أحرار أمريكا سينتقدون رئيس دولتهم

طلعت رضوان
2020 / 6 / 4

اندلعتْ المظاهرات فى أكثرمن ولاية أمريكية، عقب وفاة المواطن الأمريكى جورج فلويد (من أصول أفريقية) وأنّ قتله تـمّ بمعرفة شرطى أمريكى (أبيض) وهوالأمرالذى جـدّد آلام ذكريات..ومشاعرالحزن بسبب النزعة العنصرية، التى عانى منها كل الأمريكان من أصول أفريقية.
وقد ساد الاعتقاد (على مستوى العالم) أنّ تلك النزعة العنصرية اختفتْ بعد النضال الذى قاده (مارتن لوثركينج) وزملاؤه الأفارقة..ولكن تبيــّـن أنّ تلك الجرثومة لازالتْ تسرى فى أحشاء بعض الأمريكيين الذين يعتقدون فى (نقاء الجنس الأبيض)
والكارثة أنّ رئيس الدولة (ترامب) لم يختلف عن الشرطى القاتل..وقد تبيــّن ذلك من مواقفه المُـعادية للمتظاهرين المُـتعاطفين مع أهالى القتيل..ووصلتْ حماقة ترامب لدرجة أنه هبط إلى مستوى رؤساء وملوك الأنظمة الدكتاتورية، التى لاتعترف بحق المواطنين فى التظاهر..والتعبيرعن آرائهم..والدليل على ذلك أنه- فى تصريحاته للصحفيين..وما كتبه على الانترنت، اتهم اليسارالأمريكى..والإعلام الأمريكى بالتعاطف مع المتظاهرين..ووصفهم بأنهم ((من الرعاع واللصوص)) وتساءل- مثل أى حاكم مستبد وجاهل: لماذا تقع أعمال الشغب فى المدن التى يحكمها الديمقراطيون؟ (وهذا التساؤل معناه الهروب من المشكلة بدلامن مواجهتها) كما يفعل أى رئيس دولة يحترم القانون..كما أنّ ترامب لم يكتف بذلك..وإنما هاجم الإعلام الأمريكى لأنه (من وجهة نظره) استهان من ((خطورة وفساد اليسار..واللصوص والبلطجية))
وبالرغم من عمق المأساة فإنّ المجتمع الأمريكى شهد حراكــًـا مهمـًـا، لتدعيم الديمقراطية، مثل موقف النائب العام الذى أدان الشرطى..ووجــّـه تهمة القتل (من الدرجة الثانية) ومثل موقف وزيرالدفاع الذى رفض انتشارقوات الجيش لقمع المتظاهرين..ومساعدة الشرطة..كما كانت رغبة ترامب فى بداية التظاهر..ومثل موقف عمدة إحدى الولايات سمح بالتظاهر..ورفض تدخل الشرطة..ومثل موقف الإعلام والكثيرين من المثقفين الذين أيــّـدوا مطالب المتظاهرين من أجل تحقيق العدالة.
وإذا كنتُ أعتقد أنه لاخلاف بين الباحثين الاقتصاديين والسياسيين أصحاب العقول الحرة، من الذين يحترمون أنفسهم..ويحترمون القارىء، ويلتزمون بالموضوعية والأمانة العلمية فى كتاباتهم، أنهم أكــّـدوا على أنّ الولايات المتحدة الأمريكية دأبتْ- وبصفة خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على تكريس (ظاهرة استغلال موارد الشعوب التى شاء سوء حظها أنّ يحكمها ملوك ورؤساء يدورون فى الفلك الأمريكى) ومن أمثلة الحراك الاجتماعى الديمقراطى، ما وجــّـهه السفيرالأمريكى بالاتحاد الأوروبى، حيث أكــّـد على اتهام الرئيس الأمريكى ترامب بأنه ((يعمل لمصلحته الشخصية)) ويفضلها ((على الصالح العام)) وأنه تأكــّـد من وجود ((مقايضة بين تعليق مساعدات بقيمة 391مليون دولار..وإعلان أوكرانيا فتح تحقيق، بشأن منافس ترامب الديمقراطى (جون بادين) فى انتخابات الرئاسة القادمة..وذلك مع مراعاة أنّ السفير(سوندلاند) كان حليفــًـا لترامب، مثله مثل وزيرالخارجية (بومبيو) الخاضع والمؤيد لسياسة ترامب الخارجية (مهما كانت خاطئة..ومتهوّرة) وقال السفيرفى الجلسة العلنية، والمُـصوّرة تليفزيونيا، أنه يعتقد أنّ ترامب ((كان يضغط على أوكرانيا للتحقيق بشأن منافسه (جون بايدن) وأنّ وزيرالخارجية الأمريكى كان علم بالمكالمة التليفونية بين ترامب ورئيس أوكرانيا)) (المصرى اليوم- 23نوفمبر2019)

إنّ الوجه الاستعمارى لأميركا يـُـقابله الوجه الديمقراطى..وهوالوجه المُـضيىء..والذى يتجاهله معظم الإعلاميين العرب (والمصريين) لأنه بفضل هذه الديمقراطية، يحدث أنْ يضع المواطن الأمريكى رأسه برأس الرئيس، لأنّ هذا المواطن آمن بحقه فى الاختلاف، بل وحقه فى الخطأ، وأنّ الفيصل فى أى نزاع أوخلاف يكون فى ساحة القضاء..وهذا ما حدث مؤخرًا فى المواجهة بين ترامب ورئيس المحكمة العليا (جون روبرتس) الذى ردّ على ترامب وقال له: إنّ القضاء الأمريكى (مستقل) وهوليس قضاء أوباما أوقضاء أنظمة الاستبداد..وذلك على خلفية تحدى قاضى المحكمة الجزئية (جون تيجار) الذى عرقل قرارترامب بعدم السماح للمهاجرين المكسيكيين اللجوء لأميركا..وأضاف رئيس المحكمة: لدينا مجموعة عظيمة من القضاة المخلصين، يبذلون قصارى جهدهم لتحقيق العدالة..وكانت النتيجة أنْ كتب ترامب اعتذارًا (على تويتر) لرئيس المحكمة العليا..ولكنه كرّركلامه عن وجود (قضاة أوباما)
وهذا الموقف سبقه موقف آخرمع مراسل شبكة سى. إن. إن (جيم أكوستا) الذى سأل ترامب عن سبب وصفه قافلة المهاجرين القادمين من أميركا اللاتينية بأنها (غزوللولايات المتحدة) ولما لم يقتنع المراسل برد ترامب قال له: ولكنهم على بعد مئات الأميال من حدود الولايات الأمريكية، فكيف وصفتهم بالغزاة؟ فسخرترامب منه..وقال: تعال اجلس مكانى لتديرالبيت الأبيض..وأذهب أنا للعمل فى شبكتك فأضاعف أعداد المشاهدين المتدنية. تجاوزالمراسل السخرية..وبدأ يسأل سؤالا آخرفسحبتْ مندوبة البيت الأبيض الميكروفون من يده..ولكنه تشبث به، فقال له ترامب ((أنت وقح)) وأصدرقرارًا بمنعه من دخول مقرالرئاسة، فإذا بالشبكة الإخبارية ترفع دعوى قضائية ضد ترامب ((لانتهاكه حق الصحافة)) والبديع فى الأمرأنّ شبكات أخرى وإعلاميين آخرين انضموا للدعوة القضائية..والأكثرأهمية هوتضامن شبكة (فوكس نيوزالموالية لترامب) مع شبكة سى. إن. إن..وانتهى الصراع بإنتصارالصحافة والشبكات الإخبارية، بموجب الحكم الصادربإلزام إدارة البيت الأبيض بالسماح لمراسل الشبكة (جيم أكوستا) بدخول مقرالرئاسة لتغطية الأحداث (أهرام23/11/ 2018) وصحف أخرى..وهذا الحكم ينطبق على جميع الصحفيين والمراسلين.
وهكذا يتأكد إنّ للديمقراطية (سحرها) بل ومعجزاتها..ويتبيـّـن ذلك عند طرح السؤال المُـوجع لأنظمة الاستبداد: هل ما حدث فى المثال المذكوريـُـمكن أنْ يتحقق فى أنظمة مُـعادية للديمقراطية..والتى تعتبرمقرالرئاسة وأصغرموظف فيها (خط أحمر) لايجوزمعارضته أونقده أو- حتى- الاختلاف معه؟ بل إنّ سحرالديمقراطية بلغ ذروة عالية يجب التوقف أمامها، لدرجة أنّ الجمهورى الشهير(جون ماكين) وصف أداء ترامب بالكارثى..وأنه أسوأ أداء لرئيس أمريكى..وأنّ أداءه يقترب من حد الخيانة للوطن الأمريكى (مكرم محمد أحمد- أهرام18يوليو2018)

والمتأمل لدورالصحافة وتاريخ نشأتها لابد أنْ يتساءل: ما شكل المجتمعات الإنسانية بدون صحافة؟ ولابد أنْ يعترف بفضل الأوروبيين، فقد صدرتْ أول صحيفة بريطانية (دايلى كورانت) عام1702..وفى عام 1746أسس فيلدنج جريدة (كوفنت جاردن جورنال) وفى عام1785أسس جون والترجريدة التايمز..وفى ألمانيا صدرتْ أول صحيفة أونشرة إخبارية عام1740..وأول صحيفة فى أميركا (بوسطن نيوزليتر) عام1703عندما أدخل (تومس جرين) المطبعة..وأول صحيفة فى مصرعام1816باللغتين العربية والتركية..ومع حملة نابليون صدرتْ صحيفتان فى مصرباللغة الفرنسية، ثم أنشأ محمد على (جريدة الوقائع المصرية)
وإذا تجاوزالباحث عن البدايات..وتأمل دورالصحافة فى نشر(المعلومة) فى القرن العشرين..ونشرالأخبارالتى تــُـحاول السلطة تجاهلها أوإخفاء أدق تفاصيلها. ووصل للألفية الثالثة ارتفع سقف حرية الصحافة (وبصفة خاصة فى أوروبا وأميركا) ومن أبرزالأمثلة الحديثة: التحقيق الصحفى الذى نشرته صحيفة (نيويورك تايمزالأمريكية) عن تهرب الرئيس الأمريكى ترامب من أداء الضريبة.
بدأ التحقيق الصحفى برصد الأصول المالية للرئيس وأسرته..وتبين أنّ ترامب هو(قطب أوملك) العقارات..وادّعى أنه تلقى من والديه مبلغ400مليون دولار. ثم تبيـّـن أنّ هذا المبلغ انتقل إليه عبرالتهرب الضريبى..وأنّ الصحفى الذى جمع مادة التحقيق، امتلك شجاعة الكتابة حيث ذكرأنّ ما قاله ترامب عن تلقى أموال من والديه (محض كذب) وجاء بالتحقيق أنّ والد ترامب وأسرته أسسوا شركة بهدف أنْ تكون (واجهة) لإخفاء المبالغ التى حصلوا عليها من والديهم..والهدف من هذه الشركة التهرب من أداء الضريبة المستحقة، لأنه كان يتحتم عليهم تسديد الضريبة وفقــًـا للقانون..وأضاف الصحفى أنه بعد أنْ تولى ترامب الحكم فإنه ساعد والده للحصول على تخفيضات ضريبية (بملايين الدولارات) بالمخالفة للقانون، ليس ذلك (فقط) بل ساعده على تثمين قيمة ممتلكاته العقارية بأقل من قيمتها الحقيقية، بهدف خفض قيمة الضريبة التى يتعيـّـن عليه دفعها كرسوم انتقال التركة..وذكرالصحفى أنه اعتمد على ((التصاريح الضريبية لفريد ترامب (الوالد) وشركاته..وأشارإلى أنه لم يتمكن من الحصول على تصاريح الرئيس الضريبية، لأنه يرفض نشرها))
وإذا كان موضوع التهرب الضريبى غاية فى الأهمية (خاصة عندما يمس شرف رئيس الدولة) فإنّ الأكثرأهمية هوأنّ الصحيفة الأمريكية تعاملتْ مع رئيس الدولة..وكأنها تتعامل مع أى مواطن يتهرب من أداء الضريبة..وهى فى نظرالقانون وفى نظرالمجتمع من الجرائم التى ترقى لمرتبة (خيانة الوطن) كما أنّ حرية الصحافة وصلتْ لدرجة الكتابة عن (شعبية الرئيس) التى شهدتْ تدهورًا بما يـُـنبىء ببداية العد التنازلى لاعتزاله أوتنازله عن المنصب كما حدث مع الرئيس نيكسون بسبب فضيحة ووترجيت..والتى فجـّـرها الصحفيان (كارل برنستين) و(بوب وود) فى صحيفة (واشنطن بوست)
وفى إفتتاحية صحيفة (نيويورك تايمز6سبتمبر2018) فجـّـركاتب الافتتاحية موضوع التساؤلات حول ماهية التعديل رقم25من الدستورالأمريكى الذى يـُـمكن بموجبه عزل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية..والذى قد يواجهه الرئيس ترامب يومًـا..وفى الشهورالقليلة الماضية ظهرأكثرمن كتاب لصحفيين أمريكيين ينتقدون سياسة ترامب الداخلية والخارجية، لدرجة أنْ وصفه أحدهم (بالقاتل) بسبب تأييده للأنظمة الدكتاتورية والميليشيات الإرهابية..وإذا كان عدد قراء الكتب أقل من عدد قراء الصحف، فإنّ أكثرمن صحيفة أمريكية عرضتْ أهم ما فى هذه الكتب، لتشويق القراء..وتشجيهم على قراء الكتاب..وهوما فعلته صحيفة (نيويورك تايمز) التى عرضتْ كتاب (الخوف) تأليف (بوب وودوارد) الذى أشارإلى تجاهل كبارمعاونى الرئيس ترامب لأوامره..وكانت النتيجة غضب الرئيس بعد نشرالمقال، حيث جاء به أنّ مسئولارفيع المستوى (رفض ذكراسمه) كشف عن وجود حركة مقاومة ضد ترامب داخل البيت الأبيض بهدف (كبح نزعاته) وتطورتْ لدرجة التفكيرفى الإطاحة به..وكل ما فعله ترامب أنْ كتب أكثرمن تغريدة على تويتروصف فيه الجريدة بالفاشلة..وأنّ ماتفعله هو(خيانة) وأنّ الجريدة تنهار..وقد صرّحتْ سارة ساندرزالمتحدثة باسم البيت الأبيض، أنّ الإدارة محبطة بسبب نشرمقال مثيرللشفقة ومتهوروينم عن أنانية.
وذكركاتب الافتتاحية أنه حاول مع آخرين فى مقرالرئاسة التصدى لترامب. ووصف سلوكه بأنه ((غيرأخلاقى)) وأسلوبه فى إدارة الوطن بالتهوروالتفاهة..وأنه يتخذ قرارات غيرمدروسة..وأنّ جذورالمشكلة تكمن فى إفتقارترامب للمسئولية الأخلاقية..وعدم التزامه بأى مبادىء..وعندما هاجمتْ إدارة البيت الأبيض الصحيفة..وطلبتْ من رئيس التحريرالكشف عن اسم المسئول داخل البيت الأبيض الذى كتب الافتتاحية، دافعتْ الصحيفة عن موقفها وعن قرارها بحجب اسم كاتب افتتاحيتها..وكتبتْ على تويتر: إنّ نيويورك تايمزتتخذ اليوم خطوة نادرة بنشرافتتاحية بدون اسم..ونحن فعلنا ذلك بناءً على طلب الكاتب الذى يـُـعد مسئولارفيع المستوى داخل إدارة ترامب..ومعروف لنا جميعـًـا..وبالتالى فإنّ كشف اسمه سيـُـعرض عمله للخطر(نقلا عن صحيفة الأهرام7سبتمبر2018- ص8)
000
أود التركيزعلى أنّ تهرب ترامب وأسرته من الضرائب، أوالكــُـتب التى هاجمتْ ترامب، أوما ذكره المسئول داخل مقرالرئاسة، فإنّ كل ذلك كان مجرد مدخل لهدفى الأول من مقالى وهو: سقف الحرية الذى تتمتع به الصحافة الأمريكية (وفى أرشيفى المزيد عن الصحافة الأوروبية واليابانية والهندية..ودول أمريكا اللاتينية وإسرائيل) وأنّ تلك الحرية هى الرافعة الأساسية لتقدم الوطن..وأنّ دورالصحافة لايقل عن دورالمُـفكرين التنويريين، الذين خلــّـصوا أوروبا من الكهنوتيْن الدينى والسياسى، بينما (سقف) حرية الصحافة المصرية (والعربية) شديد التواضع..وأزعم- بلا مبالغة- أنّ (سقف الحرية) مايزال فى (مرحلة روضة الأطفال) قياسًـا على (مدارس الصحافة) فى المُـجتمعات المُـتحضرة، مع اعترافى بوجود استثناءات..ولكن الاستناءات- كما فى القانون- لايجوزالقياس عليها أوالتوسع فيها..ولكن هذا لايمنع من (وجود التناقض داخل أمريكا وإسرائيل) بين الحراك الاجتماعى (بفضل الديمقراطية) وبين استغلال الشعوب.
***