بابوشكين؛ لمحة حياتية بعد وفاته بقلم، لينين

المناضل-ة
2020 / 6 / 2

نعيش في ظروف مقيتة جدا جعلت الأمرَ التالي ممكنا: مناضل هام، مفخرة الحزب، رفيق كرّس كاملَ حياته للقضية العمالية، يغيب بلا أثر. وظلت زوجته، وأمه، وأقرب رفاقه، طوال سنوات دون معرفة ما قد يكون حصل له: هل يؤول تدريجيا إلى هلاك في سجن ما، هل قضى نحبه في حبس ما، هل مات بطلا محاربا العدو؟ هكذا كان مصير إيڤان ڤاسيليڤيتش الذي أعدمه رنينكامپف. مؤخرا فقط بلغنا كيف مات.
اسم إيڤان ڤاسيليڤيتش معروف لدى العديد من الاشتراكيين الديمقراطيين ومحبوب لديهم. كل الذين كانوا يعرفونه يكنون له محبة وتقديرا لما كان يبرهن عليه من طاقة، ولكونه يأنف من التشدق الكلامي، ولروحه الثورية المتماسكة، ولإخلاصه المحتدم لقضيتنا. وقام وهو عامل في بطرسبورغ، في العام 1895 مع بعض الرفاق المتقدمين، بعمل ممتاز تجاوز حي نيڤسكايا زاستاڤا، في صفوف عمال مصانع سميانيكوڤ وألكسندروفسكي وستيكلياني؛ وشكل حلقات، ونظم مكتبات، مع تثقيف نفسه بمواظبة وشغف.
كانت كل أفكاره تصب في هدف واحد: كيف يوسع نطاق عمله. شارك بنشاط في صياغة أول منشور تحريض موزع في سان بطرسبورغ وموجه لعمال مصنع سيميانيكوڤ، واضطلع وحده بتوزيعه. وعندما تشكل في بطرسبورغ "اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة"، أصبح إيڤان ڤاسيليڤيتش أحد أشد أعضائه نشاطا، ولم يكف عن النضال فيه حتى لحظة اعتقاله. وناقش مع رفاق عمله في بطرسبورغ- مؤسسي إيسكرا [1]- فكرة خلق جريدة سياسية بالخارج لخدمة قضية توحيد الحزب الاشتراكي الديمقراطي وتوطيده، وحظيت لديه بأحر استقبال. وطالما بقي إيڤان ڤاسيليڤيتش حرا، لم تعوز جريدة إيسكرا مراسلاتٌ عمالية تخصيصا. انظروا إلى أعداد إيسكرا العشرين الأولى، تجدون كل تلك الرسائل من شويا، وايڤانوڤو-ڤوزنسينك، وأوريخوڤو-زويڤو، وغيرها من مواقع وسط روسيا: كلها تقريبا مرت بين يدي إيڤان ڤاسيليڤيتش الذي كان يجهد لربط أوثق صلة ممكنة بين جريدة إيسكرا والعمال. وكان هو ذاته المراسل الأشد حماسا وأنشط مدافع عنها. غادر بابوشكين منطقة الوسط متجها إلى الجنوب، إلى إكاتيرنوسلاڤ حيث جرى اعتقاله؛ وسجنه في حبس ألكساندروڤسك.
أفلح في الهرب منه صحبة بعض الرفاق بعد قطع قضبان نافذته. ونجح، دون دراية بأي لغة أجنبية، في بلوغ لندن، حيث كانت تقيم آنذاك هيئة تحرير إيسكرا. هناك جرى الكثير من المحادثات ونقاش مشترك للعديد من المشاكل. لكن بابوشكين لم يحضر مؤتمر الحزب الثاني... حيث أبعده السجن والمنفى مدة طويلة. وجاءت موجة الثورة الصاعدة دافعةً إلى الصف الأول عناصر جديدة ومناضلين جدد، بينما فُرض على بابوشكين الخمول في الشمال الكبير، في ڤيرخويانسك، مقطوعا كليا عن حياة الحزب. بيد أنه لم يكن يضيع وقته، إذ كان يثقف نفسه، ويستعد للنضال، ويُعلِّـم عمالا آخرين، رفاق المنفى، مُجِدّاً لجعلهم اشتراكيين ديمقراطيين وبلاشفة واعين. ثم حل عفو العام 1905، وأراد بابوشكين العودة إلى روسيا. لكن الغليان امتد إلى منطقة سيبيريا؛ وكانت ثمة حاجة إلى أناس من قبيل بابوشكين. فالتحق بلجنة إيركوتسك وبدأ عملا ضاريا. وجب عليه تناول الكلمة في الاجتماعات، ومواصلة الدعاوة الاشتراكية الديمقراطية وتحضير الانتفاضة. وذات يوم، وبابوشكين يقود، رفقة خمسة رفاق لم تبلغنا قط أسماؤهم، عربة قطار خاصة بها كمية هامة من السلاح نحو تشيتا، اعترضت الركبَ حملةٌ قمعية بقيادة رنينكامپف، وجرى إعدام الستة فورا دون محاكمة قرب قبر جماعي حُفر بسرعة. لقد ماتوا أبطالا، كما روى الجنود شهود الإعدام وعمال القطار. سقط بابوشكين بضربات قاتل مأجور في خدمة القيصر، لكنه يعلم وهو يموت أن العمل الذي كرس له حياته لن يموت، وأنه سيستمر من خلال عشرات ومئات آلاف وملايين الأيدي الأخرى، وأن رفاقا عمالا آخرين سيموتون من أجله وسيخوضون المعركة حتى النصر الكامل.
*****
اختلق البعض وروج خرافة مفادها أن حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي حزب "مثقفين"، وأن العمال مقطوعون عنه، وأن عمال روسيا اشتراكيون ديمقراطيون بدون حركة اشتراكية ديمقراطية، وأن هذا ما جرى قبل الثورة، وحتى بمقدار كبير بعدها. يروج الليبراليون هذه الشائعة الكاذبة حقدا على نضال الجماهير الثوري الذي اضطلع حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي بقيادته في العام 1905؛ ويردد بعض الاشتراكيين أيضا هذه النظرية الخداعة، إما بسبب تفكير ناقص، أو استخفاف. إن سيرة ايفان فاسيليفيتش بابوشكين، وعشرُ سنوات من النضال الاشتراكي الديمقراطي الذي أنجزه هذا العامل الايسكري، تدحض، بأوضح كيفية، كذب الليبراليين. إن بابوشكين من أولئك العمال الطليعيين الذين نهضوا، قبل الثورة بعشر سنوات، ببناء حزب اشتراكي ديمقراطي عمالي. ولولا العمل البطولي والمستمر المنجز داخل الجماهير البروليتارية من قبل هكذا مناضلين طليعيين، لما تمكن حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي من العيش عشر سنوات ولا حتى عشرة أشهر. إنه فقط بفضل النشاط مناضلين من هذا الطراز، وفقط بفضل دعمهم، تمكن حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي من التحول في العام 1905 إلى حزب مندمج بلا انفكاك في البروليتاريا، خلال أيام أكتوبر وديسمبر التي لا تُنسى، وعرف كيف يحافظ على هذه الصلة بفضل العمال الذين انتدبهم نوابا عنه ليس فقط إلى مجلس الدوما الثاني[2]، بل حتى الثالث، أي دوما المئات السود[3].
يتمنى الليبراليون (الكاديت)[4] أن يجعلوا رئيس الدوما الأولى، س. مورومتسيڤ، المتوفى حديثا، بطلا قوميا. يجب علينا، نحن الاشتراكيين الديمقراطيين، ألا نفوت فرصة التعبير عن احتقارنا وحقدنا إزاء حكومة القيصر التي اضطهدت موظفين بلغوا من الاعتدال والمسالمة ما بلغ مورومتسيڤ. لم يكن هذا الأخير غير موظف ليبرالي، لم يكن حتى ديمقراطيا. كان يخشى نضال الجماهير الثوري. يجب بنظره أن تَنتُج حرية روسيا ليس عن هكذا نضال، بل عن حسن إرادة الاتوقراطية القيصرية، أي عبر اتفاق مع عدو الشعب الروسي الغاشم وعديم الشفقة هذا. إنها لسخافة اعتبار هكذا رجل بطلا شعبيا للثورة الروسية.
مع ذلك الأبطال الشعبيون موجودون. إنهم أناس من أمثال بابوشكين. إنهم أناس لم يكرسوا جهودهم لتحرير الطبقة العاملة قبل الثورة بسنة أو سنتين، بل قبل عشر سنوات. إنهم أناس لم يحطوا من قدر أنفسهم بلا جدوى، في أعمال إرهاب فردية، لكنهم قاموا، بلا هوادة، بعمل متصل بين الجماهير، جاهدين لتطوير وعيها، ومنظماتها، ومبادرتها الثورية. إنهم أناس تقدموا نضال الجماهير المسلح ضد الاتوقراطية القيصرية، في لحظة الأزمة الحاسمة، لحظة الثورة، لحظة تحرك ملايين وملايين البشر. كل ما تم انتزاعه من الاتوقراطية القيصرية كان حصرا نتيجة نضال الجماهير التي كان يقودها أناس من قبيل بابوشكين.
بدون هؤلاء يبقي الشعب الروسي شعب عبيد، شعب أقنان، إلى الأبد. إنه بأناس من قبيل هؤلاء سيعرف الشعب الروسي كيف يتحرر كليا من كل استغلال.
ها قد انصرمت خمس سنوات منذ انتفاضة 1905. فلنحي هذه الذكرى بتذكر أولئك العمال الطليعيين الذين سقطوا مكافحين العدو. سنكون ممتنين للرفاق العمال إن جمعوا ذكريات تتعلق بنضال تلك الحقبة وأرسلوها إلينا، وكذا معلومات تكميلية حول بابوشكين وغيره من العمال الاشتراكيين الديمقراطيين الذين سقطوا خلال انتفاضة العام 1905.
ننتوي نشر كراسة تستعرض حياة هؤلاء العمال. ستكون هكذا كراسة أفضل رد على كل الذين ينقصهم الإيمان بحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، او الذين يسعون إلى الحط من قدره. وستشكل هكذا كراسة مقروءا مفضلا للعمال الشباب حيث سيتعلمون كيف يجب أن يعيش كل عامل واع وكيف يجب أن يتصرف.
روبوتشايا غازيتا -- العدد 2 --- 18 (31) ديسمبر 1910
==========
[1]- إيسكرا : أول جريدة ماركسية سرية لعامة روسيا ، اسسها لينين في العام 1900. دورها حاسم في تأسيس حزب عمال ماركسي ثوري في روسيا.
[2]- الدوما: مؤسسة تمثيلية اضطرت القيصرية إلى عقدها بضغط من الأحداث الثورية لعام 1905
[3]- المآت السود: اليمينيون المتطرفون، الأشد إغراقا في الرجعية، وكذلك عصابات السفاكين التي شكلها البوليس القيصري من العناصر الإجرامية لمحاربة الحركة الثورية.
[4]- الكاديت: الحزب الدستوري الديمقراطي، الحزب الرئيسي للبرجوازية الملكية الليبرالية في روسيا. تأسس عام 1905