رسالة في نظرية اللوغوس عند فيلون الإسكندريّ

نايف سلوم
2020 / 6 / 6

تم اختيارنا لهذا الفصل الهام من كتاب بريهييه، ذلك وكما يقول مؤلفه: "إن دراسة نظرية اللوغوس هي دراسة مذهب فيلون كله. فهو الكلمة الإلهية التي صلصلت في سلسلة الكائنات جميعاً من طرف إلى آخر. إنّه مبدأ ثبات العالم وفضيلة النفس الانسانية"، وأنّه أيضاً مبدأ كل ثورة وتحول في نفس الوقت.
عرف قبل عصر فيلون تصورات مشابهة للوغوس، منها: اللوغوس الرواقي، والحكمة اليهودية للأمثال والحِكَم، والكلمة في الكتاب المقدس.
لا ريب أن البحث عن مدى تأثر فيلون بهذه التصورات أمر مهم ومفيد، رغم أنه، ومنذ زمن طويل، وهذا العمل قيد البحث. وقد سار سيراً مرضياً من بعض النواحي، ومع هذا بقي مذهب فيلون حتى الآن غامضاً وعجيباً. والعجيب في الأمر هو طريقة البحث هذه؛ فبدلاً أن ترينا وحدة هذه التصورات لدى فيلون، جعلتها أجزاء متفرقة إلى حد كبير، ما قادها إلى استنتاج فكرة خاطئة مفادها: "النظر إلى اللوغوس الفيلوني على أنه ركاماً دون نظام من الأفكار الإغريقية واليهودية عن الوسطاء بين الله والعالم، ويكون اللوغوس (مجرد) عنوان لجميع هذه التصورات والأفكار". هكذا يظهر (وهو ظهور شيطاني خادع) تقدم كل من هذه المصادر متفوقاً على فيلون. واعتقد أن هذا الانطباع جاء نظراً لطبيعة العقل الفلسفي "الغربي" الاستدلالي المهيمن على الأبحاث الخاصة بعمل فيلون ومصادره. حيث يجري هنا اخضاع "أمر النبوة" لفهم فلسفي استدلالي طبيعي. إضافة لذلك تعود هذه الفلسفة الوضعية إلى التصريح من المقلب الآخر: أنّه من المستحيل اعتبار فيلون مجرد راوي أقاويل".
لهذه الأسباب ونظراً لتأثر مذهب فيلون بأسلاف كثر قبله، ونظراً لتداخل دراسة اللوغوس مع أمور أخرى كثيرة في مذهبه، يكون من الأمور الاستثنائية معالجة مذهب اللوغوس لنفسه". إن المقاربة الفلسفية الوضعية للوغوس عند فيلون، جعلته يظهر على أنه "السبب المشترك لكل أجزاء العالم". هذا المفهوم أو التصور، نجده حياً في كتابات فيلون. وهو طور أول أو عتبة أولى من عتبات فهم اللوغوس عنده. لكن الفكر الفلسفي الاستدلالي يحاول اختزال لوغوس فيلون إلى هذه العتبة فحسب، وهي التي يسميها انجلز بـ "ديالكتيك الطبيعة"، حيث يقوم انجلز في الكتاب بتعريف الديالكتيك تعريفاً عاماً أولياً بقوله: "الديالكتيك يتكلم عن الترابط الشامل"
يأخذ فيلون هنا بالتصور المشائي (الأرسطي) الذي يتحدث عن الصورة الملازمة للحقيقة؛ السبب المشترك لأشياء العالم، أي يأخذ المنطق الاستدلالي الطبيعي الذي يهدف إلى الكشف عن ديالكتيك الأشياء الطبيعية. بالطبع هذا أقصى ما يمكن لعقل استدلالي طبيعي فلسفي أن يصله بخصوص الألوهة، حيث يشكل هذا اللوغوس (الاستدلالي الطبيعي) عند الرواقية المبكرة(الغربية) أحد الأسماء التي تتخذها "الألوهة العليا". بينما ينكر فيلون، الذي يعمل وفق مبدأ (اللوغوس-ميتوس) الخاص بالنبوة "الشرقية"، أن يكون اللوغوس الاستدلالي الفلسفي، مع الصفات التي له عند الرواقية المبكرة، أن يكون هو "الإله الأعلى"، ويؤكد أنه مجرد وسيط؛ "الوسيط بين الله والعالم". إن الصورة الملازمة التي تحدث عنها ارسطو في كتابه "الميتافيزياء" أو ما بعد الطبيعة، والتي يتم تحصيلها بالاستدلال المنطقي وبالقياس والبرهان، أي يتم تحصيلها بمنطق ارسطو الاستدلالي المنطقي، هي الوسيط بين الله والعالم، في الديالكتيك الصاعد؛ أو ما ندعوه بـ رفع حقيقة العالم القائم إلى مستوى العقل الشامل عن طريق الاستدلال والبرهان والقياس الفلسفي. وهذا أيضاً منهج العلم الوضعي الجزئي القائم على الملاحظة والتجربة والقياس والاستقراء (من الخاص إلى العام)؛ قائم على ملاحظة أجزاء العالم الملقى أمامنا. من ثم عقله وكشف قانونه في مستوياته الخاصة، وقانونه العام (ديالكتيك الطبيعة)؛ أي كشف "السبب المشترك للأشياء في العالم"، حسب التعبير الرواقي.
يعتقد بريهييه، تحت ضغط النزعة الاستدلالية "الغربية"، أن فيلون قد غيّر وحرّف في "اللوغوس الرواقي" هذا، بينما يعود سبب سوء فهم بريهييه لفيلون إلى هذه اللوثة الاستدلالية الطبيعية في فهم "النبوة"، والإله المتعالي" لدى فيلون. بينما يأخذ فيلون "اللوغوس الرواقي" على أنه الوسيط بين الله والعالم. يكتب بريهييه: "نستطيع أن نبين تحت تأثير أي التصورات التي يُظلم بعضها بعضاً، نال اللوغوس الرواقي ما ناله من تحريف وتغير في مظاهره" على يد فيلون.
اللوغوس الرواقي نظراني فلسفي، مهمته عقل السبب المشترك لكل أجزاء العالم. فهو مغتبط بالتفسير والكشف عن العقل في العالم، ولا يأبه لما بات غير معقول فيه. كهيجل في اغتباطه بتفسير واقع الدولة البورجوازية. يقول في تصدير كتابه "أصول فلسفة الحق": "هذا الكتاب إذن وهو يحتوي على علم الدولة، لا يريد أن يكون أكثر من محاولة لفهم الدولة ورسم صورة لها بوصفها شيئاً عقلياً بذاتها. ولابد له (الكتاب) – بوصفه عملاً فلسفياً-أن يكون بعيداً عن محاولة بناء دولة ما على نحو ما ينبغي ان تكون عليه الدولة. والدرس الذي يتضمنه لا يمكن أن يعتمد على تعليم ما ينبغي ان تكون عليه الدولة. إنه لا يبين إلا الكيفية التي ينبغي أن تفهم بها الدولة بوصفها عالماً أخلاقياً. هنا رودوس، هنا تقفز " . إن وظيفة الفيلسوف حسب هيجل "أن يجد البهجة والمتعة فيما هو حاضر باكتشاف العقل الكامن فيه.. إن الفلسفة يمكن أن ترقص طرباً للمتعة التي تجدها في هذا العالم، وليست بحاجة إلى تأجيل رقصها، أعني متعتها وبهجتها، حتى تفرغ من بناء المثل الأعلى للدولة في مكان آخر"
أما لوغوس فيلون (لوغوس-ميتوس) فهو ديني-ميثولوجي (قصصي)، له إضافة إلى العقل؛ عقل العالم القائم، مهمة تأسيسية تخيلية؛ إنه علم وقوة عاملة؛ قوة تكوين كون جديد تخيلي، نظرية وممارسة.
في النقد الأخلاقي – نظرية الرموز، يطرح نورثروب فراي فكرة شبيه كل الشبه بعمل فيلون، حيث يمرّ نقد القصيدة بأربعة أطوار: الطور الحَرْفي (المعنى هنا حرفيّ بالمعنى الشائع والمتواضع عليه)، حيث الرمز إشارة، والطور الوصفي، حيث الرمز الطبيعي فكرة راجعة (تراصف واضح للكلمات مع الوقائع؛ صورة شعرية أو صيغة لغوية متكررة أو استحواذ صور الطبيعة في المحاكاة. لا وجود هنا لاستعارات، بل لتشبيهات). الطور الثالث هو الطور الشكلي ، حيث الرمز بوصفه صورة عقلية، الطور الرابع التكويني، الرمز بوصفه جوهراً– فرداً anagogic phase symbol as monad، ينقلنا هذا الطور التكوني من النقد الأخلاقي إلى الطراز الميثولوجي-الديني للنقد، الذي يبحث عن أصل الآلهة theogony، وتأسيس الكون التخيلي الجديد. نرى صلته بالكون أيضاً في البنية الشمولية الواسعة للشعر الذي يلوح على أنه عالم كامل في ذاته، والذي يقف في ثقافته مخزناً لا ينفذ للإيحاء التخيلي، ويبدو أنه قابل للتطبيق أو الانطباق على كل أقسام الكون الأدبي. في هذا الطور نرى تكملة الثورة التخيُّلية (في القصيدة) التي بدأت حين عبرنا من الطور الوصفي(الطبيعي) إلى الطور الشكلي في الرمزية. وعندما نجتاز هذا الطور الشكلي إلى التكويني لا تعود الطبيعة هي الحاوية المستوعبة، بل تصبح شيئاً مستوعَباً. الطبيعة الآن داخل عقل انسان تاريخي لانهائي يعمر مدنه خارج المجرّة: هذا ليس واقعاً، بل حد الرغبة المتخيَّل، هو اللانهاية أو الأبدية، لهذا فهو كشف عن المستقبل (apocalypse)؛ رؤيا وقيامة" الشعر في الطور التكويني يحاكي الفعل البشري، بوصفه شعيرة إجمالية، وبذلك يحاكي مجتمع بشري كلي القدرة يستوعب كل طاقات الطبيعة في داخل ذاته ، ويخلق عوالم (أكوان) جديد باستمرار. هذا الطور التكويني المرتبط بالحلم الإجمالي، لا تستطيع استيعابه أي مدنية فعلية، أو مجموعة قيم خلقية، ما يجعل أية بنية خيالية لا يمكن قصرها على تفسير مجازي واحد.. هنا لا تعود فكرة الفن محاكاة لفظية (فكر استدلالي طبيعي: معنى[عين]) dianoia"، بل تصبح dianoia هي الكلمة Logos [غاية المعنى أو عين العين، أي فعل إبداعي شامل؛ تجلي الشكل الجديد؛ أو الشكل المتميز ؛ سرد: mythos، أي الكلمة الصانعة التي هي في وقت واحد عقل وفعل خالق Praxis كما حدس غوته بفاوست" . أما أشخاص الفن وتشخيصه ethos فلم يعد فئة من الأفراد ضمن إطار طبيعي(طيني) ولكن شخص (روحاني) كوني هو في الوقت ذاته كائن إلهي، أو كائن إلهي يتم تصوره بحدود التشبيه (نقل الإحساس بقوة لا معقولة في شكل متأنسن). إنّ شكل الأدب المتأثر تأثراً عميقاً بالطور النكويني هو الكتاب المقدس أو الكشف الملهم.. معظم هذه الكتب المقدسة وثائق دينية، وبالتالي فهي مزيج من المتخيل والوجودي"
هذا اللوغوس الاستدلالي الطبيعي الفلسفي، أظهره عمل هينز Heinze حيث بين "وجود تصور للوغوس" كرباط لأجزاء العالم؛ أو ديالكتيك للطبيعة. وهو يرجع بشكل أساسي للفلسفة الرواقية المتأثرة بهيراقليطس وأفلاطون (ما يمكن أن نسميها رواقية متأخرة أو مُحْدَثة).
يكتب بريهييه: "من المعروف بواسطة نص للمؤرخ بلوتارك، أن الرواقيين كانوا يرون "لوغوساً" [ديالكتيك للطبيعة] تحدث بحسبه حوادث العالم وأمور الكون"، وهذا اللوغوس العام ليس بالنسبة إليهم مختلفاً عن المبدأ الأعلى الذي يسمونه "طبيعة مشتركة" أو "قدراً" أو "عناية" أو "زيوس". وقد قبل فيلون هذه الفكرة عن اللوغوس دون تعديلها مع تغيير اسمها: اللوغوس هو رباط الكائنات جميعاً، يؤلف بينها ويمنعها من التفكك والانفصال، يكوّن نسيج كل كائن، إنه يحكم الكون، وهو منه بمثابة الرُبَّان من السفينة." وهذا التصريح يعاكس قول سابق لبريهييه ، من أن فيلون "حرّف اللوغوس الرواقي".
وفيلون يرى وجود عدد من اللوغوسات النطفية، وهذا مماثل لحديث إنجلز في "ديالكتيك الطبيعة" عن "العلوم المفردة ومضمونها الديالكتيكي"
يُجري فيلون تعديل في التسمية على اللوغوس الاستدلالي، والذي يدعوه الرواقيون، تحت تأثير أرسطو: إكسيس " εξισ " "الحال"؛ "حال العالم"، ويدعوه هو بـ "اللوغوس الإلهي"، ويتوسع فيه. يتحدث أرسطو في "كتاب النفس" عن "عقل عملي" (وهو المرشد في الأعمال)، حيث يميز أرسطو بين الممكن (ما هو بالقوة) والمتحقق (ما هو بالفعل)، ويشير في آن واحد إلى سيرورة هذا التحقق. فبين الإمكان الصرف والتحقق الصرف ثمة حال وسطى يسميها أرسطو باليونانية "أكسيس" ("εξισ") الحال الوسطى أو الملكة أو الامتلاك حيث يعرفها الكندي بالقول: الملائكية: الحياة والنطق وهي لا تموت بعكس الانسان الذي يمتاز بالحياة والنطق والموت" . هذا العقل الفعّال "القادر على إحداث كل شيء هو ملكة (habitus) أو كما في اليونانية "أكسيس(εξισ) كملكة، كحال ما " وهو عقل غير مائت، دائم. عقل يعقل وله ملكة لكي يعقل؛ عقل بحسب الملكة (أو العادة أو الفعل أو الحالة الوجودية الثابتة بذاتها) العقل الفاعل عند الاسكندر الأفروديسي يصير هو العقل الفعّال عند (فلاسفة) العرب" هذه المرتبة الوسطى(وسيط) يسميها أرسطو حال(εξισ)، حال الملك أو الامتلاك (امتلاك العلم الكامل)، وهي حال بالفعل غير أنّه ينقصه أن يظهر بآثاره او أن يُستعمل بمباشرة النظر أو العمل؛ وعند ذلك يحقق الشخص أو الفاعل كمال صورته"
العقل-نوس (νοϋϚ) واحد بالذات، ولكن ارسطو يميز بين ناحيتي فعله: فهو من جهة قوة فكرية ويستعمل في تسميتها تسميات عدة، مثل لوغوس، فكر، عقل نظري، القوة العلمية. وأخرى، المرشد في الأعمال أو العقل العملي (Dianoea praktiki) وهو الذي يفعل بقصد غاية، وهو الذي ننظر به في الأشياء القابلة للتغيير. فغاية الأول هو معرفة الحقيقة لذاتها، وغاية الثاني معرفة الحقيقة من حيث ما ينبغي أن نفعله أو نتجنبه من الأفعال"
هذا الحال "حال العالم" أو لوغوس ممدود من المركز إلى الأطراف ومن الأطراف إلى المركز، يقوم بالسير غير المرئي للطبيعة (ديالكتيك الطبيعة) جامعاً الأجزاء كلها ومؤلف بينها، إنّه هو الرباط الذي لا يكسر لكل شيء. هذا الرباط يجعل الفراغ داخل العالم ممكناً وموجوداً، وغير موجود خارج العالم. هذا الرباط يمنع أجزاء العالم من الزوال.
وكليؤميد المشائي الأرسطي الذي يحاجج ضد الفراغ (الخلاء) خارج الكون، يأخذ بفكرة "الحال"(اكسيس) المشائية، يقول: إذا كان يوجد خلاء (خارج العالم والكون)، و"المادة" التي هي نفسها سيالة، ستتبدد إلى ما لانهاية. وكليؤميد يرد على هذه الحجة الثالثة بأن هذا لا يمكن أن يحدث لأن هذه "المادة" (الكون الطبيعي) لها "حال" (εξισ) تحتويها وتحفظها. وهذا هو الجواب الذي يصطنعه فيلون: المادة لها حال يحتويها ويحفظها"، لكنه يستبدل كلمة "حال" (εξισ) الرواقية-المشائية، بكلمة "اللوغوس الإلهي" إلا أنّه غير مشغول بمسألة وجود أو عدم وجود فراغ خارج العالم. يبدو أنّ أمر عدم وجود خلاء خارج العالم محسوم بالنسبة إليه.
"اللوغوس الإلهي" بالنسبة لفيلون لوغوس عقلي وسيط له وجود فعلي، وجود بالامتلاك؛ امتلاك علمي كامل من دون أثر لفظي او عملي في الخارج، "حال" لم يؤمر بالقرآءة kairosبعد، هو Logosمن دون Kairos . هو كمال علم بالملكة من دون ممارسة دعوية أو عملية، فوقت إعلان الدعوة لم يحن بعد. سيكون اسمه "فوهو مانو" في المجوسية الزرادشتية، و “هَرّوح هقّودش” في اليهودية، والروح القُدُوس في المسيحية، وجِبريل في الإسلام. والجَبْر الذي نُسب إليه جَبْرئيل أصله في السريانية والعبرية (جِفر)، وفي الأرامية (جبار) ومعناها رجل، ومنه جِفرئيل أي رَجُل الله، مَلَك. وفسرها لغويو العرب بمعنيين: الملَك والعبد. قال الجوهري والأزهري: جبر بمعنى عبد(وسيط)، وإيل اسم الله. وردّه أبو علي الفارسي وغيره وقالوا: إيل هو العبد (إل هو الوسيط في ألم) وما عداه هو الاسم من أسماء الله، واستدلوا على ذلك باختلاف جبر في أسماء الملائكة، دون إيل" وفي حديث لجبريل قال: "خشيت أن يتم فرعون الشهادة والتوبة، فأخذت قطعة من حال البحر فضربت بها وجهه"
I
اللوغوس القاسم
من المعروف أن انسجام العالم ووحدته، في رأي هيراقليطس، يرجع إلى قانون غير مرئي يسمى اللوغوس، كما يسمى بأسماء أخرى (الديالكتيك). إن اللوغوس يؤكد التوازن والسلام بين قوى العالم المختلفة المتضادة التي يهدّد بعضها بعضاً بالتوتر والهلاك. وإذا كان يستطيع القيام بهذا الدور، فإنه نفسه حقيقة المتضادات وجماعها" يكتب انجلز بخصوص قوانين الديالكتيك الرئيسية: تحوّل الكم إلى كيف، والتداخل المتبادل للأضداد القطبية، وتحول أحدهما إلى الاخر عندما تبلغ حدودها القصوى، والتطور من خلال التناقض أو نفي النفي" ويتابعه لينين: "إن ازدواج ما هو واحد ومعرفة جزئيه المتناقضين (راجعوا هيراقليطس لاسال، ورأي فيلون بهيراقليطس) يشكلان جوهر الديالكتيك"
من هذا المذهب الهيراقليطي عن وحدة المتضادات وجماعها (وحدة الأضداد وصراعها)، الذي تناوله الرواقيون بالتغيير كثيراً أو قليلاً، نجد عنصراً يرجع إلى عناصر اللوغوس الفيلوني: "اللوغوس القاسم" أو المعتبر قاسماً. وهنا تطرح فكرة دور القسمة في تكوين العالم. وهذا يحيلنا إلى معجزة محمد السماوية في مكّة حين اقتربت الساعة أو القيامة؛ معجزة شق القمر! (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) .
وفيلون الذي لا يذكر المؤلفين الذين أخذ عنهم إلا نادراً جداً، يعرفنا هنا أن التوسّع الذي قام به يرجع إلى هيراقليطس. ويعقب: "هيراقليطس استمده من موسى" والنتيجة واحدة. إنّه يبين فيه على التعاقب تقاسيم العالم المزدوجة، ثم ما يوجد من تعارض واختلاف بين هذين الجزئين(الضدين). يكتب لينين: "في الرياضيات: التفاضل والتكامل، في الميكانيك: الفعل ورد الفعل، في الفيزياء: كهرباء موجبة وكهرباء سالبة، في الكيمياء: اتحاد الذرات وانفصالها، في العلم الاجتماعي: صراع الطبقات(النضال الطبقي وانقسام المجتمع الواحد إلى طبقات متصارعة) " هذه الآراء الكونية تحتل مكاناً هاماً في كتابات فيلون ، و مقارنة النصوص المختلفة تقودنا إلى مرجع او معين آخر تلفيقي ، وإن كانت النزعة الهيراقليطية فيه هي السائدة" يقول فيلون في "استهلال النبذة": إن أجزاء العالم مقسمة إلى قسمين، والجزء الأول من "النبذة" (الشَّذْرة) هو الخاص بالمساواة" والمساواة مرتبطة فيها بالعدل(العدالة: δική)[دايكي]. ومعروف أن العدل يقوم بدور هام عند هيراقليطس. "إن تساوي كل من جزئي التقسيم" يشرحه فيلون في مكان آخر، حيث ترد "فكرة تناسق الأضداد في العالم"، بأن هذا التناسق وهذه المساواة مرتبطة فيها بالعدل(دايكي). يبدو أن التلفيق في آراء فيلون مصدره المزج والتلفيق الجلي من تعدد الأمثلة الرواقية والتي يرجع أصلها إلى هيراقليطس، كالتقسيم إلى معقول ولا معقول. كما ترد لدى الرواقيين فكرة "القطع"[تومي] (τομή) المطابقة لفكرة التقسيم. فالمذهب الرواقي يعتبر أن العناصر الأربعة كانت بادئ ذي بدء مختلطة "بالمادة" ثم انقسمت. جاء في سورة الأنبياء: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) يوجد مثل هذا أيضاً في محاورة (طيماوس) لأفلاطون (فقرة: الانسان عالم صغير) ، حيث يظهر مفهوم " القطع" أو القسمة مطابقاً لفكرة (τάξίϛ) (تاكسيس:النظام) الأفلاطونية وهي مطبوعة بميزات التصور الرواقي عن القدر، وتوجد شذْرة كاملة لدى بلوتارك عن تقسيم الكائنات، قد نسبت صراحة إلى الرواقيين.
يتحدث فيلون عن اللوغوس باعتباره مبدأ توافق الأضداد وصداقتها". يكتب لينين: "ولأجل إدراك جميع تفاعلات العالم من حيث "حركتها الذاتية"، من حيث تطورها العفوي، من حيث واقعها الحي، ينبغي إدراكها من حيث هي وحدة من الأضداد .. إن التطور هو نضال الأضداد" يكتب بريهييه: ومما هو جدير بالملاحظة أن البحث الخاص بالعالم لأرسطو المزعوم (المنحول)، قد أورد نفس الفكرة، وربطها من جهة بأحد أقوال هيراقليطس، ومن جهة أخرى، بالتعريف الرواقي للوغوس (القوة المنبثة في الأشياء جميعاً)" . في "المسائل" يشبه فيلون "اللوغوس القاسم" بمدية يشحذها الله ليقسم بها الكائنات إلى أصغر أجزائها " ويرتبط هذا بنشاط المتضادات المنتج، نشاط اللوغوس المنتج باعتباره أيضاً وسيطاً. (يمسكها اللوغوس ويحفظها من الاختلاط والشرور). هو قاسم ووسيط لبناء وحدة الأضداد. يقسم الأضداد ويبقيها في وحدة حيث تتصارع.
لكن ما هي الصلة التي بين لوغوس فيلون وبين اللوغوس الرواقي؟
النظرة الرواقية تلحّ بشكل خاص على إثبات وحدة العالم أو الكون. ونلمح فوراً هيمنة المنطق الاستدلالي "الطبيعي" في الرواقية. وهذا ما كان ينفر منه فيلون. إن خطر هذا المذهب الفلسفي الرواقي، في رأي فيلون، كما يُعبّر عنه في الغالب، هو في الفظاعة الميثولوجية للاحتراق الكوني، الذي يذهب بالتمييز بين الكون والله. أي أن الاحتراق الكوني التلقائي يلغي دور الله في خلق العالم، بعد أن أفل العالم القديم، فذابت شمسه (كوردة من دهان)، وتعملق نجمه واحمرّ، وانشق قمره للتو (معجزة شقّ القمر). كما أنّ هذا الاحتراق التلقائي القياميّ للكون يكرس العفوية-الجبرية ويجعل من كل نظرية للتنظيم الثوري أمراً نافلاً. على هذا الأساس ينفر فيلون من العقل الاستدلالي الوضعي والحتمية الميكانيكية الذي يعتبر الثورة من دون ثوار؛ من دون فاعل مؤسس مكوّن لكون جديد. وينفر من هذه الفلسفة أيضاً لدى الرواقيين التي توحّد بين الله والعالم، كما ينفر من فكرة التوازن الثابت الدائم بين أجزاء العالم"، وهو سمة مذهب الاختلاط والشرك؛ الإلحاد وعدم التقوى-حسب عبارة فيلون، الذي كان مع هذا مذهب بعض اليهود (وما مذهب سبينوزا الأخلاقي إلا المذهب الرواقي) . إن ثبات العالم يعني انّه قديم غير حادث (وهي نظرة متأثرة بالاستدلال الوضعي الطبيعي) بالتالي تنفي فكرة "الخلق عن عدم"، وفكرة ظهور كون جديد، كما تزهق فكرة هيراقليطس عن "الأدوار والأكوار" و"السنة الكبرى" ولاحقاً فكرة اليوم الآخر عند فيلون. وتذهب معها فكرة التحولات الاجتماعية-التاريخية السياسية الكبرى والثورات الاجتماعية (وفكرة الكون النوراني المؤسِّس). لقد عاش القياصرة والبلاشفة على أرض روسيا، وعيسى عاش على الأرض نفسها التي كان فيها خصومه. إن فكرة التحولات التاريخية الكبرى ضمن الاستمرارية الطبيعية(الجغرافية) أوحت بفكرة التطور الحلزوني لدى انجلز ولينين. يقول انجلز: "التطور من خلال التناقض أو نفي النفي-حلزونية التطور" . يكتب محي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية-السفر الأول، تحت عنوان (تأملات في الحقيقة الوجودية): "الحمد لله الذي اوجد الأشياء عن عدم وعدمه" .
لقد وجد فيلون في "اللوغوس القاسم" [وجهه القاسم] ضمانة الفكر الجديد، أو "العهد الجديد" الذي بشّرت به المسيحية المبكرة.
إذا كان لوغوس هيراقليطس ليس فقط مبدأ المتضادات، بل حقيقتها وجماعها، فإن فيلون يجادل في هذا، ويجعل من الاستحالة أن ينسب للوغوس نفسه الصفات المتضادة. وهنا يتحول فيلون وينقلب من اللوغوس الاستدلالي الطبيعي أو العقل الاستدلالي الطبيعي إلى اللوغوس التخيلي الميثولوجي القصصي (لوغوس-ميتوس) تحت تأثير الدين التاريخي وفكرة النبوة. أي ينتقل من النظرية إلى ممارستها، ومن العقل النظري إلى العملي. انتقال من الصفات إلى الأشخاص (أشخاص الدعوة الجديدة). هو تحول من "إياك نعبد" على الحقيقة إلى، و "إياك نستعين" على الشخص في فاتحة القرآن الكريم؛ نستعين ونعتمد على الشخص القائم بالحق والعدل. وهنا يلتقي فيلون مع الرواقية المتأخرة أو السورية (بوزيدونيوس الأفامي، القرن الأول قبل الميلاد) في نظرية "اللوغوس باعتباره علّة بذرية مشتركة" مؤسسة لكون جديد. وإليها تماماً يجب أن يفنى فيه أخيراً كل شيء". هذا اللوغوس البذري هو ديالكتيك للممارسة التاريخية-الاجتماعية السياسية بغاية بناء دولة جديدة و عالم جديد .. إن اللاهوت المسيحي المبكر ليس أقل تمسكاً بالديالكتيك الثوري، أو الوحدة غير القابلة للانفصام بين النظرية وممارستها الاجتماعية - التاريخية."
بعد أن شقّ اللوغوس القاسم قمر الكون الفاسد الآفل (العالم المنحلّ)، ومزقه أي تمزيق، ظهر "بشكله البذريّ" التخيلي المؤسِّس، والذي هو نفسه مبدأ المتضادات، هو نفسه أعلى من الأضداد ولا ينقسم. إنه اللوغوس التخيلي المؤسس مكون الكون الجديد، "هازم الأحزاب". قال رسول الله: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده". يبدو الكون الجديد متعارضاً مع الكون الفاسد الآفل الذي يصفه هيراقليطس بـ"مركب في وسط البحر(اللجة) تتقاذفه الأمواج" . ونتيجة تأثير وفعل هذا اللوغوس المؤسِّس-البذريّ تكون المساواة: "تثبيت الديمقراطية العالمية، الديمقراطية التي ترتكز على المساواة" . هكذا يكون اللوغوس هو ديالكتيك الاجتماعي-التاريخي، وتوزيع الأدوار على المدن العالمية حسب الحظ (وهو من أسماء اللوغوس عند الرواقية كما سلف). الحظ عند فيلون هو اللوغوس، ويكاد يكون كذلك في النشيد الأورفيّ الحادي والستين الموجَّه إلى Nẻmèsis، حيث (نيميسيس) هي موزّعة الحظوظ والأقدار، قد وصفت بأنها مقبرة اللوغوس المتعددة الأنواع إلى حد كبير" اللوغوس هو الحظ الذي يوزع الأقدار أو الحظوظ على كل شخص وكل ناحية من العالم ليحفظ التوازن بينها وذلك حسب قانون ثابت لا يتغير. أما بوليب وبلوتارك فيعتبرا الحظ غير عقلي ولا يشبه الحكمة. أمّا عند فيلون فهو على العكس؛ هو اللوغوس العقلي. إن للوغوس القاسم تأثير على حظ المدن ومصيرها. ويوجد في رسالة "يوسف" لفيلون شرح مطبوع بطابع المعرفة الهيراقليطية الخاصة بانسياب الأشياء (عن الحظوظ). وليست هذه المصائر للمدن إلا أحد الأشكال الهيراقليطية للعبارة الشائعة عن ثورة الامبراطوريات، الذي نجده في مؤلفات بوليب وبلوتارك" .
هذه هي العناصر الهيراقليطية في مذهب اللوغوس لدى فيلون، لكن اللوغوس لدى فيلون يلعب دور الوسيط والحكم فيتوسط بين الإله والعالم في الديالكتيك الصاعد (من الحسي إلى العقلي)، وفي الديالكتيك الهابط (من الملكة النظرية إلى الظهور بالأشخاص والممارسة الاجتماعية-التاريخية السياسية). لوغوس-النظرية، ولوغوس-الممارسة الاجتماعية-التاريخية.
II
اللوغوس كائن معقول
كان الرواقيون يبحثون عن "الموجود" أو الكائن الأعلى (وجود الموجود) في علّة بذرية، تنمو على الطريقة التي ينمو بها الموجود، أو الكائن الحي. وأفلاطون يرى ذات الكائن في نموذج معقول هو هو دائماً في نفسه. "
الملفت هو عجز بريهييه عن تفهم هذه الاستعارات التي تستخدمها الرواقية المتأخرة "المحدثة"، المتأثرة بأفلاطون، وبنموذجه المعقول للكون التخيلي المؤسس. وكذلك عدم تفهمه للفكرة الرواقية المتأخرة (المحدثة) العبقرية المتأثرة بأفلاطون، والخاصة بالعلّة البذرية أو "اللوغوس البذريّ" حسب تعبير بوزيدوينوس الرواقي المتأخر.
يقول بريهييه معرباً عن عدم تفهمه لهذا "اللوغوس المؤسس" عند أفلاطون والرواقية المتأخرة والذي أخذ به فيلون: وليست الفكرة الأقل غرابة لفيلون أن يرى هذين التصورين (العلة البذرية، والنموذج المعقول) المتعارضين هكذا(!؟) يتحدان ليكون منهما عنصر ثالث جديد لنظرية اللوغوس، اللوغوس ككائن معقول. ويضيف بريهيه قوله: ومن الواجب علينا أن نهتم بأسباب هذا التوفيق أو التلفيق الغريب العجيب.
لم يستطع بريهيه تقدير ان هذا اللوغوس ككائن معقول لدى فيلون، هو عينه "اللوغوس البذريّ" الرواقي المتأخر، وهو عين "الكائن في نموذج معقول" الأفلاطونيّ؛ إنّه عين "الكون النوراني" لدى النصيرية؛ أو الكون التخيلي المؤسِّس. لقد لفت نظر بريهييه كونه المعقول وغاب عنه طابعه المؤسِّس الاجتماعي – التاريخي.
يقول بريهيه: إنّه لا يظهر أن فيلون رأى في هذا مشكل من المشاكل، فإنه بدون أقل صعوبة يعالج اللوغوس مثل العالم المعقول، هذا العالم المعقول ليس سوى لوغوس إلهي بصفته الخالق.. إنه دائماً النموذج المثالي للعالم المُحَسّ" إن مشكل بريهيه في عدم قدرته على تمييز طريقين في الجدل الأفلاطوني وجدل فيلون: جدل صاعد من المحسوس إلى المعقول، وهذا الأخير أظهر لامعقولية العالم القديم القائم ودفع باتجاه تأسيس عالم جديد. هنا يبدأ الجدل الهابط من النموذج العقلي او الكون المعقول (الصورة المفارقة عند أفلاطون، أو اللوغوس البذري المؤسس لدى الرواقية المتأخرة) نحو تأسيس عالم محسوس جديد. هذا التكوين للعالم الجديد يدخل في صميم فكرة الخلق الإلهية. فالخلق أساساً هو من عمل هذا اللوغوس الإلهي أو اللوغوس المعقول "البذري " المؤسس. إن مشكل بريهيه يكمن في التباس كلمة "العالم المعقول" وعدم قدرته على التحول من عالم قائم معقول (صورة ملازمة) أو عقل استدلالي طبيعي إلى (لامعقولية هذا العالم) الذي تم عقله للتو، والتحول إلى العقل المفارق أو الصورة المفارقة (الكون النوراني) أواللوغوس الإلهي المؤسِّس، الخالق للعالم الجديد. على طريقة: الكل معقول والكل باطل. يوجد لدى بريهيه عالم واحد قائم ابدأ، غير قابل للتبديل، وهذه اللكنة لكنة وضعيّة، رواقية قديمة، تلك التي تخلط العالم القائم بفكرة الإله الخالق أو العقل المفارق، وتتنكر لفكرة أنّ العالم مُحْدَث ومخلوق.
يقول بريهيه بعد أن تخلى عن تحفظه واستغرابه: "وقد عرفنا أول رابطة بين هاتين الفكرتين بواسطة تأثير المذاهب الفيثاغورية في الوحدة-المبدأ [الكون النوراني-المبدأ للعالم الجديد]، هذه المذاهب التي توحّد كما هو معروف بين الوحدة، وهي المبدأ المعقول، وبين اللوغوس" . هو تارة النموذج تقليد الله؛ الكون المخلوق للتو، وتارة -على العكس-النموذج المباشر للعالم المحسوس. فتستوعب ذاته جميع الأشياء المعقولة.
إن عبارة "على العكس" الواردة عند بريهييه، دليل التباس عنده بين "النموذج المباشر للعالم المحسوس" من جهة، وبين "النموذج، تقليد لله ذاته". وإذا دققنا النظر وجدنا اللوغوس يشمل لحظتين: واحدة تجريد عقلي للعالم القائم، أو الوحدة الكلية، من جهة، وأخرى كون-نموذج أو مثال (أفلاطوني) أو كون نوراني خالق مؤسس، ويكون اللوغوس المعقول هو الأول والآخر في نفس الوقت؛ هو الباطن والظاهر أيضاً. جاء في سورة الحديد: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . قال أبو داود : سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري ؟ قال: ما هو ؟ قلت: والله لا أتكلم به، قال: فقال لي أشيء من شك؟ قال: -وضحك -: ما نجا من ذلك أحد، حتى أنزل الله (فإن كنتَ في شكٍ مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك، [لقد جاءك الحق من ربك] ، وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم)
اللوغوس كمبدأ للعالم المعقول هو عند فيلون الواحد نفسه أو الوحدة. واحد بالذات، وأحد بالعقل المستفاد. هو هو علي عظيم. مبدأ العالم المعقول والوحدة (ديالكتيك موضوعي). الانتقال من الحس والفهم إلى عقل العالم بكليته (ككلية مترابطة) يوصلنا إلى هذه الهوية بين العلاقة الموضوعية في الطبيعة والمجتمع وبين المعرفة (بين العالم المبسوط والعالم المضبوط). في ذلك جاء: "إن الله أنشأ بواسطة الكلمة وحدات لا تنقسم، لأن الكلمة عنده ليست اهتزاز الهواء (ليست فيزياء)، كما أنها ليست تختلط بشيء آخر؛ أي ليست جسمية، (بل عقلية) وواحدة، ولا تختلف عن الوحدة(الكلية) " . أي أن صورة العقل هي هو العقل الفعّال بعد كمال الفعل. إن مبدأ العالم غير متميز عن الوحدة؛ صورته هي هو. وكلاً منهما مقابل للوغوس الإلهي، كما أن الزوج مقابل للفرد، والمعرفة لمبدأ العالم بالذات والفعل. لدينا هنا الأعداد: الاثنين مقابل الواحد والثلاثة أول الأفراد، حيث يضم الزوج" dayade " والفرد "monade" فالثلاثة تضم الفرد والزوج في نفس الوقت، والأحد "ثلاثة": واحد واثنان. ثلاثة في الأقانيم، وفي القيامة والانتصاب أحد، فالأقنوم في اليونانية تعني: ما تحت القائم. إن ماو (في التناقض) يجعل في وحدة أو يماثل بين عمومية التناقض وخاصيته أو خصوصيته (فما هو خاص هو عام. قارنوا مع "ميتافيزيك أرسطو" ترجمة شفيغلر) هذا ما كتبه لينين في مقالته الشهيرة (حول الديالكتيك)؛ وهكذا تكون الأضداد (الخاص ضد العام) متماثلة. فالخاص غير موجود إلا في العلاقة التي تؤدي إلى العام، والعام غير موجود إلا بواسطة الخاص أو عبر الخاص" .
الوحدة أو صورة الله ليست في الحقيقة، سوى اللوغوس الذي يربط الكائنات. الوحدة صورة العلة الأولى " يعلق بريهيه: نجد في هذه الفقرة توحيداً بين الرواقية والفيثاغورية الحديثة، ومع ذلك فهو (أي فيلون) يسلم بوجود تمييز بين القوة الموحّدة التي تربط الكائنات (وجود بالقوة) وبين الوحدة (وجود بالمعرفة العقلية)" وهو نفس التمييز الذي يقوم به كل من لينين وماو، بين ديالكتيك الخاص وديالكتيك العام.
الأصل الرواقي للوغوس الإلهي هو ما يعطي للكائنات (الموجودات) وحدتها. وفيلون يقول: "الوحدة بالطبيعة لا تقبل زيادة أو نقصاً، إنها صورة الإله الواحد في كماله، لأن الأشياء هي في نفسها فاغرة الأفواه (هي عماء: كايوس؛ لا كون لها ولا نظام ولا وجود)، إن لم يجمعها ويؤلف بين أجزائها اللوغوس الإلهي. الوحدة؛ صورة الحق، هي العقل المستفاد في كماله العلمي، الذي أنتجه العقل الفعّال.
اللوغوس باعتباره الرباط والاتحاد بين الكائنات، هو في نفسه وحدة. هذه عمومية الديالكتيك. فيلون يتحدث أيضاً عن خصوصية الديالكتيك؛ أو لوغوسات Logoi هي ديالكتيك العلوم الجزئية (الفيزياء، الكيمياء البيولوجيا، السيكولوجيا الخ..). كل وحدة من هذه اللوغوسات ينتج عنها العدد بسبب ما فيها من تركيب. وهذه إشارة إلى أن الأشياء المركبة بحاجة لترتيب حتى يتم فهمها على حقيقتها وكما هي في الواقع، أي فهمها جوهرياً. يقول فيلون: الله يتكلم عن وحدات" أي عن مقولات كلية مركبة وبسيطة-مفردة. اللوغوسات كليات. المقولة المركّبة يمكن إرجاعها إلى مقولة بسيطة هي اللوغوس-موناد (جوهر-فرد). يمكن ضرب مثل على ذلك: البضاعة أو السلعة كمقولة(وحدة) (لوغوس-موناد؛ جوهر فرد) بالنسبة لمقولة (وحدة) راس المال كوحدة مركّبة.
إذاً في مراجع فيلون نظرية للأشياء المعقولة، وهذه النظرية ترى في العالم المعقول مجموع لوغوسات، وكل واحدة من هذه اللوغوسات وحدة.
اللوغوس - الموناد هو نهاية التركيب، أي الوحدة البسيطة؛ الجوهر- الفرد. والكثرة هي عدد مركب من وحدات، هذه الوحدات هي في نفسها دون امتزاج. مثال ذلك البضاعة في نظام (وحدة) رأس المال، حيث الرأسمال عدد هائل من البضائع، ومع ذلك لا تختلط بضاعة بأخرى.
يستنتج فيلون أن العالم المعقول له وحدة جوهرية Monadique هي الوحدة صورة الله، صورة العلّة الأولى. وفيلون يميز بين القوة الموحِّدة التي تربط الكائنات (العقل الفعال)، وبين الوحدة؛ الصورة الفعلية المستفادة لفاعلية هذه القوة.
في رسالة "الصانع" أو الخالق، نجد ارتباطاً بين اللوغوس والعدد سبعة، فالعالم المعقول مركّب من سبعة حدود "termes"، بكلام آخر يتكوّن عالم النفس المعقول من سبعة مقولات: مبدؤها هو السماء؛ التي هي نوت المصرية أو النفس الحاوية. فلا عقل من دون نفس ناطقة. ثم تأتي مُثُل(مقولة) الأرض (الجسدية؛ الحسيات)، والهواء، والفراغ (الخلاء)، ثم مُثُل الماء، والنفثة. وهذه الأخيرة بدو الفتق أو بدو الخلق (في الذرو)، حيث يناضل العقلي للبرء من لعنة الجسدية. وأخيراً مثال النور. النار واستعارة النفخ والولادة الروحية، والكون النوراني ودوره الحاسم في عملية الخلق والتكوين الجديد. (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
السماء ثابتة لا تنقسم (في طيماوس دائرة الشيء نفسه) هي واحدة (نفس الشيء) بالنسبة إلى السنة؛ الدوائر الكوكبية الأخرى (دائرة الغير: غير النفس). الحد الأخير هو الشمس المعقولة، نموذج الشمس المحسوسة. وفي موضع آخر تظهر لنا السماء كحد سابع، يقسم إلى جزأين متساويين مجموع الدوائر أو الكرات السماوية. النفس-الروح هي برزخ يفصل العقليات عن الحسيات، الروح كالهواء تفصل بين السماء والأرض. الانسان برزخ بين الله والعالم. بين الله والعالم المخلوق. الخير هو عند أفلاطون تقليد للوغوس، وليس اللوغوس نفسه. هو نتاج عمل اللوغوس وممارسته الاجتماعية – التاريخية السياسية. كالعلاقة بين القوة المنتجة والمنتوج، فالبضائع خيرات تنتجها قوة العمل الحية (العامل الأجير). اللوغوس هو العقل-الروح يُدل عليه غالباً على أنه العدد سبعة. لأن العقل-الروح هو تتويج لحدود النفس الناطقة. هذا ماورد في "التعليق المجازي-الرمزي" لفيلون. اللوغوس السابع(العقل-الروح) هو الحد السابع الذي يقسم الثلاثيات (التاسوع). (9 ÷ 3، 3×2= 6) وعندما أظهر محمد معجزته السماوية (العقلية-الروحية) كانت المعجزة ليلاً بحضور ستمائة من الملأ المكي (أصحاب الكون القديم المتشقق المقسوم). وفي التتابع أو التدرج المعنوي نرى موسى، الذي يساوي اللوغوس في موضع آخر، هو أكملهم وسابعهم؛ أي كمال العلم (العقل-الروح). وفي الروح نفسها (النفس-الروح) نجد المحسوس فينا يتوقف ونمر أو نعبر إلى المعقول تبعاً للوغوس العدد سبعة (المقولات السبع). (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا) ، هي السبع حدود أو صفات، مع الروح والقلب تسع آيات. ينتج أيضاً من هذا التأويل رمزية شكل الزاوية القائمة (مثلث فيثاغورس القائم) هذا المثلث له ضلعان قائمان: 3، 4 من الوحدات (العدد المجموع: 7) يكونان مثلث مجموع زواياه (180درجة) أو زاوية مستقيمة (لوغوس مستقيم أو صراط مستقيم: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) . وكما أن اللوغوس هو الوسيط بين الجسمي وغير الجسمي، كذلك الحد السابع لتتابع هندسي هو دائماً مكعب(3) أو مربع (4) إذ يحتوي أنواع الجوهر الجسمي وغير الجسمي التي يرمز إليها بالمربع(الجسمي) والمكعب (الفراغ أو غير الجسمي). ومن ثم يكون العدد سبعة قد تُصوّر كرمز لعالم المُثُل (صفات النفس السبع أو المقولات السبع للروح-النفس)، أو السبع المثاني في فاتحة القرآن في إضافة الصفات إلى الذات. (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) . والتفكير في اللوغوس، باعتباره معقولاً، يرتبط بالتفكير عن الأعداد، فيما بعد، لأن الرسائل عن "التعليقات" التي لاقينا فيها هذا التفكير، تظهر آخر كتابات فيلون.
إن العالم المعقول في "اليوم السادس: Hexameron" قد تُصور على أنه سلسلة من نماذج من الكائنات النفسية والاستعدادات المعنوية، نحن نعرف من مبدأ المجاز فكرة العقل، فكرة الإحساس، فكرة المعقول، فكرة المحسوس" ونحن نلاحظ هنا في عبارة فيلون المأخوذة من المجازيات، وجود محسوسين، الإحساس في الديالكتيك الصاعد من الإحساس إلى العقل، والمحسوس في الديالكتيك الهابط، من اللوغوس الإلهي (العقل بالملكية أو الملكة) إلى الحدس المباشر وتكوين العالم الجديد. ويورد فيلون بعدها عبارة غامضة تقول: "نحن نستطيع، بالطريقة التي بها يتوسع في هذه الاستعدادات المعنوية للعالم الأرضي، افتراض كيف كان فيلون يفهم العالم المعقول" . كان بالنسبة له نهاية العلم وبداية العمل (وحد النظرية والممارسة). فالله خلق حكمة أرضية مطابقة للحكمة السماوية، مطابقة تماماً للوغوس المستقيم وللفضيلة. نحن هنا إذن أمام لوغوس إالهي مؤسس لعالم جديد؛ أمام كون نوراني (محمدي) مكون للأكون، أمام فضيلة عامة مولدة لجميع الفضائل الفصلية. "هذه الفضيلة هي الفضيلة النوعية التي تنشأ عنها الفضائل الفصلية" والفضيلة الأرضية أو الكون الأرضي هي احتذاء النموذج أو المثال الأول الذي ليس إلا اللوغوس الإلهي أو الحكمة الإلهية" . يجب إذن أن يكون هناك كون معقول من فضائل، كون يكون نموذج الفضائل المحسوسة. عالم معنوي مثالي (كون نوراني مؤسس لعالم جديد) ، نموذج للكون الأرضي الجديد، وللعالم الأخلاقي الأرضي. يتكلم فيلون غالباً عن نماذج ومثل الفضائل الأرضية، وهذا يقود بسهولة إلى أفلاطون في تصوره للمُثُل. ثم يحدثنا عن لوغوسات إلى جانب اللوغوس المستقيم (الصراط المستقيم)، هي ملائكة رفقاء وأصدقاء اللوغوس المستقيم أو رئيس الملائكة، بل هم أعوان؛ هم المستويات المتنوعة والمراتب العلمية والمعرفية المحيطة بالنبي كالأيتام الخمسة والنقباء الاثنا عشر والمنبأون والنجباء وغيرهم كثير. وهؤلاء بعدد الملائكة، وهم يأتمرون بأمر اللوغوس الإلهي المستقيم... لقد وضع اللوغوس الإلهي حدود الكائنات الناشئة عن الفضيلة عدداً مساوياً للملائكة. لأنه توجد أنواع من الأجناس والفضائل في الحلقة السرّة المؤسِّسة للكون الجديد، من الأجناس والفضائل بقدر ما يوجد من لوغوسات إلهية. نحن نعرف أنه يوجد خمسة أرضيين أيتام مقابل الخمسة الإلهيين أصحاب الكساء الذين سادسهم جبريل، حيث اندس فيهم (سلمان منا آل البيت). نحن إذاً أمام حلقات مؤسسة لكون جديد يقودها ويهيمن عليها كون نوراني محمدي مؤسِّس.
نحن الآن، كما نرى، في دائرة من الأفكار مختلفة تماماً، فاللوغوس موضوع الحديث هنا، هو اللوغوس المستقيم الرواقي، الذي تصور من وجهة نظر أخلاقية فقط (مثال النصيحة والفضيلة)، وأُوّل على الطريقة الأفلاطونية على أنه النموذج المثالي للفضائل. نحن هنا ما نزال عتد عتبة العقل النظراني الفلسفي الغربي ولم ننعطف نحو العقل الديني-الميتوسي الذي يسعى للعمل بمقتضيات اللوغوس المستقيم. ولكن علينا الانتباه أن الديالكتيك الذي يجمع النظرية والممارسة في وحدة (ديالكتيك ماركس) سوف يُعيد توجيه مقولاته بشكل مضاد لديالكتيك آخر منشغل بالتفسير فحسب؛ كديالكتيك هيغل.
إن قولة بريهيه: "حقيقة نرى المذهب الأخلاقي الرواقي الخاص باللوغوس المستقيم قد دخل تماماً كله، دون تعديل، في كتابات فيلون دون أي نزعة أفلاطونية" معناه أن فيلون يميز بين اللوغوس المستقيم الرواقي النذير سلف اللوغوس المستقيم البشير المتأثر بأفلاطون. هذا التمييز نراه لاحقاً بين يوحنا المعمدان النذير precursor سلف النذير والبشير الإلهي عيسى ابن مريم. ونحن نلاحظ وجود مسافة تاريخية بين النذير والبشير، وقد يكون سلفه المباشر. "إنّه زعيم المركب الإنساني وقائده. إنّه يحذره أو ينذره، ويثقفه ويعلّمه وينصحه، إنه مبدأ الفضيلة والعلوم، وأيضاً مبدأ ثبات الحكيم (كثبات المعمدان)، وأنه يلهم تفكيره في حكمه على السيرة أو السلوك الأخلاقي" إن هذا اللوغوس المستقيم النذير هو الذي يضع تعاليم الشريعة. "يضع القوانين، على خلاف التربية التي لا تدخل في النفس إلا العادات والأعراف، هذا القانون لوغوس إلهي يأمر بما يجب، وينهي عما لا يجوز، كما أنه يلوم أيضاً" هو نفسه المنذرة ونفسه اللوامة. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) واللام في الجزم الكبير (30). جاء في سورة القيامة: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال قتادة: أُقْسِمُ بهما جميعاً. إن اللوغوسات تثقف وتهذب، تشفي أمراض النفس، تنصح، تجذب وتقود للفضيلة. إن اللوغوس المستقيم يدمر الفكرة التي لا غناء فيها، بما يوجهه من زجر." هذا اللوغوس الأخلاقي المستقيم اللوام المنذر يدعى أيضاً بـ (الناموس) νόμος: العقل الأعلى الموجود في الطبيعة (في النفس) الذي يأمر بما يجب أن يُفعل وينهي عما يجب أن يُترك" هذا اللوغوس-الناموس شبيه بالعقل الأخلاقي الطبيعي؛ القانون كما يفهمه الرواقيون" . اللوغوس في الأخلاق له نفس الدور الذي له في الطبيعة" الفضيلة هي مبدأ الوحدة (وحدة النفس والقرار)، والرذيلة والأبلسة هي التفرُّق والتشتت وعدم الثبات أو اللاقرار" هذه الأراء والأفكار شائعة لدى الرواقين، يتركها فياون كونها أرضية، مخلوق أرضي وينتقل إلى اللوغوس الإلهي المعقول الذي هو نموذجها الأول البدئي. بل هو اللوغوس الإلهي نفسه في مرتبتيه السماوية والأرضية، والنفس الناطقة أو الروح بينهما. "إن خير أجزاء النفس هو نفثة من الله وصورة منه" "إن اللوغوس الإلهي نفسه، هو الذي يقود "هاجر" ويسترجعها" أي ان الحكمة النظرية تقود العملية وتهيمن عليها. نحن هنا أمام ديالكتيك (الآل والذرية)؛ ديالكتيك النظرية الاشتراكية والبروليتاريا كطبقة تاريخية، أو ديالكتيك إل إبراهيم المنبعث من جديد على يد محمد وقبيلة قريش أو ذرية إسماعيل. قال هاشم في الخطبة الحكيمة: "نحن آل إبراهيم وذرية اسماعيل" . وسارة وهاجر زوجا إبراهيم؛ هما نظرية وممارسة (حكمة نظرية وحكمة عملية). يقول بريهييه: وأكثر من هذا، نجد الفضائل، بل أحياناً أعمال الحكيم، تمثل لنا كأنها شيء واحد هي اللوغوس الإلهي" إنها الوحدة الديالكتية التي لا تنفصم عراها للنظرية والممارسة، على عكس الرواقية النظرانية-الأخلاقية الوعظية.
يرى فيلون أحياناً، ترتيباً أكثر تعقيد بين الإله والانسان، وهذا الانسان الإلهي ليس مباشرة صورة الإله، ولكنه كان حسب صورة الإله، الذي هو اللوغوس. المعرفة الحقّة لا تكون من الضربة الأولى، بل عبر تناقضات وتعرّجات وتدرجات. المقاربة المباشرة للمعطى الملقى أمامنا ضرب من الوثنية. يكتب لينين: "إن معرفة الإنسان لاتتبع خطاً مستقيماً، إنما هي خط منحن، يقترب اقتراباً لا حد له من سلسلة من الحلقات، من خط لولبي."
توجد لدى فيلون أربع تعابير: الإله، لوغوس، الإنسان الصورة أو المثال(آدم)، الانسان الأرضي (الفرد الطيني-الدموي). في هذا التقسيم نرى الحكمة أو اللوغوس المستقيم الذي يقود الانسان الأرضي، هو نفسه أرضي وتقليد لنموذج سماوي" هي حكمة نظرية تقود حكمة عملية. هي سارة تقود جارية. هذا الانتقال من اللوغوس كرابط للفضائل ولعناصر العالم إلى لوغوس إلهي نظري-عملي، في عمل فيلون هو انتقال من المستوى الأخلاقي -الفلسفي القانوني التشريعي إلى المستوى الميثولوجي-الديني؛ دين الأنبياء أو الدين التاريخي الذي يضع لنفسه مهمة خلق كون جديد يهيمن عليه الحق ويقوده العدل. يقول بريهييه: هذا الاختلاف أو التفريق بين هذين اللوغوسين، وهذا التناوب(التردد) في تفكير المؤلف، له أسباب دينية عميقة. فإن توحيد اللوغوس المستقيم والعقل (الاستدلالي الطبيعي)، أي جعلهما شيئاً واحداً (وهذا على ما يلوح جداً فكرة الرواقيين)، يكون معناه إعطاء الإنسان القدرة على أن ينتج من نفسه كل فضيلة وكل خير؛ يجب إذاً إبعاد هذا اللوغوس (حسب فيلون) عن الانسان كمبدأ أعلى منزّه عن الاتصال به، والذي يجب أن يرقى الإنسان نحوه، الإنسان ليس موجوداً في اللوغوس والحكمة إلا بالقوة(إمكانية)" . وإنّه يكون ابتعاداً عن العقل بأكثر ما يعتقد الانسان أن عقله يمكن من نفسه أن يتأمل الموجودات، ولإحساسه أن يصل إلى المحسات ويدركها. من هذا نفهم ضرورة عقل مثال منزَّه عن الاتصال بالإنسان، يخلق هدف نشاطه وغاية تقدمه"
حين يدرك الكاملون هذا اللوغوس الإلهي، لا يكون بعد من فرق بين النفس الكاملة (الكلية) واللوغوس، هذه النفس لا تكون بعد محكومة باللوغوس، بل تصير هي نفسها لوغوس. غير أنّه من جهة أخرى، لأجل أن يكون هذا التقدم ممكناً، يجب أن يكون لدى الانسان قوة أو خاصة عقلية، أو على الأقل إمكان الوصول إلى هذه القوة. وأقل الدرجات هذه، هي الحكمة الإنسانية. وهذه الحكمة هي بذرة الخير التي لم يحرم منها أحد. إنها المعرفة الفطرية المشتركة للخير التي لا تجعل ممكناً أن يعتذر إنسان بالجهل عن أخطائه. إنها نفثة خفيفة. وليست النفثة القوية القادرة التي تحرك الانسان المثال؛ ولكنها على كل حال، لا معنى لها إلا بالنسبة إلى أصلها، الذي هو اللوغوس الإلهي"
ليس لدى في تفكير فيلون مجتمع قائم أو امبراطورية قائمة بالفعل يريد تحسين أدائها والدفاع عنها بكل قوته الأخلاقية، بل لديه فكر تحويلي تجاوزي لما هو قائم من الامبراطوريات المنحطّة الظالمة الفاسدة. من هنا كانت ضرورة لوغوس منزَّه عن الاتصال بالإنسان. متميز عن مجرد القوة أو الخاصة الأخلاقية التي قال بها الرواقيون. إن فيلون مشغول باللوغوس الإلهي، والنسب الإلهي للانبياء، وليس مشغولاً بالأبطال الأخلاقيين من بني البشر الذين يناسبهم قول الرواقية "الغربية" الفلسفي. ذلك ما تؤكده بطريقة فاصلة النصوص أو الفقرات النادرة التي أشار فيها فيلون إلى آراء المجازيين اليهود السابقين عن اللوغوس. أولاً، في التوسع الذي كان من فيلون في رسالة "الزراعة" نجده يقول بأن الميراث الذي ينبغي أن يضعنا الإله فيه هو الخير حسب راي البعض، والصلاة التي يوجهها موسى للإله معناها رمزياً: أدخلنا نحن الذين لم نكد نبتدئ في التعلم، أدخلنا يا الله في لوغوس عال سماوي". اللوغوس هو إذاً في رأي هؤلاء المجازيين، الخير الذي يجب ان نحمل أنفسنا على بلوغه." وفي فقرة أخرى، نرى فيلون وهو يذكر بعض المفسرين لإحدى آيات سفر الخروج. يقول بأنه تبعاً لآرائهم، "ما دام العقل يعتقد أنه قادر على فهم المعقولات تماماً، وبالتأكيد، ما دام الإحساس يعتقد ذلك بالنسبة للمحسوسات، فإن اللوغوس الإلهي يكون بعيداً جداً، ولكن حينما يعترفان بضعفهما (العقل والحس) يحضر فوراً ماداً يده إليهما، كما أن اللوغوس المستقيم يراقب نفس الزاهد". اللوغوس إذاً هو مقابل للعقل، ككائن منزّه لا يستطيع أن يظهر في النفس إلا إذا اخلا له العقل المكان، بعد أن أخلا الحس المكان للعقل. وفيلون يقبل إذن تأويلاً أفلاطونياً للوغوس، تأويلاً يؤكد له استقلاله. ويتفق مع شروط التقوى أيضاً. فيلون يتحدث هنا عن تنزيه ذات الإله عن الصفات(العقل) والحسيات (الجسدية). (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير) ، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) ، و(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)
يظهر مما سبق بالاجمال، أن للوغوس في الناحية التي انتهينا للتو من دراستها بصفة خاصة، وظيفة كونية. إن دوره في ظهور الكون النوراني المحمدي المؤسس حاسم. إنه الاقنوم الثاني أو الحجاب الأعلى العلي العظيم، واسمه ميم، وهو الحرف الأخير من (آلم) في فاتحة سورة البقرة. هذا الاقنوم مع الاقنوم الأول، الحجاب المقيم تقوم عليه النفس الكلية ترفعه وتحجبه في ظهور غاية المعنى بالذات الاجتماعية-التاريخية. كما ترفع الممارسة العملية النظرية وتحجبها. لا وجود أعلى منه إلا الذات الإلهية المنزّهة عن الصفات. فالممارسة العملية أرفع من النظرية التي على التجريد، وإبليس عبده على التجريد وأنكره على الاسم والشخص.
والآن كيف تكونت هذه الفكرة عن اللوغوس، وهي التي ترجع إلى آراء هيراقليطية ورواقية وأفلاطونية؟ إننا نرى والكلام لبريهييه- أن التصور الهيراقليطي للوغوس القاسم قد تشرّب بآراء رواقية إلى حد كبير(اللوغوس كعقل للكون) ، وهذا ما يجعل من غير الممكن الشك في أن هذا التوفيق يرجع إلى المذهب الرواقي. وبعد ذلك كيف جاء المعنى الثالث، اللوغوس كفكر إلهي خالق للعالم، ينضاف للمعنيين السابقين وينصهر معهما في وحدة. إن تصور الفكر الإلهي يقدم لنا صورتين: في الأولى يكون على علاقة بنظرية الأعداد، فيكون اللوغوس إما الوحدة، مبدأ جميع الأعداد الأخرى، وهذه بدورها واحدة هي واللوغوسات أو المُثل. وإمَّا العدد سبعة الذي – حسب نظريات الفيثاغوريين المحدثين-هو والوحدة شيء واحد. واللوغوس-الوحدة الذي قال به هؤلاء هو متحد تماماً، (في نص من النصوص التي ذكرناها (المسائل لفيلون)، مع اللوغوس (رباط العالم) الذي قال به الرواقيون"
رأينا في مبتدأ رسالة "الصانع" اتحداداً أو وحدة مماثلة بين الإله العلة الفاعلة (العقل الفعّال) والإله الأعلى من الفضيلة والخير. فالإله-موناد (الجوهر- الفرد) الذي نعرفه لدى الفيثاغوريين، قد أوِّل بأنه لوغوس، ومن ثم صار اللوغوس مثال(أفلاطوني). وقد دلل شمايكل بعد أن حلل مصادر رسالة "الصانع" على أن هذا الاتحاد أو الوحدة جاء من المذهب الرواقي، وخاصة بوزيدونيوس الذي عدّل نظرية افلاطون عن المُثُل، الذي وحّد بينها وبين القوى العاملة أو اللوغوس البذري (وحدة العلم والعمل) الذي قالت به الفلسفة الرواقية (المتأخرة) من ناحية، ومن ناحية أخرى، دمجهما مع نظرية الأعداد الفيثاغورية. إن فيلون قد استعمل في رسالة (le de opificio) شرح طيماوس (أفلاطون) لبوزيدونيوس Posidonius. ولكن بقيت الصورة الأخرى للفكر الإلهي العالم المعقول كمركب من الكائنات المعنوية والفضائل المثالية. وهنا ايضاً نجد أن النظرية الرواقية عن العقل المستقيم كانت كما رأينا، باعثة محددة، فاللوغوس باعث الفضائل تُصور فيها كعالم معقول."
III
اللوغوس وسيط
يبقى الرواقيون والفيثاغوريين في دائرة التفسير، دائرة النظر لا دائرة القوة العاملة(البذرية)، حين تطرح الرواقية "العقل العام"، والفيثاغوريون "الوحدة المعقولة". كانوا يرون أنهم وجدوا مبدأً أخيراً لتفسير العالم. ومع أن فيلون يقبلها جميعاً كأسماء للوغوس، إلا أنه لا يعتبر اللوغوس إلا وسيطاً بين الله والعالم . وأنه في درجة أدنى من "الكائن الأعلى". وفي هذا الشأن من النظر قابل فيلون معارضين من معاصريه. "وكيف يكون الأمر على غير هذا، ما دام هو نفسه، حين يفرق نظرياً الإله عن العالم، ينتهي غالباً فعلاً، بأن ينسب لكل منهما نفس الصفات التي ينسبها للآخر" لكن يبقى تصنيفه: اللوغوس هو الجنس الثاني، والله هو الجنس الأول." . إن "الوحدة العقلية" الفيثاغورية و"العقل العام" الرواقي، واللوغوس الإلهي الفيلوني كلها تصب في موقع واحد هو موقع الصفات (موقع المعرفة النظرية). وهي الجنس الثاني، أما الجنس الأول فهو ظهور الإله بالذات، حيث الإله منزَّه عن الصفات، وهو الجنس الأول المهيمن والحاكم بالنسبة لفيلون. حيث الممارسة الاجتماعية-التاريخية هي المهيمنة في فكر فيلون الديني. فالله بالنسبة لفيلون هو الجنس الأول، فتارة الله هو المثل الأعلى، وتارة هو اللوغوس، وتارة هو الذي يقسم الكائنات، وتارة هو اللوغوس الموحّد؛ وهذا اللوغوس هو القوة التي تربط العالم. الله واحد بالذات أحد بالصفات. "الله يُغني بشيء عن شيء، وليس يُغنى عنه بشيء، فلهذا قال جبريل للخليل(محمد): ألك حاجة؟ أمّا إليك فلا، الله يستحق أن يُسأل وإن أغنى، لأنّه لا يُغنى بشيء عنه."
لكل ذلك نجد بريهييه يُخطئ حين يتكلم عن حيرة فيلون بالقول: "ثم فيلون يجد نفسه في حيرة كبيرة في سبيل تعيين المكان النسبي للإله الأعلى وللوغوس في نظرية المبادئ والأصول. ومن ثم نرى أن هذا من الأجزاء التي لها حظ كبير من الضعف وعدم التماسك في هذا المذهب" لم ير بريهييه إلى فيلون وقد غادر الفكر الفلسفي النظراني-الأخلاقي متحولاً إلى فكر ميثولوجي-ديني يجمع العلم والعمل في وحدة لا تنفصم عراها. يكتب بريهييه: "إنه وقد رأى نفسه غير مستند إلى أية مدرسة فلسفية إغريقية كبيرة، يحاول فقط أن يرتبط إلى بعضها بروابط ضعيفة حقاً" لكن فيلون على العكس من ذلك، مر بها جميعها ورفعها وتجاوزها إلى فكر يجمع العلم والعمل في وحدة. دين تاريخي، دين الأنبياء. والعمل لا يقال إلا فيما كان عن فكر ورويّة. ولهذا قرن بالعلم. حتى قال بعض الأدباء: قلب لفظ "العمل" عن لفظ "العلم" تنبيهاً على أنه من مقتضاه."
من هنا وعلى العكس من بريهييه "المستغرب" يكون من الانسجام مع النفس أن يذهب فيلون، في مشكلة أصل العالم، إلى النظرية المشائية (مدرسة أرسطو) التي تقول بالعلل الأربع: العلة الفاعلة، العلة الصورية، والعلة الخيرية(الغائية)، والعلة المادية (العناصر). ويجعل اللوغوس مجرد علّة فاعلة بين الإله والعالم، منسجماً هكذا مع صيغة مفضلة لدى أفلاطون، الذي يجب أن يعتبر اللوغوس كآلة (نظرية ثورية وحزب) يستخدمها الصانع الإلهي ليوجد بها العالم"
نرى فيلون أيضاً يربط ربطاً عضوياً-” طبيعياً" (وليس صنعياً حسب بريهييه) بعض المشاكل الفلسفية الاغريقية، كضرورة التمييز بين عمل الإله وعمل اللوغوس. اللوغوس وحده يمكن أن يكون مبدأ الأضداد وليس كذلك الإله الذي يجمع النظرية والممارسة والإرادة الخيّرة الخالقة للكون الجديد. لهذا تحل مشكلة الشر هكذا: الإله لا يمكن أن يكون مبدأ إلا للخير ، لكن الشر يحصل مع غياب الفضيلة الإلهية. ويكون اللوغوس، لا الإله مبدأ الزهد، أي حال النفس التي تتميز بالرجوع للخير" "والقوى الأخرى (الوسطاء المشابهون للوغوس) يساهمون في إيجاد الانسان الخليط من الخير ومن الشر. من ذلك نفهم كيف يمكن أن يكون اللوغوس أدنى من الإله مرتبة" إن التمييز بين الإله واللوغوس لا يرجع إلى مشكل الشر في العالم، ولكن يعود إلى التصورات الدينية الأصل الخاصة بخلق العالم من جديد. وهذه التصورات الدينية هي من طبيعة مختلفة عن تصورات الفلسفة. يكتب بريهييه: "إنه ليس واجباً أن نلتفت إلى النظريات الفلسفية والانطولوجية (الكونية)، لأجل أن نفهم مكانة اللوغوس(عند فيلون). إن الواجب بالأولى اعتبار الإله واللوغوس موضوعات عبادة." وهو ما ظهر في العبادات المسيحية والإسلامية. وفيلون يريد حين يميز بين الإله واللوغوس، أن يفصل بين عباديتهما، ويرينا ما بين هذا من ترتيب بالدرجة." فهو ضد عبادة الملائكة، حتى لو كان الروح القدس أو جبريل لاحقاً في الإسلام. أما في الفلسفة الاستدلالية الطبيعية (الرواقية الغربية-المبكرة)، كانت هذه الغايات المتعاقبة لا تمييز بينها: عش حسب الطبيعة، أو حسب العقل المستقيم (اللوغوس المستقيم-الصراط المستقيم-الإله). " اما بالنسبة لفيلون، فقد كان ذلك التمييز بصفة عامة، شيئاً آخر غير مجرد الاختلاف بالتعبير"
نجد في موضع آخر هذا التقسيم الثلاثي: الطبيعة، العقل، الإله. لكن فيلون يثبت في هذا الموضع بوضوح ما بين هذه التعابير الثلاثة من ترتيب، فيقول: إنه من المناسب لهؤلاء الذين يحبون العلم أن يرغبوا في رؤية الله، ولكن إذا كان هذا غير ممكن لهم ، فليرغبوا في رؤية صورته على الأقل، اللوغوس المقدس جداً، وبعده يأتي اكمل الموجودات في الأشياء المحسوسة؛ أي العالم" وحينما ترتفع النفس الإنسانية نحو الإله، نجد هذه التعابير الثلاثة تبين المراحل المتعاقبة في صعودها، فإنه حين ترك إبراهيم أرض الكلدان؛ أي اعتقاد ألوهية العالم، وحين هجر الاحساسات والمحسوسات، تفتحت عين النفس (أي اللوغوس) التي يمكن أن تتأمل المعقولات." لكن يمكن لهذه الحركة الصاعدة أن تنكس وتحبط، حينها "في حركة عكسية، يهجر الزاهد التأمل في الله، ينحط إلى الحياة المحسوسة، فيقابل هذه الكرة الدائرة المحسوسة للوغوس الإلهي، لا الإله نفسه"
لهذه المراحل الثلاث قيمة مختلفة جداً، فعبادة العالم المحسوس ليست إلا ضرباً بسيطاً من عدم التقوى أو الكفر؛ هي معرفة انطباعية، هي عبادة مباشرة لله عبر عباد أكبر الموجودات الحسية كمالاً (العالم المحسوس)؛ العبادة التي تصل إلى الله مباشرة، هي ضرب من عبادة أوثان. وهذا شرح لعبارة لينين من ان "معرفة الانسان لاتتبع خطاً مستقيماً، إنما هي خط منحن، يقترب اقتراباً لاحد له من سلسلة من الحلقات، من خط لولبي" أو تتم العبادة عبر سلسلة من الوسائط، وهي العباد التي يؤديها اللوغوس للإله باعتباره كائناً كاملاً " هنا يخطئ بريهييه باعتقاده أن الكائن الكامل هو اللوغوس ، بينما المقصود به الإله. من هنا عبارته المربكة: "إن الكائنات الكاملة هي نفسها لوغوسات، أو على الأقل قد وصلت إلى مستوى اللوغوسات" بينما الكمال لله وحده. وهو ما يفسر تعارض القول السابق مع قول بريهييه اللاحق: "والعبادة التي تتوجه للوغوس، وهي منزلة وسيطة بين الضربين السابقين (عبادة العالم المحسوس، وعبادة الله ذاته)، هي عبادة الكائنات غير الكاملة، كما في العالم المحسوس، ولكنها التي في تقدم نحو الخير" كما تتعارض مع القرآن الكريم في قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
IV
اللوغوس كلمة إلهيّة
كان يوجد في عصر فيلون ديانات أسرار mysteries لكل منها كلمة مقدسة يجب أن تكتم ولا تذاع، وكانت تُعطى فقط للمريد المرتاض. كانت عبادة إيزيس حسب بلوتارك ديانة أسرار. ومما لاريب فيه أن أسفار موسى الخمسة Pentateuque وكان يسميها غالباً، "خطاباً مقدساً" ظهرت لفيلون موضوع أسرار كان موسى نفسه هو القائم عليها. قال المريد متحدثاً إلى موسى: أيها الكاهن الواعظ Hiérophante أرشدني ولا تكفّ عن مسحي بالدهن، حتى تصل بنا إلى روعة الكلمات الحقيقية، فتدلنا على جمالها الذي لا يستطيع رؤيته الجاهل بأسراره" . على عكس بريهييه، ليس فقدان صيغ مادية محددة لهذه الأسرار، هو الذي سمح لفيلون أن يعطي لهذه الفكرة أو الأفكار معنى باطني وروحي، بل هو الغموض المكبوت في الدين اليهودي، وحجب الكثير من الاسرار الإلهية العويصة عن العامة، هو السبب. فاللوغوس المقدس أو الإلهي هو في رأي فيلون هذه الكلمة الباطنية، التي تكشّف عنها الوحي، والتي يحسها الرجل التقي في أعماق نفسه، والتي تشكل التعليم الخاص بالأشياء الإلهية، أي العبادة والفلسفة" وعلى العكس من اندهاش بريهييه، فليس مدهشاً ولا عجيباً أن فيلون يشير بكلمة واحدة إلى القوة التي تدير العالم (اللوغوس بالمعنى الرواقي) والكلمة الإلهية الموحى بها، معتبراً إيهما كائناً واحداً، فهذا المعنى المزدوج هو ما يكوّن الناحية الأساسية من فكرة فيلون عن اللوغوس" إن الالتباس في عبارة بريهييه مصدره: "القوة التي تدير العالم" حيث المقصود عند فيلون هو "القوة التي تؤسس العالم" والتي تخلق الكون الجديد. فإذا أعدنا العبارة وفق ذلك جاءت كالتالي: ليس مدهشاً ولا عجيباً أن فيلون يشير بكلمة واحدة إلى القوة التي تؤسس العالم وتكوّن الكون الجديد، (يشير إليها كقوة عاملة؛ أو لوغوس بذري رواقي)، والكلمة الإلهية الموحى بها، معتبراً إياهما كائناً واحداً.
العبادة هي الصوت الذي تسمعه الروح المطهرة، وهي الكلمات غير الفانية التي يترعها الله فيها أما الطريق الملكي (نحو الله)، فهو الذي نقول أنه للفلسفة، أما الشريعة فتسميه كلام الله وتعبيره وعلى هذه الأسس فالعبادة الباطنية ليست محتواة كلها في العواطف التقية للنفس؛ إنها فوق هذا توسّع عقلي عن الألوهية، ومهمتها شرح الأشياء المقدسة وتأويل العقائد الإلهية" والعبادة يرمز لها "بملكي صادق" (لوغوس- كاهن) الذي له عن الوجود أفكار عالية دقيقة وفائقة، واللوغوسات أبناء موسى الكاهن الأكبر ، تقوم بما يجب من خطابات وأحاديث عن القداسة " نحن هنا أما دعوة او تنظيم تاريخي بالمعنى الغرامشي، له هرمية ومنظرين كبار، ودعاة من درجات مختلفة. أما الشعائر الدينية التي هي أعمال طقسية يومية فإنها تكرر عمل التنظيم في الظروف التاريخية غير المواتية، حيث تبتعد حالية التحولات الاجتماعية-التاريخية. هذا التكرار او التسبيح الذي يثير دهشة العقل البورجوازي الحديث، هو للتذكير الدائم بالمهمة الدعوية الاجتماعية -التاريخية.
ليست الصلاة، بالنسبة لفيلون، مكاشفة ومناجاة قلبية لا نظام لها، ولكنها توسع فلسفي ومقسمة إلى فصول لها بيانها. العبادة إذا هي مزيج من الصلاة والتفكير الفلسفي، ويعتبر عمل فيلون أحسن نموذج لها، وكان ذلك متعارفاً بلا ريب في الدوائر التي كان فيلون جزءاً منها. وقد كان ذلك من بعض النواحي، انتصاراً للدين العقلي" وأقول أنها سمة أساسية للديانات الباطنية.
على ان الكلمات الإلهية لم تكن صيغاً خارجية وشفوية، إن موسى وإبراهيم لا يتكلمان مع الله "لا بالفم ولا باللسان، ولكن بأداة النفس والروح التي لا يسمعها أي فان، ولكن يسمعها وحده (الروح) من لا يجوز عليه الفناء". فاللاويون الذين إليهم أمور العبادة، الذين رمزياً، هم اللوغوسات الإلهية (أشخاص إلهيين) يتركون كل الملكات أو القوى المحسوسة بما فيها الكلام. وتبعاً لأمر الصمت المفروض بواسطة الأسرار، يظن فيلون ان الكلمة الخارجية لا تناسب العبادة والحقيقة. إنها ليست إلا شيئاً لا يكترث له يمكن أن يستعمل استعمالاً طيباً أو خبيثاً." وهذا مانراه طوال مختلف العصور بخصوص الصراع على تفسير وتأويل النصوص المقدسة، وظهور الفرق والطوائف المتعددة بناء على ذلك. هذا ما حصل بالنسبة للنص القرآني والكتاب المقدس والأناجيل في اليهودية والمسيحية.
إن فيلون بهذا القصد قد أدخل تفرقته الشهيرة، التي أخذها عن الرواقيين، بين اللوغوس الداخلي واللوغوس الخارجي. وهذه التفرقة في معناها الأولي، تفرقة بين التفكير الباطن الذي يبقى في النفس، والتفكير الذي يجاوزها للخارج بالتعبير عنه." وهذا مماثل تماماً لعمل ميخائيل باختين في حديثه عن الخطاب الداخلي والخطاب الخارجي. يكتب بخصوص الخطاب الداخلي: "تشكل قضية الدليل الداخلي أحد المشاكل الجوهرية في فلسفة اللغة لأن الدليل الداخلي الأفضل والأمثل هو الكلمة، والخطاب الداخلي (لوغوس). إن مشكل الخطاب الداخلي مشكل ذو طبيعة فلسفية.. فهو يقع في ملتقي طرق علم النفس والعلوم المتصلة بالأيديولوجيا" سيوضح التحليل الأكثر تعمقاً أن الأشكال والصيغ الصغرى للخطاب الداخلي مكونة من أقوال داخلية أي منولوجات كاملة، شبيهة بالفقرات، أو من تحدثات تامة، لكنها ما زالت تذكِّر أيضاً، وأكثر فأكثر، بأجوبة الحوار. فليس من محض الصدفة أن كان مفكرو العصور القديمة يفهمون الخطاب الداخلي كحوار داخلي. فهذه الوحدات لا تخضع بتاتاً للتحليل إلى مكونات نحوية إلا باحتياطات مشددة، ولا توجد بينها روابط نحوية تماماً كما في أطراف الحوار. غير أن روابط من طبيعة أخرى هي التي تتحكم فيها. إن وحدات الخطاب الداخلي هذه، والتي يمكن تسميتها بالانطباعات الشمولية للتحدثات، يرتبط بعضها ببعض وتتوالى الواحدة منها خلف الأخرى لا بحسب قواعد المنطق أو النحو، ولن حسب قوانين التوافق التثميني (العاطفي) والتسلسل الحواري" .. وفي خضوع تام للشروط الاجتماعية-التاريخية، وكل المجرى العملي البراغماتي للوجود المعاش.
الرواقيون يرون تفرقة كهذه، لكن إضافة لما عناه فيلون، فهما خاصيتان انسانيتان. وهذا ما توضح من كلام باختين. إن انقسام الخطاب إلى داخلي وخارجي هي خاصية القول الإنساني. لكن التمييز بين قول بشري وقول إلهي، يعني الخلاف بين قول إيديولوجي ميثولوجي-ديني وفلسفي متماسك ومتناسق كإيديولوجيا محكمة الصنع متوارثة ومتسلمة عبر أجيال، وبين قول بشري إيديولوجي-يومي عرضي واعتباطي. إن الكلمة الأولى الميثولوجية الدينية-الفلسفية كخطاب داخلي هي الكلمة الباطنية عند فيلون، "وهذه الكلمة الباطنية هي واللوغوس الإلهي الموحى به للحكيم أمر واحد." وفعلاً، إن هذه التفرقة، موضوع الحديث، هي متطابقة والتفرقة بين العقل (إيديولوجيا رفيعة لدرجة العلم) والكلمة الملفوظة التي تكون عنه"
كلمة الحكيم نفسه، هي الكلام الإلهي بها يعلم عقائد الفضيلة لغير الكاملين. إذاً فضروب التفكير الباطن للحكيم ليست شيئاً آخر غير الكلام الإلهي نفسه. هذا الكلام الإلهي (الخطاب الداخلي الإلهي) يقابله الكلام الخارجي (الخطاب الملفوظ) الذي يرجع إلى اصطدام كتلتين من الهواء اصطدام الواحد بالمزدوج (دياد). والكلمة في رأي الرجل المحدث (باختين مثلاً) علامة الفكرة (دليل الفكرة)، ولكن ليس لها كصوة أية مشابهة والفكرة (إنما وجود الفكرة والصوت المتفق هو نوع من اقتران ومجاورة ذو تواضع اجتماعي-تاريخي، وليس مشابهة). على الضد من هذا، ما نجده في القديم وبخاصة لدى فيلون، من هذا التصور الذي يرى أن الكلمة وقد تُلفّظ بها وصارت منفصلة تحتفظ بشيء من الأفكار التي تعبر عنها. وهذه نظرية افلاطون وقد نقلها فيلون: وكلمات التعبير تمثل بشكل جلي وبصورة مباشرة الأشياء نفسها" هنا اللفظ مقترن بالمعنى بشكل ضروري في اللغة القومية الواحدة. وفي الفكر الميثولوجي-الديني، خاصة النصوص المقدسة يكون هذا الارتباط متبلوراً بشكل مطلق.
يتحدث باختين؛ (خطان أسلوبيان): عن عدم إمكانية فصل النوايا والفكر والتعبير (المعنى الإيديولوجي) عن اللغة في النصوص الميثولوجية-الدينية المحكمة (النص القرآني على سبيل المثال). يقول باختين موضحاً: "إننا نتحدث عن "الفصل" بمعنى حذف ذلك اللحام المطلق القائم بين المعنى الأيديولوجي واللغة، الذي يسم الفكر الميثولوجي والسحري.. ولا جدال أن الاقتران المطلق بين الكلمة والمعنى الأيديولوجي الملموس، هو إحدى الخصائص المكونة والجوهرية للنص الميثولوجي-الديني، وهي خاصية تحدد من جهة تطور الشخصيات الميثولوجية ، ومن جهة ثانية تحدد إدراكها نوعياً للأشكال اللغوية وللدلالات والملاءمات الأسلوبية.. الفكر الميثولوجي يخدم لغته التي تلد هي نفسها حقيقتها الميثولوجية، وتقدم علائقها الخاصة وتعالقاتها اللسانية على أنها علائق وتعالقات عناصر الواقع"
الكلمات الملفوظة باعتبارها ظلال الأشياء، ليست فقط الوسيلة التي يصل بها الانسان إلى أفكار، ثابتة ومحددة، منظمة متميزة، ولكنها في نفسها أدنى من الفكر (كونها وسيلة حسية)، بنفس الطريقة وبصفة خاصة(عقلية) إن اللوغوس أو الكلمة الإلهية هو ظل الله نفسه (وسيلة عقلية)، وكلمات الوحي الملفوظة التي يلقيها في النفس التقية، ليست مختلفة عن الأفكار" الكلمة الملفوظة دال مادي على فكرة معنوية اما اللوغوس الإلهي فهو عقلي-روحي، من هنا تميزه عن الكلمة المنطوقة. من هنا نفهم كيف أن اللوغوس الإلهي، (وهو مطابق للكلمة الموحى بها وللعبادة الباطنية) هو فكرة عقلية-روحية في مرتبة أدنى من الإله، وعبادة هذا اللوغوس تناسب غير الكاملين (بعض الصابئة من عبدة الملائكة). اللوغوس ليس إلا حديثاً أو صيغة يجب تجاوزها لنصل إلى ممارسة الأشخاص الاجتماعية-التاريخية (نصل إلى الرؤية المباشرة للكائن-حسب تعبير بريهييه) اللوغوس أدنى مرتبة من الله، وكذلك حاسة السمع التي يصل إلينا عبرها ما يثقفنا من كلام وحاسة البصر التي بها نرى الكائنات، كلها أدنى من الله. والوصول إلى اللوغوس الإلهي معناه الوصول إلى صيغة إلهية (صيغة علمية-معرفية) تعبر في النفس عن الله. وليس هذا معناه إدراك الله، ولكن رؤية أن الله بعيد جداً عن الصيرورة. نحن هنا نعلم علم اليقين، لكن لم نصل بعد إلى عين اليقين. إن كلمة صيغة يجب ألا تؤخذ بحرفية اللغة، إذ أن اللوغوس ليس صيغة، أي فكرة عن الحق، بل هو علم اليقين أو اشعاع الشمس الإلهية، وربما كان أحياناً موضع رؤيا."
إن اللوغوس يفرق ويوحد الله والنفس، إنه من ناحية حد بين المحسوس والألوهية، كونه عقل-روح، وإنه من جهة أخرى عبادة وصلاة شخص الكاهن الأكبر. ثم أن هذا اللوغوس بسبب الاشتراك في أفكار طبيعية ليس فقط التعليم الإلهي، ولكنه شخص الكاهن القائم على الأسرار الإلهية نفسه، الذي حسب تعبير يشير إلى الأسرار، ينبغي عليه أن "يغير آذاننا إلى أعين"، أي يجعلنا نمر من الوعي المتعلم إلى الحدس المباشر"
و"دين غير الكاملين" هذا، كما يقول بريهييه، يقودنا إلى لب أو قلب تفكير فيلون نفسه، إلى اشتغاله الدائم بعبادة (دين) يكون لمرض النفس (دواء)، لهؤلاء الذين لايزالون أيضاً تحت حكم الحس والشهوة والهوى. أما الكاملون أمثال موسى، الذين لا يشعرون بعد بالهوى أو الرغبة، فإنه يمكنهم الاستغناء عن غوث اللوغوس وعونه. إنه الله نفسه الذي يعطيه الخير، فهو زعيم التنظيم الاجتماعي-التاريخي الجديد. بينما اللوغوس الإلهي لا يعمل إلا تجنيب (غير الكامل) الشر ، إنه يلوم وينصح ويعالج أمراض النفس (القلق واليأس والقنوط) ، وإنه لا يستأصل الشهوات، ولكن له عليها هذا التأثير الملطّف المهدئ الذي كان افلاطون ينسبه للعقل" لعلّ تصوير يوريبيديس Euripides لجنون أوريستيس يذكّرنا بتصويره لحالة فايدرا حين أصابتها العلّة والمرض نتيجة عشقها اللعين لابن زوجها هيبولوتوس" تستلقي فايدرا منهوكة القوى على سريرها وسط وصيفاتها ومربيتها العجوز وفتيات (نساء) الكورس. تطلب من وصيفاتها أن يساعدنها على النهوض بعد أن تفكّكت مفاصلها. تشعر بالعِصابة ثقيلة فوق رأسها وتطلب منهن انتزاعها. تهذي تتمنى لو أنها خرجت للصيد. فايدرا تصيبها العلّة بفعل حبها الآثم وشهوة الجسدية على الدرب بين المرحلة الحسية والمرحلة الدينية. على هذا الدرب تعاني النفس من القلق والمرض والسقم. وكم تتمنى لو اكتمل علمها وخرجت للصيد كتكملة عملية"
والنفس البشرية وهي في طريقها إلى غاية وعيها لذاتها تمر بثلاث مراحل كبرى هي المرحلة الحسيّة(الجمالية) وهي الأولى، والثانية هي الأخلاقية وفيها تغدو النفس قادرة على الاختيار واتخاذ القرار من أجل الواجب، أما الثالثة فهي مرحلة تحقيق الإيمان أو المرحلة "الدينية" حيث يغدو واضحاً للنفس انقسام الموجودات إلى حق وخلق، من حيث أنّ الخلق صورة للحق. الغاية العليا للنفس في سياق جدل الإيمان أن تكون في حضرة الحق. إن الوصول إلى هذه الغاية لا يكون مباشرة لأن الارتباط المباشر ضرب من الوثنية، بل لا بد من أن يحدث شرخ وانقسام واضطراب. وهنا نعاين على هذا الدرب أمراض الروح كاليأس والقلق. والمرض يعني حرفيّاً هنا، الاضطراب وعدم التناسب "
بخصوص دواء الشهوة والرغبات الحسية، ليس الفكر هو الذي تلجأ إليه النفس لتبرأ منها، وليفرض عليها العقل قائداً ورباناً، بل ما نلجأ إليه وندعوه لهذا هو الكلمة الواضحة المتميزة والمضبوطة الدقيقة، هذه الكلمة التي بسبب وضوحها تعارض نزوات الغضب، وبسبب ضبطها ودقتها تعارض أكاذيب الرغبة. واللوغوس يملك هذه القوة لأنه أتى من جانب الله (جانب الحق) ، ولا يمكن أن تكون له (هذه القوة) إلا في نفس نذرت نفسها لخدمة الكائن الأعلى وحده(لخدمة مشروع الكون الجديد)"
وفيلون لا يقبل الوعظ من أصحاب الدعوات الأخلاقية، بل يربط هذا الانضباط بوجود دعوة اجتماعية – تاريخية للحق والعدل ، تكرس النفس حياتها لهان من أجل انتصارها. يربط فيلون كل هذه الدعوات الأخلاقية بوجود مشروع إلهي – تأسيسي. يكتب بريهييه: " وفيلون لايقبل أية وسيلة إنسانية (فلسفية) من التي يشير إليها الأخلاقيون لتلطيف الشهوات والأهواء: فالفكرة الإنسانية للواجبات، فيما يقول، والقوانين والشرائع الوضعية الواقعية ليست ناجعة من نفسها. وهكذا نرى وجهة النظر الدينية تقوم مقام وجهة النظر الأخلاقية. فكل تحسين أو إصلاح يتعلق بعمل الكلمة الإلهية وأثرها، لايستطيع سماعها والاصغاء إليها إلا الاتقياء وحدهم" فيلون يتحدث عن أخلاق دينية بالمعنى الذي طرحه كيركيغارد، حيث المرحلة الدينية تدخل في صلب التحولات الاجتماعية-التاريخية المؤسسة لكون جديد وعالم جديد.
نحن في عصر شك فلسفي وديني في القرنين السابقين لميلاد المسيحية، وبعد ظهورها، والإسكندرية تعجّ في هذه الفترة بالجماعات الغنوصية السّرية من رواقية متأخرة وفيثاغورية محدثة. لهذا يجب أن نأخذ قول بريهييه: "إن هذا الأثر أو التأثير العجيب للكلمة الإلهية التي تشفي، يجعلنا تقريباً نفكر في بعض التآويل الروحية للكلمات السحرية. هذه الكلمات التي كان الأطباء في عصر فيلون يستعملونها في الاسكندرية" على محمل الكناية لا الحرفية، أي على أساس هذا الانتشار الواسع للجمعيات والحلقات السّرية الغنوصية في الإسكندرية زمن فيلون، والتي كانت تهدف لمواجهة الشك الفلسفي والديني الذي اجتاح العصر ذلك الزمن. وفيلون نفسه كان ضمن جماعة سرية، واختبر قوة تأثير الكلمة الإلهية كمريد. هكذا يكون اللوغوس الإلهي منخرط في نشاط دعوي لجماعات دينية سريّة، أي ليس كصيغة خارجية وعظية تقاتل في نفس الانسان الشهوات، ولكن كدعوة دينية باطنية دمجت أسلحة الفلسفة اليونانية بأسلحة إلهية تقاتل كلام السوفسطائيين الماهر المموه، المنافحين عن مصالح الإمبراطوريات المنحطة الآفلة. "إنه هنا يغدو نوعاً ملهماً ومنظماً، من التعليم الأخلاقي-الديني ، الذي بما له من أدلة وضروب القسمة، ومعرفة الخصوم يفيد منها كأسلحة ماضية هجومية و دفاعية، وبناء نظرية للمارسة الاجتماعية التاريخية- السياسية، ترفض العقائد الضالة المكرسة للوضع الظالم ، ويعرف حسم الشر الذي يفسد النفوس. "وإذا كان فيلون يظهر أحياناً مهتماً كثيراً لمجرد الحجة الفلسفية في الحياة الأخلاقية، فهذا بلا شك لأن هذه الحجة الفلسفية توجد مؤيدة بإلهام إلهي يجعلها ناجعة" إن نجاعة "النضال النظري" لفيلون، تأتي من تعاضده مع نضال سياسي -إيديولوجي. بمعنى آخر إن حجته الفلسفية هي في خدمة عمل دعوي لجماعة غنوصية سرية باطنية تهدف لمناهضة الإمبراطورية وبناء عالم جديد ودولة جديدة.
لدينا إذاً عبادة اللوغوس، وعبادة الكائن الأعلى الإلهي. إن الكلمة الإلهية لا يمكن ان تكون الله، إنها وحي الله للنفس التقية ، وأيضاً الصلاة التي تصعد نحو الله، وإنها تلهم الانسان لإصلاحه وشفائه من الشهوات والهوى" هكذا نرى أنه لا يمكن أن يبقى الكائن الأعلى كما هو لدى الرواقيينن لكن هذا يطرح مشكلة أخرى: كيف كان يمكن في ذهن فيلون أن نرى مجموعاً في كائن واحد هذه الأفكار المختلفة؛ نعني العلة البذرية، وفكرة الكلمة الإلهية الهابطة بالوحي؟

V
اللوغوس كائن ميثولوجي
"اللوغوس ، كقوة كونية وأداة للإيجاد والكلمة الإلهية ، يطابق لدى فيلون كائناً محدد الشخصية، ويسميه "ابن" الله الأكبر. هذا اللوغوس مغمور بالنعم الإلهية. إنه رسول الله إلى الناس، ويحمل إليهم رجاءاتهم وتضرعاتهم، وأنه ليظهر في شكل إنساني، ويتحدث إليهم" هو كون نوراني مؤسس لعالم جديد. النبي-الرسول مرآة ظهور ذاته وصفاته كما أشرنا يعني في قوله (إن أرسلناك شاهداً) وهو مقام الاتصاف والاتحاد بأنوار الذات والصفات في نور الفعل فصار هو هو إذ غاب الفعل في الصفة وغابت الصفة في الذات وإلى ذلك يشير الحلاج بالقول (هو هو علي عظيم) وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في قوله (إنما الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) ثم قال (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع." . ففي قوله (إن الذين يبايعونك) جعل نبيه مرآة لظهور ذاته وصفاته. وقال في قوله (لتؤمنوا بالله ورسوله) أي ليشاهدوا بأسرارهم الله ويدركوك في محل الجلال والجمال ويعرفوا قدرك في قدري وقدري في قدرك حيث صرت مرآتي أتجلى منك لهم. قال النبي الرسول: (من رآني فقد رأى الحق)
ولكي يشرح بريهييه فكرة الظهور هذه، يذهب مباشرة إلى الميثولوجيا اليونانية التي تقوم على أساس نمط انتاج قديم وجرماني، وهو ما يمزها عن ميثولوجيات الشرق الأدنى القائمة على نمط آسيوي للإنتاج. بالتالي تظهر الآلهة اليونانية خليط من البشر والآلهة في ضرب من الشرك، بينما تجعل فكرة الظهور في الفكر الميثولوجي-الديني في الشرق الأدنى الإله منزهاً عن الصفات.
يقول بريهييه: يتساءلون غالباً إلى أي حد كان يعتقد فيلون في وجود مشخص للوغوس" إن دراسة اللوغوس أعلاه تشير بوضوح اعتقاد فيلون بالظهور، وأن الله ظهر بموسى النبي. وأن التفرقة والتمييز بين شخص محس بنفسه، وكائن لا يوجد من أجل نفسه ولكن فقط في نفسه، كانت شائعة في عصر التأويل المجازي لميثولوجيا من ميثولوجيات الكائنات نصف محسوسة والنصف مجردة" هذه الانصاف المعنوية والحسية تنسجم مع الميثولوجيا اليونانية الخليط من أنصاف آلهة وأنصاف بشر. هذا الضرب من الشرك في الدين اليوناني، هو لايناسب مقام الحديث عن فكرة الظهور لدى فيلون. فالظهور هو ظهور القدرة بالظاهر وصفاته كما تظهر الحرارة باحمرار الحديد، فالاحمرار صفة للحديد. إن قدرة الله تظهر بالنبي البشري الظاهر، تزيل نفسه وتظهر بصفاته. إن استشهاد بريهييه بكائنات مثل زيوس لدى الرواقيين في أنشودة (كلينثي) غير موفق ويدخل في إطار الميثولوجيات النصفية الخليطة. ويعترف بريهييه بعجز هذا النموذج عن شرح الفكرة بالقول: "ولكن اللوغوس لا يظهر لنا هكذا بالضبط، أي لا يظهر لنا واحداً من هذه الكائنات" بل يظهر بشخص هرمس. يقول بريهييه: "لقد احتفظ لنا كُرْنوتوس في كتابه "مختصر النظرية الاغريقية" ملخصاً اللاهوت المجازي لدى الرواقيين، وإذاً ففي توسّعه عن هرمس، لانجد صفة أو سمة لا تتفق و لوغوس فيلون. فبينما نجد عنده أن "هرمس هو اللوغوس الذي أرسلته الآلهة من السماء نحونا" نجد لدى فيلون أن الله حين لم يتنزل للمجيء نحو المحسوسات، أرسل لوغوساته لمساعدة أصدقاء الفضيلة" وفيلون في نفس الموضع يقول: "بما أن الطبيعة قد قوّت كل حيوان بأسلحة خاصة، فقد أعطت الانسان اللوغوس كدفاع" والكلمة اليونانية (apology) التي ترجمناها "بدفاع" لا يمكن تقريباً تفسيرها او إيضاحها إلا بالاشتقاق الذي أعطاه كُرْنوتوس إلى هرمس، وذلك إذ يقول: "كلمة هرمس ترجع إلى أن اللوغوس هو وسيلة دفاعنا، وإلى أنه كقلعة لنا.. هرمس هو رئيس النعم، وفيلون يقول: إن الله أمطر على اللوغوس نعمة البكر الخالدة" وكُرْنوتوس يقرب آلهة النعم (بيثي) وهرمس، إذ تتسابق وتتساعد جميعاً على ضروب الاتحاد"، كذلك نجد اللوغوس لدى فيلون يقوم بدور الوسيط بين العناصر .. وذلك بجعلها تميل للاتحاد. اللوغوس في هذه الفقرة مقارب أيضاً لهرمس وللهرمسة الكونية؛ فعلى شفتيه الاقناع الطاهر، ليأمر العناصر أن تكف عن خلافاتها" ، كذلك تصور هرمس منجياً ومخلصاً، وصلة عبادته بعبادة الصحة (زوال المرض)، وصفة "طيب" والتي منحت للوغوس الحكيم الطيب" (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
اللوغوس لدى فيلون هو رسول الآلهة، وأنه هو الذي يطلب السلام بعد الحرب. أي يخوض الحرب من اجل السلام. كيف يمكن شرحه إن لم يكن بهرمس كُرْنوتوس. وبنفس الطريقة هذه يفسر اللوغوس-ملَك، هرمس كما يقول كرنوتوس ملَك، لأننا نعرف إرادة الله حسب ما نأخذه من الأفكار عن اللوغوس، أو الأفكار المحتواة في اللوغوس" وهرمس قائد الأرواح ليس دون شبيه لدى فيلون، إذ يرى أن اللوغوس يمد يده للزاهد، وبواسطة اللوغوس يقود الإله نحوه الكامل. وحين يميز فيلون بين الرؤى من جانب الإله، والرؤى الأخرى التي تكون عن الملائكة، قد يكون أساسه في هذا هرمس كُرْنوتوس الذي يرسل الأحلام" ويقول كرنوتوس على سبيل التمثيل: أن هرمس ولد عن زيوس " ، وكذلك يرى فيلون أن اللوغوس هو ابن الله ، ويرى عند مكروب نفس التصور الذي صار بتمامه مجازياً: الإله الأعلى خلق العقل من نفسه لخصوبة عظمته الزائدة" ونجد للزوجين: إله- حكمة وقد انجبا لوغوساً شبيهاً باتحاد زيوس بمايا Miaa (ابنة أطلس وأم عطارد: السيدة الحكيمة التي تعلِّم) التي اتخذت هنا كناية عن البحث [النظري]، كما اتخذ زيوس رمزاً للحدس العملي المباشر. هذا الاتحاد بين البحث النظري والممارسة العملية كان منه هرمس (النبي-الرسول). واللوغوس سماه فيلون بالطريق (صراط مستقيم)، وهذه الكلمة تجعلنا نفكر في تأويل كُرْنوتوس لهرمس: مفرق طرق"
يكتب بريهييه: وقد اقتصرنا حتى الآن، على الإشارة لصفات اللوغوس الفيلوني التي لايمكن فهم أصلها بدون التأويل الميثولوجي لهرمس، ولكن هذا كاف ليرينا أنه في هذا التأويل، نجد أن فكرة اللوغوس-كلمة كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باطناً بفكرة اللوغوس مبدأً طبيعياً وأخلاقياً. وإننا حقيقة نستطيع بهذه الميثولوجيا إقامة الوحدة بين العناصر المختلفة التي تقدمها نظرية اللوغوس" إن هرمس بكونه نبياً رسولاً قد وحّد في شخصه النظرية والممارسة، والعلم والعمل. إن التأويل الميثولوجي للكون الهرمسي المؤسس يشرح بشكل كاف هذه الوحدة للنظرية والممارسة الاجتماعية – التاريخية. إن النماذج الميثولوجية الإغريقية على العكس من مثيلاتها المصرية لاتقربنا من بيئة فيلون الاسكندرانية -المصرية الشرقية. إن رسالة كُرْنوتوس التي مصدرها إلهام كريزيب لا تشمل إلا سمات قليلة العدد من لوغوس فيلون، وعلى الضد من ذلك نجد الميثولوجيا المجازية لرسالة بلوتارك عن "إيزيس وأوزِريس" تقربنا من البيئة التي كان يعيش فيها فيلون. فإن هذه الرسالة تحوي لاهوتاً يرجع إلى تطبيق الطريقة المجازية على بعض الميثولوجيات المصرية، قبل ان تختلط بالمثولوجيات الإغريقية في العصر الهلنستي. حيث حاول الحكام البطالمة إجراء هذا الخلط من أجل سهولة السيطرة على الشعوب التي أخضعوها في مصر. فميثولوجيا أوزريس عند بلوتارك ضربت على مثال ميثولوجيا ديونِزوس الهلليني (اليوناني) . في هذه الرسالة، المؤلفة من مصادر ذات إلهام مختلف جداً، بل متعارض، نرى نظرية اللوغوس لا تقوم إلا بدور ضعيف جداً، ومع هذا فهو كافياً لإلقاء بعض الضوء على لوغوس فيلون" لا يكفي بلا شك أن نجد مشابهات بين تصورات بلوتارك فيما يتصل بالمثولوجيات المصرية، لنستنتج من ذلك أخذ فيلون عن هذه الميثولوجيا المجازية. ذلك بأن هذه التصورات المجازية-الرمزية قد وجدت (وهذه هي الحالة العامة في الرواقية) مستقلة عن هذا المجاز (البلوتاركي)، ومن ثم قد تكون وصلت إلى فيلون بطريق آخر. ولكن المجاز المستعمل في تأويل الميثولوجيات هذه، تظهر منه على التصورات الفلسفية سمات من السهل تعرُّفُها؛ إن هذه التصورات تضيف إلى الفكر العقلي الاستدلالي أو المعارف المجردة، كفكرة اللوغوس، نوعاً من التشخيص (التشخيصات) المأخوذة عن الميثولوجيا." فمثلاً حينما نجد لدى فيلون أن اللوغوس باعتباره الابن البكر لله، يتميز عن الابن العالِم الشاب لله، نشعر أن هذه التعابير تضعنا في طريق الميثولوجيا الدينية المصرية القديمة. إنه فيما يلوح يجب ان نبحث في هذه الميثولوجيا المصرية عن التمييز بين "حورسَين" (حورس ذي الأفقين)، أن نبحث عن "حورس ذي القرنين" ابني الإله الأعلى أوزِريس. فالبكر أي الأكبر منهما يرمز إلى العالم المعقول، والأصغر إلى العالم المحسوس. سنتكلم بمثل هذا عن تصور اللوغوس المزدوج ، أي لوغوس العالم المعقول المتوجه نحو الله، والآخر الذي يهبط أمام الانسان في منطقة المحسوسات. هذه التفرقة ليس لها أي أساس في فكرة اللوغوس لدى الرواقيين" وهذا مصدره الاختلاف بين نمطي الإنتاج الاسيوي في مصر، والقديم والجرماني في بلاد الإغريق. فاللوغوس الذي ظهر امام الانسان يمدنا بأثر تصوري ميثولوجي أولاً، هكذا وبحسب رسالة بلوتارك، يكون أوزِريس هو "لوغوس السماء وعالم الأموات، وتحت اسم أنوبيس (العجل السماوي؛ وحي الاقدمين وكلمتهم) Anoubis" ، يعرفنا الأشياء السماوية (وحي الأسلاف) ويكون لوغوس تلك الجهات العلى، ولكن تحت اسمه الآخر Hermanoubis يتعلق من ناحية بأشياء السماء (النظرية) أو تلك الجهات العلى (الآل والحكمة النظرية)، وبنفس الوقت، بأمور الأرض(الممارسة أو الحكمة العملية) .
إن تشخُّص الكلمة الإلهية لدى فيلون يجد أيضاً ما يوازيه في ميثولوجيا أوزِريس، رمز الكلمة المقدسة السرية أو العجيبة (الوحي المتسلم من الآباء) التي تنقلها الإلهة إزيس إلى المرتاضين" المؤهلين المستعدين لتسلم هذا الوحي. لقد بينا في التفكير الهلنستي(مصري متأثر بالهللينية)، هذا التفكير الذي تمثله الرسالة عن إزيس ، الطريقة التي كانت تؤدى، بسبب المجاز في الميثولوجيات، إلى تصور للوغوس ، يجمع السمات الأساسية للوغوس فيلون" إن اللوغوس باعتباره كلمة إلهية، يحتفظ بدور أخلاقي فقط تقريباً، وإنه على علاقة وصلة بالنفس الإنسانية وبالفلسفة الاستدلالية الطبيعية والأخلاقية (إنه اللوغوس الذي يدافع عن النفس ضد الشهوات)، أكثر من علاقته بالخلق والإيجاد (هرمس اللوغوس الذي يدافع عن العالم المحسوس ضد اعتداءات الشر Typhon ) وفيلون عرف على الأقل نتائج المجهودات التي قام بها رجال اللاهوت في مصر الهلنستية ليوحدوا بين التطور المصري القديم للكلمة الإلهية الخالقة، وبين الفكرة الفلسفية للوغوس. وهذا يفسر كفاية لماذا يجمع في كائن واحد صفات جد مختلفة. لقد أخطأ بريهييه في القول أن فيلون لم ينضج، ولم يفم في عمق وحدة هذا المفهوم (وحدة النظرية والممارسة)، وبقيت اجزاؤه لا رابط بينها. ومهما يكن راي بريهييه، فقد كان لبحث فيلون فائدة عظيمة للأجيال اللاحقة من المفكرين العظام، وكان له أثره على ديالكتيك لينين وعلى الإسلام المحمدي. وكان لبحثه فائدة أخرى فيما يختص بالإحساسات الدينية للنفس. إنه من ذلك نعرف لماذا طلب في اللوغوس شيئاً آخر أكثر من الكلمة الموجدة أو الخالقة للعالم ، نعني الكلمة التي تقود وتهدي، وتلطّف وتعزّي نفس الذين لم يصلوا بعد إلى الكمال"

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول