البرجوازية والمدرسة أو فن استصدار التعليمات المتناقضة، بلقم نيكو هيرت، غشت 2018، ترجمة فريق الترجمة بجريدة المناضل-ة الموقوفة

المناضل-ة
2020 / 6 / 3

«قد يمكن السر لتغيير المدرسة
في معرفة الجمع بين جول فيري وبيل غيتس؟»
جان ميشيل بلانكر، وزير التعليم في فرنسا
--------------
إن السياسات التعليمية التي توصي بها كبرى الهيئات العالمية، مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي واللجنة الأوروبية، تشجع توجيه التعلمات نحو الكفايات العامة التي تحث على المرونة ونحو الكفايات الأساسية الأكثر طلباً في سوق الشغل. كما تعزز هذه الهيئات استقلالية المدارس، ولامركزية نظم التعليم، واعتماد جذع مشترك حتى سن 15 أو 16 بالأقل. والواقع أن هذا المنظور حول المدرسة، الذي يُقدم باعتباره متماسكاً، مشوب بتناقضات صعبة التجاوز. علاوة على ذلك، غالبا ما تبدي آخر مواقف بعض المسؤولين السياسيين، مثل وزير فرنسا ميشيل بلانكر أو الناطقين باسم اليمين الليبرالي أو القومي في بلجيكا، نوعا من العداوة ضد التجديد الذي تسعى اليه منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. كيف يمكن فهم هذه التباينات؟ هل ينبغي اعتبارها مواقف تكتيكية، وحتى مواقف انتخابية؟ أم أنها تنم عن تناقضات حقيقية داخل الطبقات الحاكمة؟ وفي هذه الحالة، ما هي أسسها الموضوعية؟

لنسحتضر في المقام الأول السياق الاجتماعي والاقتصادي العام الذي يحدد السياسات التعليمية الحالية. إن ما تتخبط فيه الرأسمالية من انعدام استقرار وتعاقب الأزمات يستمد جذوره الأولى من فائض القدرات الإنتاجية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، انخفض معدل استخدام وسائل الإنتاج من زهاء نسبة 85% في ستينيات القرن العشرين إلى نسبة 75% اليوم. [1] يؤدي هذا الفائض بدوره، من جهة، إلى ميل معدل الربح إلى الانخفاض وبالتالي إلى فائض الرساميل في الأسواق المالية، ومن جهة أخرى إلى احتدام المنافسة وتوسعها على مستوى العالم.

ومن المفارقات أن الدافع وراء هذه الأزمة هو الذي يجري السعي إلى اعتماده بالذات للخروج منها: الابتكار التكنولوجي والتقشف.

لكي يعمل منتجو السلع والخدمات على تحسين مركزهم التنافسي واستثمار أموالهم على نحو فعّال، فإنهم يعتمدون على الابتكار التكنولوجي. ومن المفترض أن يمنحهم هذا الابتكار التكنلوجي ميزة تنافسية بتحسين الإنتاجية والتمكن من طرح منتجات جديدة في السوق. إنما، بما أن منافسيهم لا يتخلفون عن الركب، وبما أن قدرة السكان الشرائية تعاني من ركود أو حتى تقهقر، فإن النتيجة التراكمية لهذه المكاسب الانتاجية هي زيادة فائض القدرة الانتاجية مرة أخرى. أو اجبار من لم يبتكروا بسرعة كافية على السقوط في الإفلاس، ما يقلص طبعاً من قدرة الإنتاجية الإجمالية، ولكنه يعمل أيضاً على الحد من الاستهلاك النهائي بإغراق العمال في البطالة.
ولنفس السبب، فإن الإجراءات المتخذة للضغط على الأجور أو خفض نفقات الدولة، تعمل على مفاقمة الهشاشة الاجتماعية -مناصب الشغل والمداخيل- لكنها لا تحل بتاتا المشكلة الحرجة التي تعاني منها الرأسمالية الحالية: قدرتها الإنتاجية المفرطة.

التقشف والخصخصة والاستعمال لأغراض اقتصادية

وتعكس هذه البيئة الاقتصادية والاجتماعية تأثيرا مباشر ثلاثيا على التعليم وعلى السياسات التعليمية.

في المقام الأول، تثير ضغطا مستمرا على ميزانيات الدول، وخاصة على نفقات التعليم. وعلى الرغم من تنامي عدد الطلبة بشكل كبير في التعليم العالي، فإن نفقات التعليم مقارنة بالناتج الداخلي الخام ظلت مستقرة تقريباً على مدى العقدين الماضيين. وبالنسبة لمجموع بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، ظلت نفقات التعليم ثابتة في حدود نسبة 5.2% من الناتج الداخلي الخام كما كانت عليه في عام 1975. يتعلق الأمر بـ «نقص التمويل» نسبيا: النفقات على كل تلميذ أو كل طالب مقارنة بالناتج الداخلي الخام للفرد. وبالنسبة للناطقين باسم الرأسمال الكبير، لا مجال لزيادة نفقات التعليم. أما خبيرا الاقتصاد بمجال التعليم في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، إريك هانوشيك ولودجر فيسمان، فيؤكدا لزوم «إصلاحات مؤسسية بدل زيادة الموارد» [2]. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فعندما تشير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إلى أن «الحكومات الوطنية مضطرة إلى مواجهة ميزانيات محدودة باطراد» مستقبلا، فإنها تتساءل: «كيف يمكن للتعليم أن يتعاون؟ (…) هل ينبغي للمواطنين والمقاولات أن يساهموا في تمويل نظام التعليم؟». [3]

وثانيا، يدفع فائض الرساميل حاملي الأسهم إلى البحث عن قطاعات استثمار جديدة، وخاصة في التعليم. وهم الآن في بحث عن فرص استثمار رساميلهم في التعليم على نحو مربح، على سبيل المثال في أشكال التعليم الجديدة التي نشأت بسبب أوجه تقدم تكنلوجيا الاعلام والاتصال... وفقًا للمقاولة الاستشارية الأمريكية «الأبحاث والأسواق»، من المتوقع أن يشهد سوق التعليم العالمي عبر إنترنت نموا سنوياً بنسبة 10.26% بين عامي 2017 و2023، منتقلاً من 159 مليار دولار إلى 287 مليار دولار. وبسبب ارتفاع الطلب على عمال ذوي تأهيل عال (سنعود إلى ذلك لاحقاً)، في سياق تقشف مالي، فإن التعليم العالي مستهدف أيضاً من قبل مستثمري القطاع الخاص.

ثالثا وبوجه خاص، يؤدي احتدام المنافسة الاقتصادية إلى مطالبة عالم أرباب العمل، وخبرائه الاقتصاديين وأصدقائه السياسيين بأن تكون المدرسة على نحو أكثر فعالية في خدمة تغذية سوق الشغل بالرأسمال البشري. كما أن المجلس الأوروبي يقر ما يلي:

«لكي تصبح أوروبا قادرة على المنافسة في السوق العالمية، يتعين على أوروبا (...) أن تتوفر على أنظمة تعليم وتكوين تلبي مطالب سوق الشغل والمتعلمين. إن تكوينا فعّالا وملائما يقدم لأرباب العمل أفضل الفرص لتشغيل أشخاص مؤهلين قادرين على تأمين نجاح مقاولتهم». [5].

لكن تجذر الاشارة في البداية إلى أن هناك تناقض أول: كيف يمكن الحصول على تعليم أكثر «فعالية» ــبمعنى تعليم يلبي حاجات أرباب العمل على نحو أفضل- دون زيادة في الميزانيات؟ يؤدي حل هذا التناقض إلى توازنات هشة، تؤثر تأثيرا كبيرا على السياسات التعليمية منذ سنوات عديدة.

سوق شغل بالغ التقاطب

يعرب وزير التعليم في فرنسا جان ميشيل بلانكر عن ارتياحه لأن «العلاقة بين المدرسة والمقاولة تغيرت كثيرا على مدى عشر سنوات الماضية و(لأن) أوجه تقدم هامة جدا تحققت بشأن التفاهم المتبادل» وذلك خاصة بفضل تدابير، مثل «أسبوع المدرسة-المقاولة» بشراكة مع جمعية أرباب العمل الفرنسية [ميديف]. لكن يضيف بلانكر: «يتعين الآن السير إلى ما هو أبعد من ذلك، خاصة بتركيز جهودنا على نشر روح المغامرة في صفوف التلاميذ، والتي بلادنا في أمس الحاجة إليه». [6].

هل نذهب أبعد من ذلك؟ أجل، ولكن في أي اتجاه؟ إذا كان من المستبعد أن يثير نشر هكذا «روح المغامرة» الشهير الذي يتمناه بلانكر، خلافات بين شتى أطراف عالم أرباب العمل، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على جوانب أخرى من أهداف ووسائل التعليم. ولفهم هذه التوترات جيداً، علينا تدقيق النظر بتفصيل في تطور سوق الشغل.

يتوقع المركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني [7] أن يخلق في أوروبا 4.553 مليون منصب شغل إضافي خاص بأطر ومهندسين ومدرسين وأطباء ومختصين في الاعلاميات، إلخ، و3.891 مليون منصب شغل خاص بتقنيين وممرضين، ومحاسبين... هل سنشهد ارتفاعاً عاماً في مستويات التكوين الذي يطالب بها أرباب العمل؟ ليس بهذه السرعة. لأن في الطرف الآخر من مستوى التأهيلات، تعلن أيضاً الهيئة الأوروبية عن 1.322 مليون منصب شغل إضافي أقل تأهيلا في قطاع الخدمات (بائعون، وحراس، ورعاية الأشخاص، واستقبال الزبناء...) وما لا يقل عن 1.765 مليون منصب شغل في «مهام أساسية» (التنظيف والصيانة، والمساعدة، والطعام السريع، ومساعدي المطبخ، والأعمال اليدوية، وجمع النفايات ومعالجتها...). ومن ناحية أخرى، يتوقع المركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني، بين هذين الطرفين، ضياع 1.386 مليون منصب شغل خاص بعمال مؤهلين (شغيلة الضرب على الآلة الكاتبة والبرمجة، والتشفير، إلخ) و3.055 مليون منصب شغل خاص بعمال مؤهلين وسائقي الآلات ومزارعين مؤهلين وحرفيين. [8]

إن هذا التقاطب في مجال منصب الشغل، الذي يشهد ارتفاعا كبيرا في مناصب شغل عالية التأهيل ومناصب شغل غير مؤهلة أو متدنية التأهيل في قطاع الخدمات، على حساب تأهيليات متوسطة، ناتج عن اقتران عنصرين اثنين. من جهة، تعمل الهشاشة الاجتماعية على جر العمال، وحتى المؤهلين، إلى قبول مناصب شغل متدنية الأجور، مثل هكذا «وظائف الهامبرغر» الشهيرة. ومن جهة أخرى، يؤدي التطور التكنولوجي طبعاً إلى تنامي الطلب على خبراء ومهندسين وتقنيين رفيعي المستوى، ولكنه يميل أيضاً إلى تدمير مناصب شغل متوسطة التأهيل: تلك التي بواسطتها يتم التمكن بسهولة إلى حد ما من ترجمة اتقان الخوارزميات الشكلية [في البرمجيات] القابلة للتنفيذ بواسطة الآلات. ومن ناحية أخرى، فإن مناصب الشغل متدنية التأهيل أو غير المؤهلة، وخاصة في قطاع الخدمات، غالباً ما تتطلب أيضاً تدخل الإنسان و«حسه السليم»، على سبيل المثال، لأن من الصعب جدا (مكلف للغاية) توقع تشكيلة الأوضاع الممكن مواجهتها في شفرة حاسوب.

المرونة من خلال الكفايات

اتضح أن أرباب العمل الذين يوظفون عمالا ذوي تأهيل عال ومن يوظفون عمالاً في مناصب شغل غير مؤهلة أو متدنية التأهيل في قطاع الخدمات، لديهم على نحو لا يخلو من المفارقة تطلعات مماثلة إلى حد ما فيما يتعلق بالتكوين الأولي لليد العاملة.

في قطاعات التكنولوجيا الفائقة مثل السيارات والطيران والبتروكيماويات والصناعات المتصلة بالتكنولوجيا الحيوية، والبنيات التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية والاعلاميات والروبوتات...، حيث يتم بكثافة استخدام اليد العاملة عالية التأهيل، من المعلوم أن لا جدوى من توقع أن يواكب التعليم وثيرة الابتكار. بل من المنتظر أن تُطور المدرسة القدرة على تعلم مدى الحياة، والقدرة بسرعة على تعبئة معارف جديدة ومتنوعة إزاء أوضاع معقدة يتم مواجهتها لأول مرة.

ولكن في قطاعات الخدمات الكبرى ـالنقل، والفنادق، والوجبات السريعة، وصناعة الترفيه-، حيث لا تتطلب مناصب شغل كُثر أي مؤهلات محددة، بل تحتاج إلى حزمة «كفايات أساسية»، يعبر أرباب العمل بالضبط عن نفس هذا المطلب القائم على المرونة والقدرة على التكيف.

ويرغب منتجو معدات أو خدمات ذات تكنولوجيا فائقة موجهة إلى سوق جماهيري -أجهزة كمبيوتر وهواتف ذكية وآليات منزلية وبيع وحجز عبر إنترنت...- أيضاً، في أن يكون المستهلكون على استعداد للتكيف باستمرار مع الابتكارات التي يعتزمون عرضها في السوق.

تمثل كل هذه القطاعات معًا مجموعة هائلة من مقاولات رائدة، حيث نجد خليطا من إيرباص أكور، وتوتال وبرجر كينج، وأبل وفناك، لكن أيضاَ مجموعة من مقاولات صغير ومتوسطة رائدة. والواقع أن تطلعاتهم، وخاصة فيما يتعلق بالتعليم والتكوين، منسجمة وقوية إلى حد تسمح بفرض نفسها بسهولة في الخطاب السائد حول السياسات التعليمية، وخاصة في الهيئات العالمية الكبرى مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والمفوضية الأوروبية، أو في كبرى مكاتب البحوث التابعة للرأسمالية العالمية مثل مقاولة ماكينزي. يري المجلس الأوروبي ما يلي،

«يجب أن تكون مستويات كفاية ومهارة الشباب والبالغين متكيفة باستمرار وإلى حد كبير مع تطور حاجات الاقتصاد وسوق الشغل» [9]".

ترى منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، أن المسألة الأساسية في التعليم لم تعد والحالة هذه قائمة في تحديد ماهية المعارف التي ينبغي أن تنقلها المدرسة، بل في «كيف يمكن للتعليم أن يعزز نوع الكفايات القابلة للنقل والتي تسمح بمواجهة حالة التغير وعدم اليقين في الاقتصاد وبالتكيف معها". [10] وتوجد الإجابة على هذا السؤال متكررة على نحو مهجي منذ سنوات الآن: بالتركيز على قدر أقل من المعارف، التي تتقادم بسرعة بالغة، وعلى مزيد من الكفايات المستعرضة التي تضمن المرونة والقدرة على التكيف. وكما يشير المركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني:

«في سياق التحولات الدائمة في الوظائف والتغيرات السريعة في مكان العمل (...) قد يكون اكتساب الكفايات المستعرضة أهم من الكفايات المرتبطة بشكل وثيق بمنصب العمل المشغول وسيرورات العمل». [11]

وعلى هذا ينبغي فهم عبارة «كفايات» بوضوح وفق ما تكتسيه من معنى في «المقاربة بالكفايات» الشهيرة: القدرة على تعبئة معارف جديدة في مواقف معقدة وغير مسبوقة. ويقول خبراء منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن الأمر يتعلق هنا بـ:

«مفهوم [بيداغوجي] مبتكر ومرتبط بقدرة الطلبة على تطبيق معارفهم وكفاياتهم النوعية في المجالات الأساسية، وعلى التحليل والتفكير والتواصل بفاعلية عندما مواجهة مشاكل أو حلها أو تفسيرها في مواقف مختلفة». [12]

وفي مقال يمتدح أطروحات أندرياس شليتشر، رئيس دراسات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة [بيزا] التابع لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، تعتقد صحيفة فايننشال تايمز اللندنية أيضاً أن المدرسة ملزمة بالتغير عبر التخلي عن المعارف لصالح القدرة على الفعل:

«تظل الأنظمة المدرسية نتاج العصر الصناعي، الذي يرتكز على التنميط والامتثال. ومع ذلك، فإن وثيرة التغير في المجتمع الحديث تطالب بطلبة ذوي كفايات معرفية وعاطفية واجتماعية. إنهم في حاجة إلى قدر أقل من الحقائق وأكبر قدر من الكفايات لتطبيق المعارف في مواقف غير مسبوقة: الانتقال من الحفظ إلى البلورة». [13]

كفايات أساسية للجميع

تعتبر بعض هذه الكفايات هامة بشكل خاص لأنها مطلوبة في كل مناصب الشغل تقريباً، سواء كانت عالية أو منخفضة التأهيل: القدرة على التواصل بلغة الأم، وأيضاً بلغة أجنبية واحدة أو أكثر، والكفايات الرقمية، والكفايات العلائقية، وقدر قليل من «الثقافة العملية» في العلوم والتكنولوجيا والرياضيات، والحساسية الثقافية، وما لا مناص من «روح المغامرة» والقدرة على «تعلم التعلم». يتعلق الأمر هنا بـ«الكفاءات الأساسية» الشهيرة، وأغلبها موضوع دراسات استقصائية دولية كبرى مثل البرنامج الدولي لتقييم الطلبة. ترى منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ما يلي،

«تصبح هكذا مجموعة الكفايات النواة التي على المدرسين والمدرسة الاهتمام بها». [14].

يجب أن نركز لحظة على المعنى المزدوج الذي قد يحمله تعبير «الكفايات الأساسية». عندما يقول المدرسون أن على السنوات الأولى في المدرسة تقديم «الأساسيات»، فإنهم يعنون الأسس، -المعارف والمهارات وأساليب العمل- التي ستسمح بمتابعة التعليم العالي فيما بعد: القراءة والكتابة والإملاء وقواعد النحو وأسس الحساب والهندسة واطلاع حول الزمن التاريخي وطرق الاستقصاء العلمية، ولكن أيضا تنظيم العمل، والدقة، والعناية، وتمرين الذاكرة، وتقنيات تدوين الملاحظات، الخ.

وتكتسي الكفايات الأساسية التي تشير إليها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أو الاتحاد الاوروبي طابعاً مختلفاً: يتعلق الأمر بأساسيات مشتركة لمتطلبات تكوين الرأسمال البشري قصد توظيفه في صناعات التكنولوجيا الفائقة ومناصب الشغل متدنية التأهيل في قطاع الخدمات.

وبالطبع، هناك تداخل معين بين هذين التصورين حول «الأساسيات» التي ينبغي تدريسها، تصور علماء التربية الانسانيين وتصور علماء التربية الاقتصاديين: سيكون التواصل هدفاً مشتركاً، ولكن ليس اكتشاف الأدب وحبه؛ وتشكل بعض التدابير الذهنية التي تخص «روح المغامرة» - التخطيط، والتحفيز، والتنظيم...- أيضاً أسسا هامة لمتابعة التعليم الثانوي أو العالي، ولكن غيرها – ذوق المنافسة والتعطش إلى النجاح الاجتماعي- غريبة عنه.

الرأسمال الكبير يدعو إلى اعتماد الجذع المشترك

يلاحظ الاتحاد الأوروبي عدم تمتع ما بين عشرة وعشرين مليون أوروبي عاطل عن العمل حتى بهذه الكفايات الأساسية، والتي لا غنى عنها إذا ما سعوا إلى المنافسة في سوق العمل على جميع المستويات. وبالتالي تستهدف استراتيجية الكفايات إلى أن يصبح الجميع بالفعل «قابلين للتشغيل» في سوق الشغل. يتعلق الأمر، كما يؤكد لنا:

«(بـ) انتشال الأفراد من الفقر، وخاصة بتمكينهم من اكتساب ذلك النوع من الكفايات المطلوبة في سوق الشغل». [15]

إن الحقيقة أكثر ابتدالاً إلى حد ما: فبتضخيم حجم الجيش الاحتياطي الذي قد يشغل مناصب الشغل الجديدة متدينة التأهيل، لا تُخلق مناصب إضافية، بل يتم زيادة المنافسة بين العمال، ما يؤدي إلى خفض كلفة الأجور. وقد صيغت الفكرة بوضوح في دراسة أجرتها المقاولة الاستشارية، لندن إيكونوميك، والتي شكلت أساس تطوير استراتيجيات التعليم في أوروبا منذ عام 2006:

«مع بقاء الأمور الأخرى على حالها، سيعمل تحقيق أهداف لشبونة [أي اكتساب الجميع الكفايات الأساسية] على زيادة الأجور الفعلية للعمال الأقل تأهيلاً حاليا، ولكنه سيقلص الأجور الفعلية لمن يتمتعون بالفعل بهذه الكفايات». [16]

لكن، نظرا إلى المستوى العام للإفراط في تأهيل العمال، فإن التأثير الماكرو اقتصادي النهائي سيعكس في الواقع تخفيضا في الكتلة الأجرية.

ومع ذلك، فإن الرغبة في جعل جميع الشباب، سواء كانوا مهندسين أو بائعي هامبرغر لاحقاً، يكتسبون نفس الكفايات الأساسية، تستتبع تأثيرات على تنظيم المدرسة واشتغالها. بناء على ذلك، طالما دعت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بالفعل إلى اعتماد أنظمة يتابع فيها التلاميذ، كما في فنلندا على سبيل المثال، جذعاً مشتركاً طويل مدة التكوين نسبياً؛ وعلى نحو أمثل حتى 15 أو 16 سنة. تدعم استطلاعات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة هذا الاتجاه. وتشير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي على سبيل المثال إلى أن متوسط درجات القراءة وفقاً للبرنامج الدولي لتقييم الطلبة أعلى بـ 19 نقطة في البلدان التي لم يتجاوز فيها عدد الطلبة الذين كرروا القسم نسبة 10%. [17]

غير أن نجاح هذا الجذع المشترك يتطلب اعتماد عُدّة وممارسات بيداغوجية تستهدف محاربة الفشل الدراسي. وهنا نعود إلى التناقض الكبير المذكور أعلاه: بأية وسائل؟ طبعاً، قد يشكل جذعاً مشتركاً طويل المدة اقتصادا في التكاليف مقارنة مع اعتماد مسالك عديدة مبكراً: غالباً ما تكون أشكال التعليم التقني أو المهني أكثر تكلفة من التعليم العام، وخاصة بسبب محدودية عدد التلاميذ في كل قسم تعليمي في الدروس التطبيقية وبفعل ما تتطلبه مسالك التعليم التأهيلي من معدات خاصة. ولكن من ناحية أخرى، فإن ضمان أن يكون جميع التلاميذ قادرين على مواصلة نفس التعليم حتى سن 15 أو 16 يستلزم استثمار موارد بشرية كبيرة في السنوات الأولى من الدراسة. وبدلا من اقتراح تضخيم حجم الميزانيات، تسعى منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وما تمثله من فصائل الرأسمال السائدة، إلى اللجوء إلى طرق أقل تكلفة لمحاربة الفشل الدراسي وانعدام المساواة في التعليم: اعتماد العلوم المعرفية، والعمل على تحفيز المدرسين والتلاميذ، واستخدام تكنولوجيا الاعلام والاتصال، وتفريد مسارات التعلم، الخ.

الاستقلالية والتقييم والمنافسة

في الخمسينات والسبعينات، عندما كان سوق الشغل يطالب برفع مستويات التعليم بشكل عام ومنتظم، ترك أرباب العمل للدولة الاهتمام بتشجيع وتنظيم وتمويل عملية إضفاء الطابع الجماهيري على التعليم الثانوي، وخاصة تطوير التكوينات التقنية والمهنية. واليوم، وفي سياق التقشف المالي، لا يمكن السعي إلى تحقيق أهداف الكفايات الأساسية للجميع عبر عمل تطوعي من جانب السلطات العامة وحسب. لأن ذلك قد يجعل الإصلاحات باهظة التكاليف وبطيئة جدا نظرا إلى وثيرة التغيير وأجندة الرأسمال الكبير. ولتسريع تنفيذ منظوره، يعول هذا الأخير بالأحرى على استراتيجية استقلالية المدارس وزرع المنافسة بينها، بإخضاعها لضغط «الزبائن» (يعني: الآباء) ومنح المزيد من الصلاحية لمدراء المدارس. وفي فرنسا، يقترح معهد مونتين ما يلي...

«منح المؤسسات العامة والخاصة بموجب عقود إمكانية الحصول على قدر كبير من الاستقلالية بشأن التدبير، من حيث الموارد أو طرق التدريس على حد سواء، إذا كانت راغبة في ذلك». [18]

وعلى نحو مماثل، تتأسف منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي...

«بطء أنظمة التعليم في تلبية (الـ) حاجات وفي التكيف مع المؤهلات المتغيرة. (…) أنظمة التكوين والتعليم بيروقراطية على نحو مفرط (و) لا يوجد قدر كاف من المرونة على المستوى المحلي لتكييف البرامج». [19]

إن التقييم المستمر للتلاميذ والمدارس وأنظمة التعليم بالذات حسب البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، يشكل أيضاً وسيلة لإذكاء هذه المنافسة المدرسية والاسهام بأقل تكلفة، في تحول التعليم إلى الأهداف الاقتصادية التي صاغتها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وأصدقاؤها.

لكن ذلك كله لا يخلو من تناقض جديد وعميق: إن استقلالية المدارس وزرع المنافسة بينها من الأمور التي تعزز تطور شبه سوق مدرسية، مع ما يترافق ذلك حتماً من ظواهر الفصل الاجتماعي، التي تتعارض عواقبها تعارضاً تاما مع أهداف الجذع المشترك و«النجاح للجميع» (أي في اكتساب الكفايات الأساسية) التي تسعى مع ذلك نفس الدوائر الاقتصادية إلى تحقيقها. هكذا فإن السويد، التي كانت ما زالت قبل بضعة أعوام تمثل نموذجاً للمساواة الاجتماعية في الأداءات حسب البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، قيد السقوط من تصنيف المساواة منذ فتحها سوق التعليم للمنافسة، إذ قدمت للآباء «شيكاً مدرسياً» يسمح لهم باختيار مدرسة عامة أو خاصة بحرية. وبدأت فنلندا في اتباع نفس المسار.

وبناء على ذلك فإن مواقف منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بهذا الصدد متباينة، وحتى متناقضة: فهي من ناحية تدعو إلى الاستقلالية، والمساءلة، وإلى منافسة معينة بين المدارس، ولكنها في الوقت ذاته تطالب بضبط سوق التعليم، تفاديا للتجاوزات. والواقع أن مواقف أندرياس شليتشر، «الرئيس» الأكبر في الدراسات الاستقصائية التي يقوم بها البرنامج الدولي لتقييم الطلبة في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، تصف هذا التردد وتعكسه:

«تسعى بلدان عديدة جاهدة إلى التوفيق بين مطامحها ومزيد من المرونة وحرية الآباء في اختيار المدارس مع ضرورة ضمان الجودة والانصاف والتماسك في نظامها التعليمي (...). إن اختيار المدرسة الحر في حد ذاته، لا يضمن أو يقلص نوعية التعليم. وعلى ما يبدو، فإن الأهم هو السياسات المدروسة بعناية والتي تعمل على تحقيق أقصى حد ممكن من الفوائد المترتبة على الاختيار الحر وعلى الحد من مخاطره في الوقت ذاته» [20].

الإنصاف، على طريق منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي

غالبا ما تعلق منشورات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أهمية على الانصاف الاجتماعي في التعليم. وهكذا، يؤكد أندرياس شليشير ما يلي،

«إن تحقيق قدر أكبر من الإنصاف في التعليم لا يشكل ضرورة للعدالة الاجتماعية وحسب، بل أيضا وسيلة لاستخدام الموارد المتاحة بشكل أكثر فعالية». [21]

ولكن مفهوم الإنصاف الذي يظهر في هذه الخطابات لا يمت بصلة كثيرا إلى المفهوم الذي طرحه المدافعون عن الفئات الشعبية في القرن العشرين عندما كانوا ينددون تحت شعار «كلنا عمال، كلنا مثقفون»، بالتقسيم الرأسمالي للعمل ودور المدرسة في إعادة إنتاجه.

واليوم، في الدوائر المقربة إلى منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، ينص الإنصاف على تعزيز «حق» الجميع في اكتساب الكفايات التي ستضمن إمكانية تشغيلهم -ولكن ليس ضمان منصب شغل لهم ــ وجعلهم مستهلكين جيدين. ستكونون جميعاً قابلين للتكيف ومرنين، وكلكم على استعداد للاندماج في سيرورات الإنتاج الجديدة، وكلكم عطشى لاستخدام أحدث الأدوات الإلكترونية العصرية، وكلكم جاهزون لاستعمال التكنلوجيا الرقمية، وقادرون جميعاً على (إتقان) استعمال اللغة الإنجليزية المختصرة (globish). باختصار، كلنا على قدم المساواة... بوجه التغيير والعولمة الرأسمالية.

كانت ثمة رغبة في اضافة أن ما من أحد قادر على مقاومة ذلك.

لكن حتى هذه النظرة الاقتصادوية بالضبط وقصيرة الأمد حول التعليم، تعمل على تقويضها التناقضات الداخلية الحادة المرتبطة بالتقشف المالي الضروري والرغبة في اعتماد آليات السوق في التعليم. وبناء على ذلك فإن «الجذع المشترك» الذي تتطلع اليه منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وأصدقاؤها، والذي يرتكز على نسخة حد أدنى من كفايات أساسية وقابلة للتكيف وحدها، أقرب إلى تسوية تلبية الطموحات منها إلى تقدم المدرسة الديمقراطية.

المؤهلات والتوجيه

إذا كانت معظم نصوص المنظمات أو المؤسسات الكبرى، مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والاتحاد الأوروبي، تطالب عموما بأسبقية الكفايات (الأساسية أو المستعرضة) على المعارف النوعية والمؤهلات، فإن وثائق أخرى صادرة أحيانا عن نفس السلطات، توصي على العكس بتحديد الاستعدادات aptitudes المهنية على نحو أمثل لتكييفها بشكل أوثق مع التعليم التأهيلي. وفي عام 2010، ذكر المجلس الأوروبي ما يلي:

«[يلزم] بانتظام مراجعة المعايير المهنية والمعايير الخاصة بالتعليم والتكوين، والتي تحدد المعايير التي يجب أن يستوفيها حامل شهادة أو دبلوم معين». [22]

في بيان «تعليم أفضل وتكوين مستمر» الذي نشرته نقابة أرباب العمل الفرنسية [حركة المقاولات في فرنسا MEDEF] في عام 2017، يبدأ أرباب العمل الفرنسيون بالإعراب عن أسفهم على طابع التعليم الفرنسي المتسم بـ«انعدام المساواة إلى حد كبير» وعلى نقاط ضعف التعلمات الأساسية:

«يتمثل طموحنا في أن تكون نسبة 100% من التلاميذ، أثناء 10 سنوات، مواطنين وقابلين للشتغيل في نهاية دراستهم وطوال حياتهم» (...) بل إن الأمر يتعلق على حد سواء بحفز كافة أشكال الذكاء (المنطق، واللغويات، والفضاء) وتعزيز إضفاء الطابع الشخصي على التعلمات أو إدارة المشاريع الجماعية والبناء الابداعي المشترك».

ولكن بعد بضع صفحات، تعود نقابة أرباب العمل في فرنسا إلى مواقف أكثر كلاسيكية، داعية إلى «إعادة المقاولة إلى قلب المسار المهني».

«[من أجل] ضمان محتويات تكوين تلبي حاجات الاقتصاد من كفايات (المقاولات وكذلك القطاع العام بهذا الشأن)، يجب على المقاولة حتماً أن تستثمر في سيرورة إعداد الشهادات المهنية، وفي طليعتها، الدبلومات المهنية الوطنية».

ويعكس التعارض بين هذا الخطاب والخطاب الدائر حول الكفايات تناقضاً عميقاً: التناقض الذي يجعل أرباب العمل في القطاعات الواعدة (التكنولوجيات الفائقة والخدمات) في مواجهة القطاعات الأكثر تقليدية والتي قد تكون أحياناً في انحدار (مثل المنشآت المعدنية، وبناء السفن...).

لدى المشرفين على انتقاء الأطر والمبتكرين لتوظيفهم في مقاولات تعمل في مجالات التكنولوجيا الفائقة، كما لدى من يستخدمون عمال عربات-الطعام في قطارات فائقة السرعة، لا تكمن المشكلة في ايجاد أشخاص حاصلين على تكوين متخصص ملائم: إن الأمر ميؤوس منه في الحالة الأولى، حيث سيكون التكوين الأولي والمستمر في المقاولة ضرورياً على كل حال، وهو غير وارد في الحالة الثانية، حيث لا داعي لوجود تأهيل خاص. ومن ناحية أخرى، يعربون عن أسفهم لأن العمال يفتقرون أحيانا إلى حس المبادرة، وأنهم يتعاملون بصورة آلية للغاية مع الأوضاع المستجدة، وأنهم بلا سرعة كافية لاكتساب معارف جديدة ومهارات جديدة، وفقا للحاجات، وأن الطريقة التي يعبرون بها ويتواصلون بها غير متكيفة دوماً مع طبيعة مهامهم... وهنا يشكل تطوير الكفايات العامة مطلبا قويا موجها إلى نظام التعليم.

وفي المقابل في المقاولات الأكثر «تقليدية»، حيث يجري التعاقد مع الخراطين واللحامين والنقاشين والبنائين والنجارين والرصاصين... تكتسي المهارة المهنية أولوية وتتجاوز اعتبارات مبهمة حول قابلية التكيف وغير ذلك من الكفايات الاجتماعية. من المؤكد ضرورة التحفظ من تكرار شكاوى هكذا أرباب العمل، عندما يعربون عن معاناتهم من نقص اليد العاملة المؤهلة. فهو غالبا ما يعكس نقصا حقيقيا في العمال أقل ما يعكس زيادة في مستوى شروط التوظيف ويرجع ذلك خاصة إلى التفاوت في القدرة التنافسية مع القطاعات التي قد توظف من خزان ضخم يضم يدا عاملة متدنية التأهيل. ولكن حضور خطابهم ليس أقل قوة ويُبرر أحياناً أوجه النقص الحقيقي؛ وبالتالي فإنه يؤثر أيضاً على السياسات التعليمية.

ومواقف هكذا أرباب العمل أكثر احتشاماً بشأن الجذع المشترك، وتفضل بالأحرى توجها مبكرا نحو مسالك تقنية ومهنية؛ وتوجهاً «إيجابياً»، قائما على خيار حقيقي، يعبر عنه الشباب وغير ناتج عن فشل دراسي متكرر. كما أنهم يدافعون عن «إعادة تقييم» التعليم التأهيلي، الذي يعني لهم تعزيزا لتكوين عملي: شهادات على أساس الوحدات، ومزيدا من تداريب تطبيقية، وتكوين بالتناوب، الخ.

ويحظى هذا المنظور بدعم من خطاب إيديولوجي يدعي أن «الذكاء العملي» يعادل جيدا «الذكاء النظري» (ولكنه يتفادى جيداً تأكيد ضرورة استفادة كليهما من نفس الأجور).

أطفالنا (الأغنياء) في المقام الأول

إن هذه التناقضات القائمة بين التطلعات المتعارضة لنفس أرباب العمل -ضمان الكفايات للجميع ولبرلة سوق التعليم في الآن ذاته- أو بين فئات أرباب العمل ذات مصالح متباينة -كفايات مقابل مؤهلات، جذع مشترك مقابل انتقاء مبكر- ينضاف اليها تناقض بين المصالح الجماعية والمصالح الفردية للطبقات الثرية.

وتتوفر معظم أسر البرجوازية العليا والمتوسطة على رساميل ضخمة إلى هذا الحد أو ذاك في صناديق الاستثمار في الأسهم أو السندات. إن مصالحها، كرأسماليين، هي مصالح هكذا كبرى مقاولات التكنولوجيا الفائقة أو قطاعات الخدمات الناشئة التي تُبلور تطلعاتها التعليمية بشكل نموذجي المؤسساتُ أو الهيئات الكبرى مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، والمفوضية الأوروبية، والمركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني، الخ.

ومع ذلك، فإن هذه الأسر لديها أيضاً (أو تخطط يوما إنجاب) أطفال وأحفاد وتعتزم تأمين مستقبلهم. وهي على وعي تام بتنامي تقاطب سوق الشغل، وتريد ضمان تبوأ ذريتها موقعاً في سوق الشغل، بتمكينها من تتبع أفضل المسارات التعليمية. فضلاً عن ذلك فإنها تعزز اهدافا تعليمية خاصة بطبقتها، وهي أهداف لا يمكن تحقيقها في خضم عدم وضوح الكفايات الأساسية. وليتبوأ أطفالها مواقع المسؤولية المخصصة لهم، عليهم اكتساب معارف متينة في جميع المعارف الذي تتضمن القدرة على التقرير، والتدبير، والحكم: التاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب واللغة الإنكليزية الرفيعة المستوى، الخ.

وما لم تكن هذه الأسر جزءاً من الأقلية الضئيلة جدا القادرة على تحمل تكاليف التعليم المخصخص بالكامل، فإنها تميل إلى المطالبة بإعادة تركيز التعليم على المعارف المتينة والعالية المستوى لأنها تدرك حاجة أطفالها إليها. وهي ترفض الخطاب الذي يدافع عن الانصاف في التعليم، الذي لا ترى فيه سوى خطر تسوية، وخاصة تنافسا يتهدد أطفالها. وتحتقر الجهود الرامية إلى «نجاح الجميع» لأنها تدرك وتفضل أن تتمتع ذريتها بامتياز الاستفادة من ظروف النجاح التعليمي (مساعدة في المنزل، ودروس خاصة،). وترفض الجذع المشترك طويل المدة، وتفضل توجها مبكرا حيث يتم تحديد مسالك النخبة بوضوح. وتطالب بقدر كبير من حرية اختيار مدرسة لأطفالها، وتدافع عن حق المؤسسات التعليمية في ترتيب موقعها في سوق التعليم، عند الاقتضاء بنشر نتائج الاختبارات الوطنية أو الدولية، وبالتالي، تتجاوز في هذا المجال كثيرا ما تطالب به منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي من استقلالية ومساءلة. وباختصار، تريد الحفاظ على (أو اعتماد) الهياكل والمناهج الدراسية التي كفلت في العقود الماضية وضع أبنائها المتميز في المنافسة التعليمية.

ترددات البرجوازيات الصغيرة

أما موقف أسر البرجوازيات الصغيرة فهو أكثر تناقضا. فمن ناحية، تشاطر التطلعات النخبوية التي وصفناها للتو. وحول مسألة شبه سوق التعليم، فهي حريصة أحياناً على الاختيار الحر أكثر من البرجوازية العليا والمتوسطة. والواقع أن وضعها المالي يلزمها بالعيش في أحياء أقرب إلى الفئات الشعبية، وبالتالي فإنها تخشى بوجه خاص السياسات التي تميل إلى تنظيم تعيين تسجيل التلاميذ على أساس بعد المنزل عن المدرسة.

ولكن من ناحية أخرى، تخشى هذه الأسر أن يصبح أطفالها ضحايا نظام مدرسي انتقائي أكثر من اللازم. وبالتالي، قد تكون مؤيدة لسياسات الدعم المدرسي، ومحاربة التكرار والفشل المدرسي. وفي صفوف الطبقة البرجوازية المثقفة، بوجه خاص، من المعتقد أحيانا أن الأساسي لا يكتسب في المدرسة، ولكن خارجها، عندما يُؤخذ الاطفال إلى المتحف، وإلى السينما، وإلى المعارض، وإلى السفر. إن طول الزمن المدرسي، والقيود المدرسية المفرطة ضارة من هكذا وجهة النظر. وبالتالي ثمة دعوة إلى اعتماد جذع مشترك مخفف وإلى تخفيض الزمن المدرسي، ولكن أيضا إلى مزيد من الخيارات الفردية في المناهج الدراسية، وإلى مدارس تعتمد «بيداغوجيات مختلفة»، الخ.

وفي بلجيكا الناطقة بالفرنسية، يتواجد ممثلو هذه المواقف المتناقضة النموذجيون في جمعيات مثل جمعية المدارس الحرة والفعالة والحية والمتضامنة، l’asbl Élèves [23] التي تشن حربا ضروساً ضد كل تنظيم للتسجيلات المدرسية ولكنها تدعو أيضاً إلى «سياسة عملية تنص على عدم التكرار اعتمادا على عمل مرافقة الفرق التعليمية الميدانية بشكل ملموس، وفي المقام الأول في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية». [24]

سياسات غير مستقرة ومتناقضة

إن التناقضات العديدة في صلب التطلعات التعليمية للطبقات الحاكمة تسمح بفهم بعض المسارات الملتوية وغير المتماسكة للسياسات التعليمية. فنحن إجمالاً بوجه أربعة «خطوط سياسية» (ولتيسير الأمور، سنلقي عليها أسماء من اللازم عدم أخذها على محمل الجد):

• . خط «منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والاتحاد الأوروبي»، السائد إلى حد كبير لأنه يمثل مصالح المقاولات القوية النشطة في التكنولوجيات الفائقة والخدمات، وبالتالي أيضا، بشكل غير مباشر مصالح عالم المال؛ ومن الممكن تلخيصه بعبارات رئيسية مثل: الكفايات، والجذع المشترك، ومدرسة النجاح، والاستقلالية، والتقييم، والفعالية البيداغوجية، وتكنولوجيا الاتصال والاعلام، والتقشف، والمواطنة، الخ.

• . خط «ميكانوMécano »، يمثل المصالح النموذجية للمقاولات الأكثر تقليدية، والذي تجاهد أحياناً لتشغيل يد عاملة متوسطة التأهيل؛ وعباراته الرئيسية: التأهيل، والتوجيه، والتداريب، والتناوب، والتكوين البوليتكنيكي [متعدد الفنون والعلوم]، وعلاقات بين المدرسة والمقاولة، الخ.

• . خط «متقادم Vieille France »، يمثل المصالح الخاصة للأسر البرجوازية، والذي قد يتعارض مع مصالحها الجماعية كرأسماليين؛ وعباراته الرئيسية: التقليد، والتكرار، والانتقاء، والاختيار الحر، والضرورة، وبداغوجية التدريس الأستاذي...

• . خط «إنتلوس»، Intellos الذي يمثل أحد أقطاب المصالح المتناقضة للبرجوازية الصغيرة (والآخر ينسجم مع خط «Vieille France»)؛ عباراته الرئيسية: عدم التكرار، والجذع المشترك، وحرية الاختيار، والبيداغوجيا الفارقية، والتفريد، الخ.

وهناك تقارب معين بين خط «منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والاتحاد الأوروبي» وخط إنتلوس Intellos: وفي كلتا الحالتين تتضح فكرة الجذع المشترك، والتشبث بالإصلاحات التعليمية، ومحاربة الفشل المدرسي، وما إلى ذلك، على العكس من ذلك، يتقاسم خط «ميكانو» Mécano و « Vieille France» فكرة أن أشكال التعليم القديمة كانت في آخر المطاف مرضية جداً، وأن اختيارا مبكرا أفضل من استمرار تكوين مشترك لأطفال مختلفين جدا، وأن المعارف أهم من كفايات غير واضحة، الخ.

وهذه المواقف المتقاربة على مستوى المصالح الموضوعية لمختلف الأطراف قد تفسر، بالأقل جزئياً، وجهات النظر السياسية التي يمكن ملاحظتها في النقاشات التعليمية. لأنه إذا كانت جميع الأحزاب الحاكمة تحترم بالضرورة الخط السائد التي تنهجه «منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والاتحاد الأوروبي»، فعليها أيضا الأخذ في الاعتبار حساسيات ناخبيها وقواعدها. وهكذا، فإن الاشتراكية الديموقراطية، وبشكل أعم تشكيلات «يسار الوسط»، التي لها روابط تقليدية متينة مع البرجوازية الصغيرة المثقفة، تؤيد عموما خط «منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والاتحاد الأوروبي» وخط Intellos «إنتلوس». في حين أن الأحزاب «اليمينية»، المنغرسة بعمق في دوائر صغار أرباب العمل، والمستقلين والأسر البرجوازية، تتبنى بطيبة خاطر أطروحات «Vieille France » و «ميكانو Mécano ».

وتحت ضغط المنظمات العالمية وجماعات ضغط مثل المائدة المستديرة الأوروبية للصناعيين، شرعت بلدان عديدة في تنفيذ خطط إصلاح حول الكفايات، وتمديد فترة الجذع المشترك، واستقلالية المدارس، الخ. ساهمت في ذلك إلى حد كبير استطلاعات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة بتعميم نموذج بلدان مثل فنلندا أو السويد. غالبا ما كانت هذه الإصلاحات من صنع حكومات يسار الوسط. وفي بلجيكا الناطقة بالفرنسية كان هذا هو الحال مع «مرسوم المهام» الذي عملت بموجبه وزيرة اشتراكية، لوريت أونكيلينيكس، على فرض المقاربة بالكفايات عام 1997؛ وكان هذا هو الحال مع ثلاثة مراسيم خاصة ب-«التسجيل-الاختلاط» in-script-ion-mixité التي عمل بموجبها وزيران اشتراكيان (ماري أرينا، وكريستيان دوبونت) وديمقراطي مسيحي (ماري دومينيك سيمونيت) على السعي إلى فرض قدر قليل جدا من التنظيم في سوق المدارس البلجيكية البالغة الليبرالية؛ ولا تزال هذه هي حالة «ميثاق الامتياز» Pacte d’excellence الذي أطلقه الديمقراطي المسيحي جويل ميلكيه بدعم من الحزب الاشتراكي، والذي يهدف إلى توسيع تمديد فترة الجذع المشترك، وتحسين الكفايات الأساسية، ومحاربة التكرار. وفي فلاندرز، قامت تحالفات «متعددة الألوان»، ممتدة من الحزب الاشتراكي إلى اليمين الليبرالي، بإقرار إصلاحات مماثلة أو سعت إلى نهجها، قبل أن يضع اليمين القومي حدا لها بوصوله للسلطة. وفي فرنسا اضطلع الوزراء الاشتراكيون كلود أليغري وجاك لانغ ونجاة فالو بلقاسم بدور رائد في رسم التوجيه القائم على الكفايات واستقلالية المدارس، وعدم التكرار، والخ. وعلى صعيد أوروبا، قامت الفرنسية الاشتراكية إديت كريسون بدور رئيسي في المحاولات الأولى لتنفيذ سياسة تعليمية مشتركة، مستوحاة من خط منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

ومن المفارقة أنه حيث يستطيع اليسار نهج سياسة الرأسمال الكبير دون تأنيب ضمير، يضطر «اليمين» إلى توخي مزيد من الحذر. وبسبب التناقضات بين هذه السياسة وتطلعات قاعدتها أو ناخبيها، فإنها ملزمة على تبني مواقف أكثر انفتاحا على خط «ميكانو» Mecano وخط «Vieille France ». وهذا بقدر ما أن اليمين المتطرف، منافسه الرئيسي في الانتخابات، يتبنى هذان الخطين دون أدنى تحفظ.

وفي بلجيكا الناطقة بالفرنسية، فإن حزب الحركة الشعبية، وهو حزب ليبرالي يميني، ينصب نفسه كمدافع عن رفض كل تنظيم للتسجيل في المدارس، في حين أنه يدرك تماما أن أي تراجع حول هذه المسائل قد يؤدي إلى فوضى حقيقية؛ كما يرفض، مسبقا، فكرة تمديد فترة الجذع المشترك حتى 15 سنة، على النحو المنصوص عليه مبدئياً في ميثاق الامتياز. [25] وفي فلاندرز، وضع صعود اليمين القومي، بقيادة حزب التحالف الفلمنكي الجديد [26] وعودته إلى الحكومة الفلمنكية في عام 2014، حداً لمحاولات إصلاح التعليم الثانوي ويهدد السياسات المتواضعة لتنظيم التسجيل بالمدارس كما كان معتمداً من قبل.

بلانكر، البهلوان

وفي فرنسا، يشكل وزير التعليم الحالي جان ميشيل بلانكر تجسيداً كاملاً لهذه التطلعات المتناقضة والصعوبة السياسية في تحقيق توازن بينها. ويشهد على ذلك هيكل كتابه «مدرسة الغد» [27]. ويتم تناول كل موضوع (المدرسة الابتدائية، المدرسة الاعدادية، إلخ) حسب «ثلاثة أعمدة: التقليد، والمقارنات الدولية، والعلوم». توظف كلمة «التقليد» لتقديم تعهدات لناخبي وأنصار اليمين وأرباب العمل «على الطراز القديم»؛ وسترضي دروس «العلوم» (طرائق التدريس، وعلم النفس الإدراكي، والعلوم العصبية، الخ) جمهور البرجوازية الصغيرة المثقفة التي دعمت بشكل كبير وصول إيمانويل ماكرون إلى السلطة؛ وبين الاثنين، تقوم «المقارنات الدولية» التي تقدمها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والهيئات الأوروبية (يوريديس والمركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني، الخ)، بتركيز العمل على الضروريات.

إن بلانكر على وعي تام بأنّ بلده متأخّر جداً في تحقيق أهداف منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي: نتائج اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة [بيزا] ضعيفة بوجه خاص لدى أطفال الفئات الشعبية. «يبدو أن فرنسا هي بلد منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي حيث يلقي وزن الأصل الاجتماعي بثقله أكثر على المسار التعليمي»، كما يندد بالضبط. ولمحاربة أوجه انعدام المساواة في التعليم، يتعهد بتخفيض عدد الصغار في رياض الأطفال حسب توصية منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. لأن فرنسا هي أيضا بلد من البلدان التي تشهد أسوأ تأطير (نسبة الأساتذة إلى التلاميذ) في رياض الأطفال وفي التعليم الابتدائي في أوروبا. ولكن علاج هذا الأمر مكلف جداً، وكما تتطلب سياسة التقشف، سيكون لزاماً والحالة هذه الاكتفاء بخفض عدد الأطفال في المناطق الأكثر حرماناً.

من غير المؤكد أن هذا كاف لحل المشاكل على مستوى التعليم الاعدادي. ويقول بلانكر إن ذلك لن يتمكن من معالجة الصعوبات التي تبرز منذ المدرسة الابتدائية. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فهو يميل إلى ترسيخ، أو حتى زيادة، التفاوتات التعليمية المتحدرة من الأصل الاجتماعي، و«تعترضه صعوبة في التعامل مع عدم تجانس المستويات بين التلاميذ». وبدلاَ من إيجاد الحلول اللازمة لإنجاح المدرسة الاعدادية الموحدة، فإن بلانكر مضطر بالتالي، إن لم يقلع عن ذلك، بالأقل إلى خفض طموحاته الديمقراطية. وبالتالي الاستماع إلى مطالب العائلات البرجوازية.

من جهة...

«أجل، يجب تصور التعليم الاعدادي في سياق استمرارية المدرسة الابتدائية. فهو يشكل مع هذه الأخيرة الجزء الأول من حياة الطفل المدرسية، الذي يمنحه قاعدته من المعارف والكفايات للحياة. وبالتالي، ينبغي أن يعزز المعارف الأساسية، ولكن أيضاً أن يأخذ في الحسبان خصوصيات التلميذ.»

ولكن من ناحية أخرى...

«كلا، لا يمكن أن يكون التعليم الاعدادي موحدا بأي وجه، أي بمواصفات موحدة. بل على العكس من ذلك، يجب تنظيمه بطريقة تمكن من تقييم مواطن قوة التلميذ لرسم مساره بشكل متوافق مع مواهبه ورغباته.»

وبالتالي...

«وسيقدم تعليم المستقبل الاعدادي مسارات شخصية. سينتمي التلميذ إلى قسم لكنه سيقضي جزءا كبيرا من وقته في مجموعات كفايات صغيرة، وأعمال شخصية مؤطرة، وأنشطة مختارة. سيكون التدرج أثناء السنوات الأربع على وثيرة كل تلميذ.»

وهنا المدافع عن انعدام المساواة في المدرسة الفرنسية الذي يؤكد لنا أن «خطاب المساواة مدمر» [28].

نفس الغموض في مجال البيداغوجيا. يدافع بلانكر عن عودة إلى قراءة التعلم عبر الطريقة المقطعية، وحظر الهواتف المحمولة في المدرسة، وإعادة التركيز على المعارف الأساسية، والصرامة والانضباط. لكنه بنفس الصوت يؤيد التجارب التعليمية القائمة على العلوم العصبية، وخاصة تجارب سيلين ألفاريز، ويعترف بأنه من المعجبين بمونتسيوري ويتطلع إلى شخصنة المسارات المدرسية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

لكن الأهم في مكان آخر. في 19 كانون الثاني/يناير، دعا الوزير رؤساء ثلاثين مقاولة كبرى إلى عقد لقاء لتبادل المعلومات حول التعليم الوطني. وألح على «الكفايات الأساسية» Soft skills، والكفايات العلائقية والمستعرضة. [29] كما أعلن أن «العالم سيصبح تكنلوجياً باطراد» ومن اللازم «اعداد الاطفال للدخول إليه» [30]. وتتماشى هذه المواقف بشكل جيد مع خط الرأسمال الكبير وخط منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. ولكنها ترتبط لدى بلانكر بعلاقة مع مصالح أرباب العمل التقليديين.


يعاني المسار المهني (...) من انعدام وضوح معالم الدبلومات، وتطابق غير كامل بين التكوينات المقدمة وتطلعات عالم الاقتصاد، وتمفصل محدود للغاية مع التعلم. وعلى الرغم من النجاحات الرمزية، فإن هذه الصعوبات تؤدي إلى غياب الصورة وتردد التلاميذ والأسر في اختيار التكوينات المقترحة عليهم». [31]

«يهدف إصلاح التعليم المهني (سيكون هدفه) إلى اعادة منح التعليم المهني قيمته وجاذبيته وهيبته وفعاليته. [32]

ويسعى بلانكر خاصة إلى «تحسين خيارات التوجيه» عبر ادراج حصيلة كفايات في بداية السنة الثانية (أي ما يعادل السنة الرابعة في التعليم الاعدادي في بلجيكا) لجميع التلاميذ.

خاتمة: ما هو خط قوى التقدم؟

إن الخطوط السياسية التي تميز التطلعات التعليمية للطبقات السائدة تُبرز، بأثر معكوس، ما ينبغي أن تكون عليه أهداف الإصلاح التي يتبناها الملتزمون بالدفاع عن مصالح الفئات الشعبية.

نرفض خط النزعة الاقتصادية الذي تتبناه منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وخط النزعة الاقتصادي للطبقة المتوسطة المثقفة، وذلك لأن: ما جدوى جذع مشترك طويل الأمد إذا كان الهدف جعل التعلمات مختزلة في مجرد كفايات أساسية غير واضحة، وإذا كان الهدف استمرار نقص الوسائل، والمنافسة بين المدارس، والبيداغوجيا الفارقية، الخ، وتعميق أوجه التمييز وأوجه انعدام المساواة؟ ولهذا السبب، لا نستطيع في بلجيكا الناطقة بالفرنسية أن نشعر بالرضا عن «ميثاق الامتياز» الحالي.

كما نرفض أيضا خط أرباب العمل «التقليديين» والأسر البرجوازية لأن ما جدوى زيادة أهداف التعلم إذا كان الهدف سجن، أطفال الفئات الشعبية، من سن 12، في مسالك تأهيلية دون أي تكوين عام متين. ولهذا السبب نرفض السياسات التعليمية التي ينتهجها بلانكر في فرنسا، بل ونرفض بشكل أكثر قطعا أيضا السياسات التعليمية التي يتبناها حزب الحركة الاصلاحية وحزب الليبراليين والديمقراطيين الفلمنكيين وحزب التحالف الفلمنكي الجديد.

لا يمكننا أن نختار بين الإنصاف والضرورة، بين الجذع المشترك وبرنامج تعليم رفيع المستوى. نحن نطالب بكليهما، لأن ذلك شرط اكتساب مواطنة نقدية مشتركة ولأننا نعتقد أن أطفال الأسر الشعبية ليسوا أقل قدرة من غيرهم على المستوى الفكري.

ومن ناحية أخرى، سيتطلب مثل هذا الهدف موارد وسياسة طموحة:

1. تقليص أعداد التلاميذ إلى حد كبير في بداية التمدرس للتمكن من بناء هذه العلاقة الايجابية مع كل الأطفال في المدرسة وفي المعارف التي «يرثها ثقافياً» البعض في أسرهم.

2. ولنفس السبب، عكس الاتجاه فيما يتعلق بالزمن المدرسي: من الضروري إعطاء مزيد من الوقت في المدرسة حتى يتمكن الجميع فيها من كسب ثروة الاكتشافات والتجارب المتعددة التي يستفيد منها البعض في منازلهم.

3. منح المدرسة الوسائل التي تمكن من مرافقة كل تلميذ في عمله الفردي («الواجبات المنزلية والدروس»).

4. جعل المدرسة مكاناً حقيقياً للحياة، حيث تُكتسب التعلمات النظرية والتطبيقية، وكذلك التعليم على قيم التعاون والتضامن واحترام الذات والآخرين، والدقة... في موقع العمل والحياة اليومية.

5. 5محاربة آليات العزل الاجتماعي والأكاديمي التي تميل إلى حصر أطفال الشعب في مدارس مؤدية إلى التهميش، مُحتقرة بصفتها هذه.

6. وأخيرا، في ظل هذه الظروف، قد يحصل جميع الأطفال على حزمة متينة من تعليم مشترك كلاسيكي وبوليتكنيكي على حد سواء. ويمكن أن يحدث بعض هذا التكوين المشترك في إطار هيكلي لجذع تعليمي مشترك (على سبيل المثال عبر مدرسة إعدادية موحدة حتى سن 15 أو 16) ولكن حتى بعد ذلك، بمجرد أن تكون حاجات التخصص المهني أو التحضير للتعليم العالي قد فرقت التلاميذ، يجب ضمان استمرار هذا التكوين المشترك الذي لا يمكن أن ينتهي في سن 15.

نيكو هيرت، تموز/يوليو عام 2018

_______________________________________________________________________
[1] إحصاءات صادرة عن نظام الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، 16 أيار/مايو عام 2018.

[2] إريك آلان هانوشيك ولودجر فيسمان. (2008). دور الكفايات المعرفية في التنمية الاقتصادية. مجلة الأدب الاقتصادي 46، 607-668.

[3] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (2016). التغيرات الكبرى التي تحول التعليم 2016.

[4]. «الأبحاث والأسواق» (2018)، سوق التعليم العالمي عبر إنترنت - التوقعات من عام 2018 إلى عام 2023.

[5] المجلس الأوروبي (2012). تعزيز التعليم والتكوين المهنيين في أوروبا: بيان بروغس.

[6].بلانكر، جان ميشيل (2017). مدرسة الحياة؛ مدرسة الغد. دار النشر أوديل جاكوب.

[7] المركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني الذي أصبح الهيئة الأوروبية المسؤولة عن فحص وتعزيز الملاءمة بين المدرسة والشغل.

[8] المركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني (2016) الحاجات المستقبلية بشأن الكفايات في أوروبا: الاتجاهات الحرجة للقوى العاملة.

[9] المجلس الأوروبي (2012). استنتاجات المجلس في يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012 حول التعليم والتكوين في سياق استراتيجية أوروبا لعام 2020 - اسهام التعليم والتكوين في الانتعاش الاقتصادي والنمو والشغل.

[10] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (2016)، مرجع سابق.

[11] المركز الأوروبي لتطوير التكوين المهني (2012). العرض والطلب على الكفايات مستقبلا في أوروبا. توقعات عام 2012.

[12] أنانيادو كاترينا، و كلارو، م. (2009). مهارات وكفايات القرن الحادي والعشرين لمتعلمي الألفية الجديدة في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. وثائق عمل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بشأن التعليم.

[13] صحيفة فاينانشال تايمز، 28 أيار/مايو عام 2018، ص 8.

[14] كاترينا، وكلارو (2009)، مرجع سابق.

[15] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (2016)، مرجع سابق.

[16] المفوضية الأوروبية (2005). التقدم نحو أهداف لشبونة في مجال التعليم والتكوين (بروكسل).

[17] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة عام 2009: ما يعرفه الطلبة وما يمكنهم القيام به.

[18] معهد مونتين (2001). نحو المؤسسات التعليمية المستقلة.

[19] فرانشيسكا فروي، وسيلفان غيغوير، وميشيلا ميغناجي،. (2012) الكفايات اللازمة للقدرة على المنافسة : تقرير موجز (منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي).

[20] أندرياس شلايشر (2018). على المستوى العالمي. كيفية بناء نظام مدرسي في القرن الـ 21.

[21] مرجع سابق.

[22] المجلس الأوروبي (2010). بيان بروغس حول تعزيز التعاون الأوروبي في مجال التعليم والتكوين المهنيين.

[23] جمعية المدارس الحرة والفعالة والحية والمتضامنة، جمعية غير ربحية.

[24] جمعية ELEVES asbl، بيان صحفي بتاريخ 30 آب/أغسطس عام 2016.

[25] معتمد من قبل الجهاز التنفيذي ليسار الوسط، التي يتولى السلطة حاليا في اتحاد والونيا-بروكسيل.

[26] حزب التحالف الفلمنكي الجديد، وهو حزب يميني متطرف نشأ بعد انهيار حزب فولكسوني [الاتحاد الشعبي] وتنامى حجمه باستمالة القاعدة الانتخابية للحزب الفاشي، حزب فلامز بيلانغ [حزب المصلحة الفلامنكية].

[27] دار النشر أوديل جاكوب، 2017.

[28] مجلة لو نوفيل أوبسرفاتور، 23/08/2017.

[29] تحالف التعليم، 19/01/2018.

[30] مجلة لاتريبون، 22/12/2017.

[31] بيان صحفي من جان ميشيل بلانكر، 9/11/2017.

[32]. قناة بي أف أم 25/05/2018.


نيكو هيرت: حاصل على تكوين في الفيزياء، وكان أستاذ الرياضيات والفيزياء. في عام 1995، كان من مؤسسي جمعية نداء من أجل مدرسة ديمقراطية (أبيد)، وكان أيضًا رئيس تحرير المجلة الفصلية المدرسة الديمقراطية L École democratique. ويشتغل حاليا مسؤولا عن الدراسات في جمعية أبيد. ألف مقالات وكتبا عديدة حول المدرسة.

المصدر: http://www.skolo.org/2018/08/04/la-bourgeoisie-et-lecole-ou-lart-des-injonctions-contradictoires/