هل نحن في حاجة إلى البطل الفرد؟ بقلم، شيماء النجار (كاتبة بجريدة المناضل-ة الموقوفة)

المناضل-ة
2020 / 5 / 31

"لاَ تُصَالِحْ
فَليْسَ سِوَى أَنْ تُريدَ
أَنْتَ فَارِسُ هَذَا الزَّمَانْ
الْوَحِيد
وَسوَاكَ الْمُسُوخْ"
أمل دنقل، قصيدة "لاَ تُصَالِحْ".
====
في منعطفات التاريخ الكبرى حيث تتواتر الهزات السياسية والخضات الاجتماعية، تشخص أعين الطبقات إلى "منقذ" يُخلصها من التوتر الاجتماعي والتشنج السياسي لوضع لم يعد يُطاق.
تجد البرجوازية عادة منقذها في الديكتاتور، سواء كان هتلر أو فرانكو أو بينوتشي أو صدام أو الأسد... وتبحث الجماهير بدورها عن منقذ، في حالة وحيدة: تضعضع سلاحها السياسي والتنظيمي، فيظهر زعماء شعبويون يلعبون على وتر الحاجة الجماهيرية وينتهون بديكتاتورية على هذه الجماهير ولمصلحتها بمبرر أنها " لم تتأهل بعد لحكم نفسها بنفسها".
نحن على أبواب أحد منعطفات التاريخ الكبرى، إن لم نكن في خضم منعطف بدأ منذ 2011، وأوقفته مؤقتا الثورة المضادة، واستأنفت الشعوب نهضتها طيلة 2018 و2019، وجاءت الجائحة، لتوقفها بدورها، ولكن إلى حين.
يُحاكم الانطباعيون- ات ميزان القوى الاجتماعي، بناء على الاهتزازات التي يسببها القاع الاجتماعي على سطح الحياة السياسية. ولأن الجماهير مكبوتٌ استياءُها، يتبدى استقرارُ السطحِ وانعدامُ الاهتزازات، سلبيةً أبدية لا يمكن للجماهير معها أن تُحرر نفسها بنفسها.
يتغافل هؤلاء عن عوامل عديدة تجعل الجماهير تكتم استياءها؛ وعلى رأسها ثقل الاستبداد السياسي وهيمنة أحزاب برجوازية على أدوات نضال الجماهير، والأكثر مقاما: انعدام بدائل ذات مصداقية.
لكن استقرار السطح لا يعني ركود القاع. إن الجماهير تهب، كلما سنحت لها الفرصة، للتعبير عن غضبها ومطالبها، ومنذ 2011، لم تَخْلُ سنة واحدة من احتجاجات: طنجة ضد أمانديس، الأساتذة المتدربون، حراكي الريف وجرادة وموجة التضامن معهما، احتجاجات التلاميذ، المقاطعة، المفروض عليهن- هم التعاقد، أناشيد الالتراس... إنه رصيد نضالي هائل، وستستخلص منه طلائع النضال العمالي والشعبي درسا تاريخيا قيما: لسنا في حاجة إلى بطل فرد ينقذنا من بؤسنا، فقط طاقتنا الكفاحية الجمعية والواعية والمنظمة هي الكفيلة بتغيير المجتمع من أساسه، وليس استبدال الرؤوس المتوجة بأخرى.
لكن ما لا يجري الانتباه إليه، ويُنظر إليه كنقيصة وخطيئة أصلية للجماهير، هو أن "البحث عن منقذ" إشارةٌ إلى تململ وعي الجماهير، قبل الانتصاب على قدميها الرهيبتين. إن البحث عن منقذ دليل على أن الوضع لم يعد يُطاق، وأن الجماهير تبحث عن مخرج من هذا الوضع، وهذا هو الأساس النفسي والاجتماعي الأولي لاندلاع تمردات جماهيرية.
تبحث الجماهير عمن يتحدث باسمها ويمثلها وينقل مطالبها بأمانة، وإن لم يتقدم تخترعه هذه الجماهير اختراعا، وكم من بطل صُدَفي وجد نفسه على رأس ثورة دون أن يُخطط لذلك.
إن الجماهير غير الواعية بعد لقوتها الكفاحية الكامنة، وغير الواثقة من قدرتها على النصر، تبحث عن أشخاص يمتلكون ما تفتقده هي في تلك اللحظة: الإقدام، حس المبادرة، حد مقبول من الخطابة وکارزيما، وهي أمور لاحظناها في حراك الريف.
يقف الانطباعي- ة في سطح الحياة السياسية، بينما يحدد الثوري- ة الأرضية الطبقية لكل مظاهرها. إن البحث عن بطل منقذ فرد، تعبيرٌ على المستوى الأولي لوعي الجماهير وتنظيماتها، لكنه يعني أيضا بداية استيقاظ الجماهير وطرح النزعة المحافظة عنها ورفض الوضع القائم والبحث عن بديل.
لس فقط الانطباعيون- ات من يخطئ تفسير ذهنية الجماهير واستعداداتها النفسية. الثوريون- أيضا، فقد تجري محاكمة الاستعداد الجماهيري بناء على تقييمات سابقة تستحضر هزائم الماضي وانحطاط المعنويات الناتج عنها عوض ملاحظة التبدلات الفجائية التي تسببها الهزات الكبرى على نفسية الجماهير، ويكون هذا الاحتمال أكبر في حالة العزلة عن الجماهير، وانقطاع سبل معرفة في ما تفكر فيه.
ليس مفارقةً تاريخية أن تبدأ الجماهيرُ التمردَ، في نفس الوقت الذي يكون فيه أعظم قادة الثورات في حضيض اليأس. نعم، إن ضغط النضال دون سند جماهيري يحطم المعنويات، قد نتعب ونيأس ونغضب من محدودية ما ننجزه... لكن كل هذه محض أحاسيس بشرية، لا تأثير فعلي لها على العجلة العظيمة للصراع بين الطبقات.
حين سُئل تروتسكي عن سبب هزيمة المعارضة اليسارية رغم صلابتها النظرية أمام ستالين، كان جوابه: الأفكار لا تتصارع، الطبقات الاجتماعية هي من يتصارع... وهزيمة المعارضة اليسارية يفسرها تفكك الطبقة العاملة بسبب الحرب الأهلية والتدخل الاجنبي والمجاعة...
لذلك فعزلة الثوريين- ات دائما مؤقتة، قد تكون طويلة وقاسية ولكنها مؤقتة، وحين تقف الطبقة الاجتماعية المعنية ببرامج الثوريين- ات ستنتهي تلك العزلة. إن البركان الاجتماعي يغلي، وحين يتفجر سيحرق كل صنوف الاضطهاد ويحرق معه مشاعرنا البسيطة من تعب ويأس.
تعج الحياة السياسية المغربية بتقديس الأبطال الأفراد، وسواء كانت هذه الحركات تقدمية وليبرالية أو رجعية دينية، فكلها تقدس الزعماء- ات والأيقونات بنفس الانخطاف الديني للمتصوفة.
لكن من شاهد وعايش نضالات الجماهير، ولاحظ بأم عينيه ما تختزنه من طاقة كفاحية وإقدام وتضحية سيدرك، بالاستنباط العقلي أو بالتجربة العملية، أن الجماهير لیست بحاجة إلا إلى وعي قوتها وقدرتها على قلب هذا العالم المقلوب رأسا على عقب وإعادة بنائه جذريا، بما يتوافق مع حاجياتها ومع استدامة البيئة.
من شارك في حراكي الريف وجرادة ومشى في مسيرات التلاميذ وشارك المفروضَ عليهن- هم التعاقد المعتصمات الليلية، من لاحظ العزيمة في أعين شابات وشباب يسهرون ليالي بطولها في الجموعات العامة لحركة عشرين فبراير، وصمود الاساتذة- ات المتدربين- ات أمام جحافل القمع... من رأى كل حال هذا لن يدير ظهره للجماهير ويبحث عن بطل فرد له من الخصائص السحرية ما لا تملكه ملايين الجماهير.
إن دروس عشر سنوات الأخيرة، منذ 2011 (حراك 20 فبراير) انتهاءً بسنة 2019 (نضال المفروض عليهن- هم التعاقد)، لن تذهب هباءً. وهذا الدرس هو: لن تنال الجماهيرُ إلا ما انتزعته بيديها الفولاذيتين.
تحتاج الجماهير إلى بطل من نوع آخر، "بطل جماعي" يمثله انصهار أكثر طلائع النضال العمالي والشعبي في حزب اشتراكي ثوري، يمركز كل روافد هذا النضال في نهر واحد عظيم، يجرف جدران الاستبداد جرفا وينزع وسائل الانتاج من مغتصبيها (الرأسماليون) لإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين: الطبقة العاملة وصغار المنتجين- ات في المدن والقرى.
تهب بشائر النهوض الجماهيري العظيم، سواء في المنطقة أو عالميا، نهوض ستحفزه تداعيات جائحة أججتها الرأسمالية ذاتها بتدميرها للبيئة واقتحام العوالم الحيوانية... لنعمل على بناء ذاك البطل الجماعي/ حزب العمال الاشتراكي الثوري، كي لا تقطف الأحزابُ البرجوازيةُ (تقدمية كانت أو رجعية) ثمار تضحياتنا.