يعادل ثلاث اضعاف الاحتياطيات من العملات الأجنبية ، وأربع أمثال الصادرات المصرية ، وارتفع متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي عام 2019 ليصل الى قرابة 1000 دولار.
يرجع سوء ادارة الدين الخارجي في مصر ، *الى فشل الحكومة حتى الان في الوصول الى استراتيجية للتعامل مع الدين ، تتجسد في اللجوء الى ادوات دين اقل تكلفة من تلك التي تستخدمها في السنوات الماضية ، بهدف تقليص الالتزامات الكبيرة التي يتوجب عليها إنفاقها ،* كذلك الى العديد من العوامل السياسية والمؤسسسية والادارية والتنظيمية فالقرار الاقتصادي مازال يهيمن عليه الإعتبارات السياسية مما يؤدي الى قصور في آليات اتخاذ القرار الاقتصادي في مصر ، * ايضا تعاني عملية ادارة الدين من عدم توافر الكوادر البشرية المدربة والمؤهلة وغياب هياكل الحوافز الملائمة ، * كذلك الإطار التنظيمي لإدارة الدين يفتقر الى التنسيق الكافي بين جهاته والتي منها غياب التنسيق بين السلطة النقدية والسلطة المالية ، * الغياب المطلق للتخطيط واعتماد سياسات اقتصادية ومالية غير مبنية على أسس علمية صحيحة تحدد نمط تخصيص الانفاق على قطاعات الدولة ، والتي منها قد يفوز قطاع بنصيب الاسد على حساب قطاعات اخرى رغم ان العوائد منه قد تكون معدومة وشحيحة على الدولة ، *غياب الحوكمة وتفشي الفساد وانعدام درجة الرقابة على أداء الحكومة ، أدت كلها إلى تشوهات هيكلية وبنيوية في الاقتصاد وإضرار كبير بقطاعات الاقتصاد الحقيقي ، لنتساءل من جديد: من سيتحمل تبعات وأعباء تلك الكارثة الكبرى؟.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية