ماذا يعني أن تكون عاديا ؟

حنان بديع
2020 / 6 / 1

غالبا ما نصف الأشياء أو الأشخاص بأنهم عاديون ونقصد بذلك تجريدهم من صفات التميز أو الشذوذ أو التطرف أو الاختلاف عن غيرهم ، لكن الحقيقة أن تكون عاديا يعني أن تكون تقليديا للغاية ..
أن تكون عاديا يعني أن تكون بلا قناعات راسخة أو فلسفة حياة ، أن تكون عاديا يعني أن تفتقر الى التمرد والخيال أو الفضول، يعني أن تكون غير مكترث ليس إلا .
لا اهتمام أو وقت أو قدرة لديك على التفكير والتأمل ، وبالتالي عدم لا قدرة متوقعة على تقييم الأفعال والمواقف ..
تؤكد (إن أرندت) الفيلسوفة التي تولت مهمة تغطية محاكمات جرائم الهولوكوست بعد أن قابلت مجرما كانت تعتقد أنه لابد أن يكون شريرا ومعتلا ليستطيع أن يرتكب أبشع الجرائم ، فوجدته شخصا عاديا ، أن المجرمون الذين يرتكبون المجازر هم في الأغلب يرتكبون الشرور لانعدام اكتراثهم وغياب الفكر عن عقلهم ، أي أنهم أشخاص عاديون وتقليديون تماما ، وأضافت عبارة واصفة المجرم بأنه (يفتقد القدرة على التوقف والتفكير )!
إذا كان هذا صحيحا فهل هناك ما هو أبشع من أن تكون شخصا غير قادر على التفكير والتأمل أو التحليق بالخيال سعيا وراء فكرة ما أو ابتكار أو حلم ما أو محاولة التمرد على واقع وضعتك فيه أقدارك في أسوأ الأحوال.
في فيلم أجنبي يصور قصة واقعية لسفاح أطفال علق في ذاكرتي المشهد الأخير الذي سألت فيه أم أحد الأطفال الضحايا الذين قتلهم في المحكمة بعد صدور الحكم (لماذا؟)
فأجابها بابتسامة استخفاف وعدم اكتراث وكأنه لم يفكر للحظة بهذه اللماذا ؟
قائلا (فقط هكذا فعلت )
ألا يبدو من خلال هذه الإجابة شخصا لا يفكر أو يتوقف لحظة للتفكير
ألا يبدو شخصا عاديا حتى التفاهة ؟
ألا يبدو إنسانا خطرا ذاك الذي يخلو من أي فكرة أو أيدولوجية معينة ؟
في لحظة تأمل يبدو لي أن الأشخاص الأشرار هم غير القادرين على التفكير السليم ، يعني في للحظة التي يجتمع فيها الغباء مع عدم الاكتراث ينتج شخصا شريرا بامتياز .
في وقت نعاني فيه من كثرة التفكير أو التفكير الزائد يبدو القلق والتوتر نعمة لا تقدر بثمن ، فأن تكون شخصا لديه فكر يتأجج باستمرار وبالتالي إرادة وأخيرا موقف يتفرد به ويتحمل مسؤوليته ، يعني أنك تواجه نفسك بأخطائك وتحاسبها ، تجتر ذكرياتك وتوثقها لتخرج منها بعبرة وحكمة ما .
أن تفكر كثيرا يعني أنك أبعد ما تكون لأن تصبح عاديا ولست مرشحا على الاطلاق لتكون مشروع مجرم ، إن غياب التفكير يعني غياب الضمير فهما توأمان لا ينفصلان .
ففي غياب الفكرة أو العقيدة أو الفلسفة تغيب البوصلة ولا يمكن التبوء بما سيكون عليه حالنا كأشخاص عاديون لا يمارسون رياضة التفكير على الاطلاق .
تقول المفكرة والفيلسوفة حنه آرنت (أغلب الشر في العالم ليس نتيجة النوايا الخبيثة بقدر ما هو نتيجة انعدام التفكير) ! فهل هي محقة؟
على أية حال يبدو أن وليم شكسبير أيضا يتفق معها حين قال (أن التفكير هو ما يضفي على الأشياء صفة الخير أو الشر).
.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير