الدين فى بريطانيا القرن الثامن عشر

طلعت رضوان
2020 / 6 / 1

لفت نظرى أنّ المؤرّخ والفيلسوف الأمريكى وليام جيمس ديورانت، الشهيرباسمه المختصر(ول ديورانت- 1885- 1981) بالرغم من ديانته المسيحية، فإنه كان على درجة عالية من الأمانة العلمية..وهوينقل للقارىء موقف المجتمع البريطانى من الدين، فى القرن الثامن عشر..وهوالقرن الذى شهد انهيارالنظام الإقطاعى..وتلازم معه الانهيارالوشيك للدين المسيحى، الذى أضفى على الإقطاع سنده الروحى والاجتماعى، حيث ((كانت الدولة والدين مرتبطيْن برباط التعاون المتبادل، فتساقطا معــًـا))
ونقل عن الفيلسوف الفرنسى (مونتسكيو) أنه عندما زاربريطانيا قال ((ليس فيها دين..وأنّ الكلام عن الدين يــُـثيرالضحك)) أما اللورد (هرفى) فقال إنّ ((خرافة المسيحية قد نــُـسفتْ الآن فى عام1718حتى يكاد أى رجل عصرى يخجل من الاعتراف بمسيحيته)) ونقل ديورانت عن كثيرين أنّ الدين كان يعنى: النعاس أثناء صلاة القداس، أوحماسة المذاهب المنشقة..وقد فسـّـرد. جونسن تلك الحماسة بأنها إيمان ((مغروربإلهام خاص، أى إله فى باطن الإنسان)) بعد أنْ فقدتْ الكنيسة كرامتها ونفوذها..وخضعتْ للدولة..وأصبح قساوستها أتباعـًـا أذلاء للحكام..وكان الملك يتثاءب فى المصلى الملكى أثناء عظة القسيس..ويــُـثرثربالألمانية بصوت مرتفع، فصرخ القسيس لأنّ حامى الإيمان..وموزع الأسقفيات لايريد الإصغاء إليه.
وكان من سمات العصرأنّ الكنيسة أصبحتْ متسامحة مع عقائد الجميع، بالرغم من اختلاف طقوسهم..ووصل الأمرلدرجة أنّ القساوسة الإنجيليين سمحوا برفض تعاليم (كلفن) المتشـدّدة والمتعصبة..وسمحتْ الكنيسة باعتناق تعاليم المهرطق الهولندى (أرمنيوس) القائل ((بحرية الإرادة)) وأنّ التسامح زاد مع قلة الإيمان..وقال الفيلسوف (هيوم) أنّ بريطانيا استكانتْ إلى حالة من عدم الاكتراث الهادىء بأمورالدين.
وذكرديورانت أنّ الخروج على الدين..كان من بين أسبابه التعصب الذى ساد مئات السنين..ومن أمثلة ذلك: كان الإنجليزملزمين بالعبادة الإنجليكانية (حسب نص القانون) وكل متخلف عن صلوات يوم الأحد عرضة لتغريمه (شلنــًـا) عن كل تهرب من الصلاة..وكل من يسمح باستضافة المتهرب يعاقب بغرامة عشرين حنيهــًـا عن كل شهر..كما أنّ العبادة الكاثوليكية ((كانت مُـحرّمة)) والقس الكاثوليكى الذى يؤدى وظيفتته الكهنوتية ((عقابه الحبس المؤبد)) وذات العقوبة لكل من يفتح مدرسة لتدريس المذهب الكاثوليكى..وتحريم إرسال الأبناء للخارج لدراسة الكاثوليكية..ومن يخالف هذه القوانين يتعرّض للغرامة..ويــُـحرم من ممارسة مهنة المحاماه..ومن إقامة أى دعوى أمام القضاء..ويجوزنفى أى كاثوليكى خارج بريطانيا فى أى وقت..والحكم عليه بالإعدام لوعاد بدون التصريح له بالعودة..وتحت سياط هذا التعصب الدينى والمذهبى، أطلق المنشقون على الكنيسه على يوم الأحد (الأحد العبوس) خاصة بعد تحريم الغناء المصاحب للطقوس الدينية داخل الكنيسة..وبالرغم من الصراع المذهبى ليس داخل الدين المسيحي (فقط) وإنما مع الشــُـعب الثلاث للديانة العبرية..وتلك المفارقة رصدها الفيلسوف فولتيرالذى كتب: عندما أنظرإلى بورصة الأوراق المالية بلندن، أجد اليهودى والمسيحى والمسلم وهم يتعاملون مع البورصة..((وكأنهم من دين واحد..ولاينعتون بالكفرغيرالمفلسين))
وكتب ديورانت: تضافرتْ عوامل كثيرة على تقويض صرح العقيدة المسيحية فى بريطانيا..ومن هذه العوامل: ارتباط الكنيسة بصعود الأحزاب السياسية وسقوطها، ازدياد الثروة..ومطالب اللذة لدى طبقات المجتمع العليا..ودولية الأفكاربفضل التجارة والسفر..والإلمام المتزايد بالأديان وثقافات الشعوب المختلفة..وبعضها يتبعون بوذا أو كونفوشيوس..إلخ، أى غيرالمؤمنين بالديانة العبرية بشعبها الثلاث..ومن أهم العوامل أيضــًـا تطورالعلوم الطبيعية (فيزيا، كيميا..إلخ) والثورة التى أحدثتها هذه العلوم..وكان من نتائجها أنها هزمتْ الكثيرمن الثوابت، التى دامت آلاف السنين مثل: كيف نشأ الكون..ومعرفة كواكب المجموعة الشمسية (بفضل علم الفلك) ومعرفة البدايات الأولى للكائنات الحية، التى تطوّرتْ من الخلية الواحدة إلى الإنسان، مرورًا بما سبقها من زواحف وحيوانات وطيورإلخ..ومن بين العوامل- كذلك- التى ساعدتْ فى تقويض صرح العقيدة المسيحية: انتشارالدراسات التاريخية والنقدية للكتاب المقدس..وترجمة كتب غاية فى الأهمية مثل كتاب الفيلسوف سبينوزا (الرسالة اللاهوتية) وتزامن ذلك مع توقف الدولة عن الرقابة على المطبوعات..وتزايد الاعتراف بمكانة العقل وقدراته الصاعدة..والإبداعات الفلسفية الجديدة، مثل أعمال: بيكون، هوبز، ولوك..إلخ لتفسير العالم والإنسان تفسيرات طبيعية..واختزال المسيحية فى الإيمان بالله..وفكرة الخلود.
وفى نفس الوقت تزايدتْ حركة التشكيك فى (مطلق الإيمان) وشارك فى هذه الحملة العالم الذى خلف نيوتن (وليم هويست) أستاذ الرياضيات بجامعة كمبردج..والذى طــُـرد من منصبه، بعد أنْ أعرب عن ((شكوكه فى الثالوث المسيحى)) وكان ذلك فى عام1710..كما أنه دافع عن كتاب (إحياء المسيحية البدائية) الذى كتبه (أريوسيته) الذى أجهد نفسه ليــُـثبت أنّ تنبؤات العهد القديم لاتشيرإلى المسيح..ولما كفّ المدافعون عن المسيحية عن اتخاذ الحجج من التنبؤات..وبنوا ألوهية المسيح على المعجزات المروية فى العهد الجديد..وجاء بعده (تومس وولستن) الذى أطلق ثورته التى خلتْ من الاحترام والتوقيرللمسيحية..وقال عنه فولتير((لم يهاجم المسيحية (قط) مسيحى بمثل هذه الجرأة، خاصة أنّ ولتسن زعم أنّ بعض المعجزات غيرقابلة للتصديق..وبعضها غيرمعقول..وقال وولستن أنّ قصة قيامة المسيح بدعة مفتعلة، خدع بها الرسل سامعيهم..وحكمتْ عليه المحكمة بدفع غرامة قدرها100جنيه استرلينى..ولما عجزعن دفع المبلغ أدخلوه السجن..وقـدّم فولتيرثلث المبلغ..وجمع الباقى من أصدقائه، فأفرج عن وولستن.
أما (ماثيوتندال) الأستاذ بجامعة أكسفورد، فقد نشر(وهوفى الثالثة والسبعين من عمره) أول مجلد من كتابه (المسيحية قديمة قدم الخليقة) وقد وصله150رسالة اختلف فيها كاتبوها معه. إنّ تندال طوّف- فى غيرترفق- بكل أوهام اللاهوت..وتساءل لمَ أعطى الله ((وحيه لشعب صغيرواحد هم اليهود..وجعله حكرًا عليهم أربعة آلاف سنة، ثـمّ أرسل إليهم ابنه (يقصد المسيح) بوحى آخرمازال بعد ألف وسبعمائة سنة مقتصرًا على أقلية من الجنس البشرى، فأى نوع من الآلهة يمكن أنْ يكون هذا الإله، الذى استعمل هذه الطرق السقيمة؟ وأى إله رهيب هذا الذى عاقب أدم وحواء على طلب المعرفة؟ ثـمّ عاقب كل ذريتهما..ويــُـقال لنا إنّ السخافات التى يتضمـّـنها الكتاب المقدس، سببها أنّ كلام الله مقدس، فياله من هراء..ولمَ لم يــُـحدثهم بلغة بسيطة ومفهومة؟ ولمَ استخدم الكهنة وسطاء، بدلامن أنْ يتحدث إليهم مباشرة؟ ولمَ سمح بأنْ يــُـصبح دينه الموحى لشعب بعينه أداة اضطهاد..وإرهاب وحرب لايخرج منها البشر بعد قرون (من هذا التدبيرالإلهى) أكثرفضيلة عن ذى قبل؟ وإنما جعلهم أشد ضراوة وقسوة، مما كانوا فى ظل العبادات الموسومة بأنها (وثنية) وهومصطلح (غيرعلمى)
وتساءل: أليس فى كونفشيوس فضيلة أرفع مما فى مسيحية هذا القرن؟ إنّ الوحى الحقيقى موجود فى الطبيعة..وفى عقل الإنسان الممنوح (من الله) والإله الحقيقى هو الإله الذى كشف عنه نيوتن، المهندس لعالم عجيب يعمل بعظمة..وجلال وفق قانون ثابت. إنّ الفضيلة الحقة هى حياة العقل فى انسجام مع الطبيعة..وتلك هى المسيحية الحقة، القديمة قدم الخليقة.
ولكن (كونيرز مدلتن) هاجم تندال بشدة، فأرسل (مدلتن) رسائل من روما..وهذه الرسائل أبهجتْ زملاءه القساوسة فى بريطانيا لأنه أوضح فيها ((بتفصيل ينم عن دراية برواسب الطقوس (الوثنية) التى انتقلتْ إلى الطقوس الكاثوليكية مثل الماء المقدس، البخوروالمعجزات..وآثارالقديسين..والقرابين والأنوارالقائمة أمام المزارت المقدسة..ووظيفة (كبيرالأحبار) الذى أصبح كبيرأحبار روما..وهذه الرسائل أسعدتْ بريطانيا..ولكنها سرعان ما اكتشفتْ أنّ ولع (مدلتن) بالتاريخ الذى يــُـكدرصفو اللاهوت البروتستنى، كالكاثوليكى سواء بسواء..ولما دافع دانيال ووترلاند عن حرفية الكتاب المقدس..ووحيه ردًا على تندال، فردّ مدلتن بإنذارقال فيه: إنّ اللاهوتيين البروتستنت بتشبثهم بكل أساطيرالكتاب المقدس باعتبارها تاريخــًـا فعليــًـا، ليس إلاّ عملا انتحاريــًـا، لأنّ تقدم المعرفة سوف ينبذ- إنْ عاجلا أوآجلا مثل هذه الخرافات، ويــُـكره المدافعين المسيحيين على التقهقرفى خجل، إلى موقف أكثرتواضعــًـا.
كما أصدر(مدلتن) أهم أعماله (تحقيق حر فى القوى الإعجازية المزعومة) التى وُجدتْ فى الكنيسة خلال العصورالمتعاقبة..وهذا الكتاب عـدّه الفيلسوف (ديفيد هيوم) من الكتب المهمة..وأشارإلى أنّ المعجزات المنسوبة إلى آباء الكنيسة وقديسيها غير جديرة بالتصديق..ومجرّد سردها يكفى للكشف عن سخفها..والمذهل أنّ بعض آباء الكنيسة قد ردّدوها على مستمعيهم..وهم يعلمون زيفها..ونقل مدلتن عن المؤرخ الكنسى (موزهايم) أنّ الذين يبحثون بعناية كتابات اللاهوتيين فى القرن الرابع، سيجدونهم (كلهم) وبلا استثناء يميلون إلى ((الخداع والكذب كلما اقتضتْ ذلك مصلحة الدين))
أما المفكر(بولنبروك) الذى أصدرفى عام1736كتابه (رسائل فى الروح الوطنية) ولكنه رفض نشركتب أخرى فى حياته، خاصة التى أظهرفيها ازدراءه بمعظم الفلاسفة السابقين عليه، ياستثناء بيكون ولوك..ووصف أفلاطون بأنه ((الكاذب اللاهوتى)) والقديس بطرس ((الحالم المتعصب)) وسخرمن العهد القديم لأنه ((خليط من الهراء والأكاذيب)) وأعلن أنّ المعرفة ((نسبية وغيريقينية)) وقال ((ينبغى دائمـًـا أنْ نكون غيرمؤمنين بالمطلق، سواء فى الدين أوفى السياسة أوالفلسفة..وأنْ نتشكك فى كل شيىء تقرّرعلينا)) وعندما اقترب من الموت رفض أنْ يقترب منه أى قسيس.
والفيلسوف (جورج باركلى) هوالآخرأعلن رفضه للدين باعتباره ((خداعـًـا يستخدمه الكــُـهان والحكام لتضليل الناس)) وفى المقابل- كما ذكرديورانت بموضوعية المؤرخ المحايد- كان على الضفة الأخرى من حوارالجدل، من دافعوا عن المسيحية، مثل (جوزيف بتلر) الذى كرّس حياته للدفاع عن الإيمان المسيحى..ونشركتابـًـا ((ظلّ طوال قرن أهم حصن لحجج المسيحية ضد الإلحاد)) ولكنه- يا للغرابة- رفض الإله الذى ((صوّره الكتاب المقدس، لأنه إله ظالم..ولايتفق أبدًا مع المفهوم السامى للإله..وأنّ من علامات الظلم والقسوة (فى الطبيعة) ما لايقل عن ظلم (يهوه) كما صوّره العهد القديم..وأنّ إله الوحى لايختلف عن إله الطبيعة فى القسوة))
ونظرّا لأنّ بتلرمحسوب على الكنيسة، التى وجدتْ أنّ كتابه ((ترك منافذ كثيرة للكفرفرأى كثيرون من المتدينين الكف عن هذا الجدل..ولذلك أصدر(هنرى دودويل) كتابه (المسيحية دون الجدل) الذى أعلن فيه رفضه ((للجدل العقلى فى المسائل الروحية)) وكان من رأيه أنّ دفاع بتلروغيره عن المسيحية قد ((هزّالإيمان أكثرمن تقويته)) وركــّـزعلى أنّ المسيح لم يجادل خصومه.
وذكرالفيلسوف (ديفيد هيوم-1711- 1776) أنه فى شبابه عانى من صراع نفسى لأنّ عقله لاتــُـدعمه الفلسفة..ولكن ((سرعان ما تبخرإيمانى الدينى)) وذكرديورانت أنّ هيوم لم يشعربأى إيمان دينى منذ قرأ فلسفة لوك وكلارك..ولما بلغ السابعة عشركان قد خطــّـط لرسالته فى الفلسفة..وفى كتابات هيوم أنه لايمكن الاعتماد على الميتافيزيقا، حول الواقع المادى..وأنّ إحساسنا الأخلاقى ليس مبعثه السماء..وإنما التعاطف الإنسانى ..وشعورالزمالة مع كل البشر..وبالتالى رفض المعجزات..وأشارإلى مقولة أبيقور: إنّ الآلهة موجودة ولكنها لاتعبأ بالبشر..وأنّ إله كلفن ((شيطان قاسى خبيث)) وأنّ الدين يكون يكون أكثرتعصبـًـا إذا كان (توحيديــًـا) وأكثرسماحة فى حالة ((تعدد الآلهة)) كما كان الأمرفى العقائد التوحيدية ((اليهودية/ المسيحية/ الإسلام)) (قصة الحضارة- من ص167- 219)
أود التأكيد على أننى أردتُ بهذا المقال أمريْن الأول: حيادية ديورانت وأمانته- بالرغم من ديانته المسيحية- وهوينقل للقارىء الجدل الذى دارحلول الدين فى القرن الثامن عشر. الأمرالثانى مُـترتب على الأول..وهوذلك المناخ الفكرى الذى سمح بهذا الجدل، حول مسائل (شائكة) خاصة عندما تمس معتقدات غالبية المواطنين.
***