حول الحنين لماضي النضال الطلابي، وضرورة استخلاص دروسه. عبد الكريم عامل، 04 يونيو 2020

المناضل-ة
2020 / 6 / 5

فرض الحجر الصحي على عموم الناس إيقاعا حياتيا قاسيا، وتفشى التواصل عبر الشبكات الاجتماعية واستعمالها لأغراض عدة: تواصلية وتثقيفية ونضالية، بإيقاع متسم بحنين لماض "مشرق" وبعودة جماعية نحو مساءلة الذات بشكل فردي، وكذلك جماعي، مما انعكس انفجارا في مجموعات فايسبوكية تعنى بتجميع رفاق الأمس، سواء في العمل أو السكن أو الدراسة أو النضال.
شكلت مجموعات قدماء الطلاب في مختلف الجامعات المغربية إحدى فضاءات تجميع الذكريات الشخصية والنضالية لأفواج من الطلاب مروا بتلك الجامعات خاصة في فترات الثمانينات والتسعينات، مما أتاح فرصة ثمينة لإجراء تقييمات لمسارات هذا الجيل من المناضلين الطلابيين ومدى مساهمتهم الفعلية في النضال الطلابي أولا، لكن وأساسا في المسار النضالي العام بعد انصرام الفترة الطلابية، القصيرة بطبيعتها.
تزامن ولوج هذا الجيل من المناضلين الطلابيين للجامعات مع الفترة التي شهدت أو تلت انهيار الاتحاد السوفياتي كدولة عمالية منحطة بيروقراطيا وباقي الكتلة الشرقية، ومعه انهيار الآمال بالحركة الجماهيرية الضخمة التي عرفتها مرحلة نهاية الثمانينات هناك ضد البيروقراطية والقمع. هذه الحركة التي فشلت في التحول إلى حركة لتجديد المشروع الاشتراكي وإعطائه نفسا عماليا ديمقراطيا جديدا. نظرا للخواء الذي وطده الجهاز البيروقراطي داخل الحركة العمالية بكافة الأساليب، هذا الجهاز الذي أصبحت الجماهير العمالية تُطابق بينه وبين المشروع الاشتراكي التحرري.
لقد كان السقوط مدويا، فكما كانت ثورة أكتوبر العمالية والاشتراكية فاتحة لعصر ثوري وتحرري ألهب حماسة ملايين الشباب من الطبقة العاملة والشعوب المستعمرة وشكلت قفزة كبرى للحركة العمالية، رغم كل تشوهاتها، عصفت بعدد من قلاع الرأسمال والاستعمار ونالت الطبقة العاملة بتأثيرها مكاسب تاريخية منذ عشرينات القرن العشرين في مختلف بقاع العالم، كان سقوط الاتحاد السوفياتي وإعادة الرأسمالية على أنقاضه صدمة مروعة وخطوة كبرى إلى الوراء، كان الانهيار عظيما ومعركة تاريخية كبرى خسرتها الطبقة العاملة عبر العالم وليس في الاتحاد السوفياتي وحده، ومع هذه الخسارة الفادحة، قامت البورجوازية المنتصرة في هذه الجولة من الصراع الطبقي، بسبي مكاسب الشعوب السوفياتية وشعوب أوروبا الشرقية، وحطمت مكاسب الطبقة العاملة في الدول الإمبريالية المختلفة. واستهدفت الشعوب التي تحررت نسبيا من سطوة الامبريالية، والاستعمار بضراوة أكبر واستنزفت خيراتها واستباحت خدماتها العمومية. وأشعلت حروبا إمبريالية عدة وفتت دولا في مختلف مناطق العالم.
تحولت أحزاب، بين عشية وضحاها، لخدمة البورجوازية، أحزاب كانت تضع على جدول أعمالها- ولو لأفق بعيد- الإطاحة بالرأسمالية وبناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة وخالي من القهر والاستغلال. كما تحول عشرات الآلاف من المثقفين التقدميين إلى منظرين للعصر الجديد، واستثمروا مواهبهم في خدمة الحركات القومية وحتى الدينية المتعصبة. وأصبح شغلهم الشاغل تبرير كل شيء لصالح الرأسمال والرأسمالية كأفق غير قابل للتجاوز. وفي سبيل ذلك تم تأسيس ملايين الجمعيات للترويج للاندماج في عالم الرأسمال المنتصر.
استُبدلت اللغة النقابية بشكل جذري، وأصبحت جل القيادات النقابية تتدحرج على منحدر سياسة التعاون الطبقي والشراكة مع أرباب العمل، وهجر عدد كبير من النقابيين النقابات للعمل في مؤسسات الرأسمال أو تحولوا للعمل في الجمعيات التنموية، بل جرى استقدام أساليب الإدارة الرأسمالية وأيديولوجيتها لداخل النقابة العمالية. وفي حين استخدم البعض الجهاز النقابي لمراكمة المنافع الشخصية، صمدت قلة من الطلائع العمالية والنقابية ومن المثقفين رغم القمع والحصار، وأزمة المصداقية التي عاناها المشروع الاشتراكي.
أصبح مناهضو الرأسمالية والمنتسبين لمشاريع التغيير الجذرية والتقدمية عرضة للسخرية، وأُلقي باللائمة على الحصيلة الكارثية للتجربة البيروقراطية (المعسكر الاشتراكي)، ليس على خطها البائس المعادي للمصالح الأممية للطبقة العاملة، بل كذلك، وأساسا، على منتقديها ومن اكتووا بنارها ولم يخطؤوا يوما عدوهم: الرأسمالية والامبريالية.
في بلدنا، الذي كابدت فيه أجيال من المناضلين من أجل بناء المشروع التحرري للطبقة العاملة وفقد عديد حياته أو حريته بروح ثورية، تخلى عدد هائل من المنتسبين- ات لذلك المشروع عنه واستبدله بمحاولة قطف ممكنات النجاح الذي يتيحها المجتمع البورجوازي للقلة من أفراد المجتمع.
لقد ظل هدف بناء أدوات نضال الطبقة العاملة النقابية والسياسية، على أساس الصراع الطبقي مع البورجوازية، بوصلة توجه مجهودات المنتسبين القلة التي ظلت وفية للمشروع الاشتراكي التحرري، رغم تواضع النتائج في هذا الباب (لأسباب يطول شرحها هنا).
هكذا، ومع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، أضاع جل تقدميي- ات وثوريي- ات المرحلة السابقة الخريطة والبوصلة، وتفرقوا بين مستسلم-ة ومنسحب-ة من أجل اللحاق بنجاحات المجتمع البورجوازي، أو من انتقل بوضوح للضفة الأخرى، متحولين-ات إلى سوط في يد العدو يسفه من خلاله المشروع الاشتراكي التحرري، منطلقين لِلْغَرْفِ من فتات موائد "الديمقراطية البورجوازية" ومناصب مجتمعها المدني، وجمعياتها التنموية.
تم التخلص من مكتبات كاملة من أمهات الفكر الماركسي في أسواق الخردة. وعوضت عند البعض بكتابات تراثية، وتنويرية، بدعوة ضرورة إخراج الشعب من الأسطورة، فيما اعتبر بعض ممن تعوزه الجرأة الأدبية عن التخلي صراحة عن المشروع الاشتراكي أن هذا الأخير عليه، في أحسن الأحوال، أن ينتظر دهرا آخر.
هكذا وجدت الطلائع الطلابية في جامعاتنا في نهاية التسعينات نفسها في العراء، فلم يتم إعادة بناء المنظمة الطلابية العتيدة واستمر جدل تافه حوله مغلف بهالة من كلمات رنانة، بينما للمفارقة يبني خريجوا- ات الجامعة جمعية للمعطلين- ات تحت نيران قمع وتضييق أشد فتكا، في حين ترك جل قادة النضال الطلابي السلاح واخذوا يبنون الجسور نحو الضفة الأخرى، قادتهم لمصالحة واضحة أو ضمنية مع الجلاد. لكن عددا غير يسير من الطلاب /ات المناضلين /ات رفض هذا المنحى، مواجها ضربات الأعداء من النظام البورجوازي ومن الرجعية الدينية، وحتى من بعض أدعياء اليسار الجذري أنفسهم، وحاول جاهدا بقدر من النجاح تشكيل جيل جديد من الشباب الثوري الطلابي قادر على مد منظمات النضال بأوراق حمراء جديدة بعد تساقط المصفر منها. فيما كان دور المتساقطين- ات، بعد أن تنظموا في منظمات قطعت مع كل علاقة بالماركسية والصراع الطبقي، المساهمة في تدمير النضال الشبابي بكل ما أوتوا من حقد.
لكن الخطير هو استمرار البعض في الاتجار بمسار نضالي قطع معه فكرا وممارسة، فالأقدم تجربة والأكثر شهرة ارتمى في أحضان مؤسسات الدولة البورجوازية والبعض الآخر في أحزابها، وأصبحت الصحافة لا تجد له من مناقب إلا بذكر فترة نضاله، لتذكيره أن قيمته بالنسبة للبورجوازية تكمن بالضبط في ماضيه الذي يسفهونه اليوم، وهي الخدمة التي تحاول البورجوازية الاستفادة منها كطبقة لحرمان الطبقة العاملة من شبابها الطلابي المناضل. فيما حول البعض المهارات التي اكتسبها خلال فترة نضاله السابقة لبناء مشروعه الشخصي.
ضحايا التسعينات والنضال الطلابي كثر، ومنها من لازال بعد ربع قرن وأكثر يبجل مشاركته في مظاهرة أو اعتصام أو مقاطعة امتحان أو تعرضه للقمع والاعتقال. هذا التمجيد لا علاقة له بحفظ الذاكرة، فالذي يستمر في النضال ذاكرته تظل حية متقدة والشعلة لا تنطفئ أبدا.
فكثير من هؤلاء السادة ترك النقابة، أهم أدوات النضال للدفاع عن شروط عيش لائقة، وطلق كل مشروع سياسي يروم تجاوز نظام الاستغلال الرأسمالي. إضرابات في قطاعاتهم لا يشاركون فيها، مكاتب نقابية لا يريد أحد تحمل مسؤولية تنشيطها والرفع من كفاءتها، ومقرات نقابية مهجورة لا أحد استهواه العمل لجعلها منارة في كل حي عمالي وشعبي.
نضالات كثيرة عرفها العقد الأخير أبرزها نضالات حركة 20 فبراير، دخلناها بأدوات نضال معطوبة، وبدون مشروع طبقي مناهض للبورجوازية وذي افق تحرري، لم تكن الصدمة كافية لتوقظ البعض وتعيده لجادة الصواب الطبقي، بعد تبخر أوهام الرخاء الليبرالي الموعود قبل عقود.
إن أهم خلاصة يمكن أن تُقدم للشباب الطلابي اليوم، هي أن الصراع الطبقي لا يتوقف ووحشية النظام الرأسمالي بكافة تنويعاته تزداد عمقا، والحاجة اليوم للاشتراكية هي نفس حاجتنا للهروب من البربرية البورجوازية. وها نحن اليوم نرى ما أوصلنا له نمط إنتاج مدمر للطبيعة والصحة.
إن الطبقة العاملة محتاجة اليوم لشباب يعيش من أجل تحررها، يبني معها أدوات نضالها، مستفيدا من خبرة انتصاراتها وهزائمها، قاطعا مع كل وهم للنجاح في مجتمع بورجوازي أولويته هي استغلال الشغيلة ومراكمة الأرباح.
عندما نرفض الاستغلال والقمع، عندما نطالب بتقاسم الخيرات المنتجة بين البشر دون تخريب الطبيعة، عندما نطالب بخدمات عمومية للجميع بغض النظر عن القدرة على الدفع، عندما نناضل من أجل خفض ساعات يوم العمل ومستوى عيش كريم، عندما نناضل من أجل نظام ضمان اجتماعي وصحي شامل للجميع بمنظور القطع مع نظام استغلال الانسان لأخيه الانسان، تكون معاداة الرأسمالية نبراسنا والمشروع الاشتراكي مرشدنا موقنين- ات بأنه المشروع الوحيد القادر على إنقاذ البشرية من الهمجية.
لو استمر عُشر مناضلي الفترة الطلابية ممسكا بجذوة النضال، ومطورا قدراته بشكل جماعي داخل منظمات النضال، هل كان سيكون حال نقاباتنا اليوم في معظمها مرتعا لخدام الرأسمال كما هي اليوم؟ لو استمر عشر المناضلين عاملا بنشاط من أجل بناء وإعادة بناء أدوات نضال العمال والكادحين- ات ما كان للرأسمال أن يستمر، في ظل أزمته المتعددة الأبعاد، في الإمساك بناصية المجتمع وإبقاءه في قيد العمل المأجور. لو استمر عشر مناضلي الحركة الطلابية نشيطا فكريا وثقافيا على جبهة تطوير الفكر الاشتراكي وحل إشكالات البناء والتغيير الثوري، هل كان سيكون الفكر الليبرالي، ومرضه الملازم المتمثل في الفكر السلفي الرجعي، متسيدا الساحة بهذا العمق والاتساع.
إن استعادة ماضي نضالنا الطلابي، شيء جميل على المستوى الفردي، لكن إعادة قراءة الإخفاق الكبير الذي عاناه جيلنا، وألقى بثقله على وضع الصراع الاجتماعي واستخلاص الدروس منه سيكون أجدى وأنفع.
إن استعادة ماضينا الطلابي ضرورية بما يوافق استخلاص الدروس وتخصيب الحركة الجماهيرية الجارية بها، انطلقت حركتنا الطلابية من تجذر شبيبي عالمي (ثورة الشباب في المراكز الإمبريالية) وحركة تحرر وطني، وجدت صداها في صعود نضال طلابي بجامعاتنا. ها هي الفرصة مرة أخرى تًفتح أمامنا باندلاع موجات نضالات وثورات تهز المراكز الإمبريالية كما البلدان التابعة، وعلينا أن ننقل تجربتنا الماضية ودروسها إلى الجيل الطلابي الجديد، ليتفادى كبواتنا ويستثمر نقاط قوتنا.
ليستمر القابضون-ات على الجمر في الاشتغال، وليلتحق بهذا العمل المضني كل من وصل إلى اقتناع أنه بالإمكان الحصول على أحسن مما كان، ولنترك للطبقة العاملة المنتصرة تخليد ذكرى مناضليها ومناضلاتها بالطريقة التي تراها مناسبة.