من وراء زرع الكراهية بين الجزائريين؟

رابح لونيسي
2020 / 6 / 5

عرفت الجزائر في السنوات الأخيرة ترويجا كبيرا للكراهية فيما بينهم، خاصة عبر مواقع التواصل الإجتماعي لأن في الواقع لا نجد وجود كبير للظاهرة، فهم متعايشون مهما كانت مناطقهم وألسنتهم وثقافاتهم، كما أظهر الحراك الشعبي وعيا كبيرا وإيمانا بالتعددية بكل أشكالها في الجزائر، وندد سلوكا وشعارات بما كان يراها محاولات عناصر من السلطة ضرب الجزائريين بعضهم ببعض في إطار فرق تسد، لكن فلنعترف بأن العصبيات كامنة في عمق كل مجتمعات منطقتنا، لكنها لا تصل إلى درجة العنف والصراعات الدموية إلا في حالات ضعف الدولة كما وقع في التسعينيات حيث أختلطت هذه العصبيات بكراهية دينية آنذاك خلفت حوالي 200ألف من الضحايا.
لعل سيقول البعض أن الترويج للكراهية موجود في مواقع التواصل الإجتماعي فقط، لكن يجب أن نضع في الأذهان أن كرة الثلج تبدأ صغيرة ثم تكبر، فلهذه المواقع تأثير على المجتمع، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى ما لايحمد عقباه إذا لم يواجه هذا الترويج بحزم، فقد دخل العالم اليوم إلى الجيل الرابع والخامس للحروب، والمتمثلة في حرب إلكترونية تحطم بواسطة مواقع التواصل الإجتماعي مجتمع بأكمله من الداخل بتحريض مكوناته بعضها ضد بعض، فتتحطم الدولة دون أن يخسر العدو جندي واحد، ولن تتعدى خسارته عند أقصى حد مجموعة من أجهزة الإعلام الآلي وأجور عدد محدود من المدونين لا غير، ويسمونهم عسكريا جنود الإعلام الآلي، فالكثير من الجيوش اليوم عندها تشكيلات عسكرية تتشكل من هذا النوع من الجنود.
ولمواجهة هذا الخطر المحدق بالجزائر أصدرت قانونا يجرم العنصرية والكراهية والجهوية، وهو أمر يجب الثناء عليه، لكنه لا يكفي للحد من الظاهرة، فمن ملاحظتنا الأولية للقانون نجد أنه لايتحدث إطلاقا عن الكراهية الدينية، ومنها التكفير الذي يعد سببا رئيسيا لما وقع في تسعينيات القرن الماضي، وتتمثل خطورة التكفير في إعطائه قوة جهنمية للكراهيات الأخرى، لأنها تغلفها بالقداسة الدينية التي يمكن أن تدفع الإنسان إلى القتل بدعوى تنفيذ أحكام الردة الواردة في الفقه الإسلامي، فكل عصبية قبلية أو لسانية أو جهوية تريد أن تربط عصبيتها بالدين لتعطيها قوة وقداسة، وإلا فكيف نفسر محاولات بعض العصبيات وصم مثلا سكان منطقة القبائل بأنهم ضد الدين، وهو ليس كذلك إطلاقا، بل عرفت الجزائر في بداية الألفية الثانية حملة ضد المنطقة ومحاولة لوصفهم أنهم مسيحيون قادتها صحف معروفة بولائها للقومية العربية وممولة من دول خليجية ، وهو ليس كذلك، فهل من المعقول أن يوصف الديمقراطيون وكذلك علمانيون بأنهم كفارا بالرغم من أن العلمانية معناها وقوف الدولة موقف محايد وبمسافة متساوية من كل الأديان والمعتقدات، وتحميهم جميعا، فهناك تيارات أيديولوجية تسعى جاهدة لزرع الإلتباس في المفاهيم والمصطلحات عمدا كي تبرر ممارساتها الإقصائية، بل تعطي شرعية لإرهاب بعضها ضد جزء من المجتمع، فقد نعتت أحزاب بالكفر إلا لأنها تعارض هذه التيارات الأيديولوجية المستغلة للدين، ألم يكن الفيس المنحل مثلا يطلق على حزب الأرسيدي بأنه حزب ضد الله برغم أن الكثير من مناضليه ومناضلي أحزاب أخرى تنعت بالعلمانية جد ملتزمين بأركان الإسلام كلهان فأمر خطير عدم التوضيح للناس أن العلمانية ليست معناها الكفر ومعاداة الدين، بل يمكن أن نجد علماني ملتزم بالدين وعلماني آخر غير ملتزم به، فالدين عند هؤلاء هي قضية شخصية لايحق للدولة ولا لأي إنسان التدخل فيها.
نعتقد ان تجاهل القانون لهذه الكراهية الدينية سببه الخوف من إثارة بعض التيارات الدينية من جهة، وكذلك لسبب آخر، فالجميع يعلم أن الكثير من أئمة المساجد عندنا يلعنون النصارى واليهود وغيرهم على المنابر، وهو ما يناقض مباديء الإسلام، التي تعترف بهؤلاء أنهم من أهل الكتاب، ويتم هذا اللعن حتى في دول أوروبية سمحت للمسلمين ببناء المساجد تطبيقا للعلمانية التي تحمي كل الأديان، فلو وضعنا هذه الكراهية الدينية ضمن هذا القانون، سيسجن الكثير من الأئمة الذين تعودوا على ذلك، فبالنسبة لمسألة اللعن في المساجد، فلعل البعض لايعلم أنها ولدت مع حكم بني أمية، فقد كان الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب يلعن في المساجد طيلة عقود حتى جاء الخليفة الأموي العادل عمر بن عبدالعزيز، فألغى ذلك، فلنشر أن عمر بن عبدالعزير قد قتله الأمويون، لأنه أصبح يهدد سلطتهم وتحريفهم للإسلام الذي حولوه إلى دين عنصرية وإستغلال، ويوظفونه لتوسعاتهم وإستغلالهم وإستبدادهم، فعنصرية الأمويين هي التي مهدت لإسقاط دولتهم على يد العباسيين الذين جمعوا حولهم كل الشعوب غير العربية التي عانت من عنصرية بني امية، فلنتصور لو أستمرت الدولة الأموية، ولم يأت هذا الخليفة الأموي العادل عمر بن عبدالعزيز ثم سقوط هذه الدولة، ألا يمكن أن يكون الكثير من الأئمة يلعنون علي بن أبي طالب في المساجد اليوم؟.
أن هذا القانون الذي يجرم العنصرية لايكفي لمحاربة كل هذه الكراهيات إلا إذا أرفقناها بإجراءات سياسية وإقتصادية وتعليمية وثقافية كنا قد تطرقنا إلى البعض منها في عدة مقالات لنا من قبل، ومن أهمها هو تغيير البنىة التحتية المتمثلة في علاقات وقوى الإنتاج التي ستغير بدورها البنية الفوقية والمتمثلة في الثقافة والذهنيات، ومنها إنتشار فكرة المواطنة والديمقراطية وتقبل الآخر وإحترامه، كما يمكن للسلطة أن تلعب دورا كبيرا بكشف من وراء هذا الترويج، خاصة الذي كان يأتي من بريطانيا منذ سنوات، فكم تمنينا أن يكون لنا حكيم في السلطة يشبه الشهيد سي محمد بوقرة قائد الولاية التاريخية الرابعة الممتدة من الأخضرية بمنطقة القبائل إلى حدود غليزان في الغرب الجزائري، فقد تمكن من القضاء على محاولة إستعمارية فرنسية لتفجير الثورة التحريرية من الداخل بداية من نواحي الجلفة ومداخل الصحراء الجزائرية، حيث وظف الإستعمار شخصية تدعى الشريف بن سعيدي الذي انخرط في الثورة، فكلف بمهمة تحريض سكان المنطقة الصحراوية على المجاهدين الكثر الذين جاءوا من منطقة القبائل لنقل الثورة إليها بقيادة الشهيد علي ملاح، فتمكن الشريف بن سعيدي من إقناع البعض من السكان وأعيان المنطقة قائلا لهم أن هؤلاء إستعمروا المنطقة، فسعى لتوجيههم ضد المجاهدين من منطقة القبائل بدل فرنسا كما يعمل اليوم الكثير الذين يوجهون سهامهم إلى منطقة القبائل بدل السلطة التي تستغلهم، ويروجون أن سبب مأساتهم هم هؤلاء السكان من منطقة القبائل الذين لايختلفون في الحقيقة في بؤسهم وفقرهم عن باقي مناطق الجزائر إن لم يكن أكثر منهم، فلما سمع سي محمد بوقرة بالمؤامرة ضد الثورة أنتقل من الولاية التاريخية الرابعة التي يقودها إلى منطقة الصحراء التي قتل فيها قائدها علي ملاح وثلة من خيرة المجاهدين، ولم يواجه سي محمد بوقرة هذا الخائن بن سعيدي مباشرة بقتله، لأن ذلك يمكن أن يكون له تأثير سلبي، خاصة أن الشهيد بوقرة قائد الولاية التاريخية الرابعة ينحدر من منطقة القبائل، وبالضبط من أيث يعلى بنواحي سطيف، فعمد إلى فضح عمالة بن سعيدي للإستعمار بالدليل القاطع أمام أعيان الصحراء، وبأن فرنسا الإستعمارية هي التي كانت وراءه لضرب الثورة من الداخل، فتركه يهرب لتثبت عليه الإدانة، فأقتنع السكان بهذه اللعبة، ونعتقد اليوم أن السلطة في الجزائر تعلم جيدا من وراء الترويج لهذه الكراهية بين الجزائريين، فما عليها إلا فضحهم ومن ورائهم بأدلتها التي من المؤكد أنها تملكها كما فعل الشهيد سي محمد بوقرة مع الشريف بن سعيدي.

يختلف الكثير عن من وراء الترويج لهذه الكراهية في الجزائر، إلا أنه في الحقيقة وراءها عدة أطراف التقت مصالحها كلها للترويج لذلك، وهي:
- جناح من الفيس المنحل، وليس كله، فأغلب أعضاء هذا الجناح يعيشون في بريطانيا التي ترعاهم، بل أعطت حتى الجنسية البريطانية لهم، فلنعلم أن الفيس هو جبهة تضم عدة أجنحة متصارعة، فهذا الجناح الذي ذكرناه يرى أن منطقة القبائل هي التي وقفت حجر عثرة ضد مشروعهم الثيوقراطي في التسعينيات، فيرى أنه كي ينجز مشروعه يجب دفع منطقة القبائل إلى الإنفصال، وهو ما سيسهل عليهم إقامة مشروعهم، لأن في نظره أن باقي الجزائر ستؤيد هذا المشروع، وهو ما يفسر لنا تلك الحملة التحريضية ضد المنطقة بتخوينهم وتخوين رموزها، وكل ذلك لدفع سكانها إلى ردود فعل عاطفية، فينضمون إلى فكرة الإنفصال التي تدعو لها حركة الماك لفرحات مهني. ونشير أنها نفس الفكرة التي روج لها حسن الترابي في السودان بدفع الجنوب إلى الإنفصال، فلنشر أيضا أن هذا الجناح من الفيس المنحل تحالف ظرفيا وتكتيكيا مع مجموعة من القوميين العرب، ومنهم بعثيين يريدون تعريب كل الجزائريين، فعادة التحالف البعثي مع المتطرفين الدينيين ليس جديد، فقد تحالف البعث في العراق مع المتطرفين الدينيين، فكانوا وراء ولادة تنظيم داعش، كما علينا الإشارة ان القوميين العرب في الجزائر ركبوا بعض الحركات الإسلامية لتوظيفها لتحقيق أهدافها، فحرفت هذه الحركات عن مبدأ أساسي في الإسلام وهو نبذ العنصرية والعصبيات القومية، فنست أن القرآن الكريم تعدد الألسنة والألوان آية من آيات الله.
- بقايا الإرهاب الذي يتغذى من الفوضى، ولهذا فالتحريض على الكراهية بين الجزائريين سيؤدي في نظره إلى حرب أهلية، فتضعف الدولة، وهو ما سيسمح لبقايا الإرهاب إعادة إنتشاره من جديد بعد ما تلقى هزيمة نكراء على يد الجيش الجزائري في التسعينيات، فكلنا نعلم جيدا كيف نشأت داعش في العراق بسبب الفوضى والصراع الشيعي-السني، فهم يريدون تكرار نفس الأمر في البلاد المغاربية، خاصة في الجزائر، فلاننسى أن هناك جماعات إرهابية تنشط على حدودها سواء في ليبيا أو شمال المالي، ولايجب ان يغيب عن ذهننا أن الإرهاب مرتبط بإستراتيجيات القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تتخذه كذريعة لنشر قواعدها العسكرية، خاصة أمام منابع النفط لمراقبته والتحكم فيه عن قرب، وإلا كيف نفسر إنتشار الإرهاب بالقرب من هذه المنابع الطاقوية.
- الكيان الصهيوني الذي هو متخصص في الحروب الإلكترونية، ويعمل من أجل تفكيك كل دول المنطقة سواء على أساس طائفي في المشرق العربي أو على أساس أعراق وهمية في الدول المغاربية، فتضعف هذه الدول من جراء حروب أهلية، فتتفكك، مما يؤدي إلى إقامة دويلات صغيرة، خاصة على أسس طائفية ودينية، مما سيعطي شرعية للكيان الصهيوني المبني على أساس ديني، ويجعلها من أقوى دول المنطقة، ويمكن حتى أن تلعب دور حفظ التوازن في الصراعات والحروب مابين هذه الدويلات الصغيرة بحكم الصراع الطائفي، وممكن الوهم العرقي.
- عناصر من السلطة، وليس كلها تروج لذلك تطبيقا لمبدأ فرق تسد كي تحافظ على نفوذها ومصالحها، ومن غير المستبعد أنها متواطئة مع من يشن حربا إلكترونية على الجزائر من الخارج، وخاصة من بريطانيا، وهو ما يعتبر في القانون بأنه خيانة، لأنها مساعدة لعدو يشن حربا إلكترونية ضد الجزائر.
- السلطة في المغرب الأقصى الذي هو في صراع مع الجزائر، وتريد إضعافها، كما أنها بودها أن ينجح الماك في مشروعه الإنفصالي، لأن ذلك سيسمح للمغرب بإستخدام دبلومسية الربط بين الصحراء الغربية ومنطقة القبائل، لكن لاتدرك السلطة في المغرب أن هذه المنطقة لاتشبه الصحراء الغربية، فهي عبر تاريخها جزء لايتجزأ من الجزائر، فهي تشبه في حقيقة الأمر الريف في المغرب مثلا، ولهذا فإن تمادي السلطة في المغرب في ذلك، سينعكس سلبا عليها على عكس ما تعتقد، لأن تفكيك الجزائر سيكون بداية لتفكيك كل البلاد المغاربية، وهو ما سيخدم في الأخير الكيان الصهيوني وفرنسا التي تخشى قيام دولة مغاربية واحدة في جنوب المتوسط، فعلى المغرب أن يقوم بالعكس، وذلك بالعمل من أجل دولة مغاربية واحدة في إطار فيدرالي، فتحل قضية الصحراء الغربية في هذا الإطار، وسيستفيد المغرب من ثرواتها، كما ستستفيد كل الشعوب المغاربية إقتصاديا من هذا الإتحاد المغاربي.
- حركة الماك الإنفصالية، فهذه الحركة قد ضعفت كثيرا بحكم عاملين أساسيين وهما: إعادة الدولة الإعتبار للبعد الأمازيغي بصفته لغة وثقافة وعمق تاريخي للجزائر الذي همش من قبل، أما العامل الثاني فهو الحراك الشعبي الذي أقنع الكثير من سكان منطقة القبائل بأن ما تروجه حركة الماك ليس صحيح بعد وقوف الكثير من الجزائريين في الحراك معهم بعد محاولات التحريض ضدهم في إطار سياسة فرق تسد، فهذه الحركة ضعيفة، وليس لها إمكانيات للترويج لذلك، إلا أنها وجدت ضالتها في كل هؤلاء المحرضين ضد منطقة القبائل، فهم يخدمونها بوعي أو دون وعي، هذا إن لم يكن هناك تحالف بين الماك وهذا الجناح المتطرف للفيس المنحل في إطار مشروعين يرعاهما الكيان الصهيوني ودول غربية أخرى، أحدهما يستهدف إنشاء دولة في منطقة القبائل مما سيؤدي إلى إنفصال مناطق اخرى، ومشروع ىخر يستهدف إنشاء دولة أو ممكن عدة دول وإمارات دينية في باقي مناطق الجزائر، خاصة أننا نعلم أن الدين هو عامل تفتيت عند توظيفه سياسيا، فبإمكان أن تتفتت دولة أو جماعة دينية إلى عدة جماعات تكفر بعضها بعضا، وتدخل في حرب دموية فيما بينها بسبب إختلاف الفتوى حول قضية بسيطة.