حوار الطرشان الديني

أشرف عبدالله الضباعين
2020 / 5 / 31

يخلط الناس بين مفهوم الحوار ومفهوم التقارب، وبالأخص عندما يتعلق الأمر بما يسمى " حوار الأديان"، فالأديان من حيث العقائد والفكر لا تتحاور ولا حتى تتعارب لسبب واحد وهو أن الأديان نشأت مختلفة وتطورت لتصبح أكثر اختلافًا وتمايزًا. كما أن الأديان قامت بتصنيف البشر بين مؤمن بها له الجنة وغير مؤمن بها ولهم النار، وناقشت هذه النقطة بالتحديد علانية أو سرية في مراحل من تطورها مما جعل بعض تابعيها ورجال عقائدها ومعلميها يتجهون إتجاهًا متطرفًا ضد الآخر المختلف.
أما الحوار فقد يجري بين طرفين بينهم نقاط مشتركة وتفاهمات ويمكن أن يتوصل الطرفان إلى إتحاد ما أو على الأقل قبول ما... تفاهم ما... إتفاق ما دون أن يكون هناك حرج كبير أو اعتراض شديد أو رفض أو اتهام بالخروج عن نصوص الدين ومبادئه، ومن أهم شروط الحوار وجود النية السليمة والرغبة في حل القضايا الخلافية وتذليل عقبات تاريخية وجدت سابقًا أمام المتحاورين، وصولا لإتفاقٍ يضمن نجاح الحوار. فهل ينطبق هذا على حوار الأديان؟
إمكانية الحوار بين الديانات بما فيها "الديانات الإبراهيمية" وهي تسمية غير دقيقة بالمناسبة أمر غير ممكن، لأن نقاط الإلتقاء المشتركة بين الديانات بما فيها الديانات ذات المرجعية الإبراهيمية غير موجودة.
الديانات ذات المرجعية الإبراهيمية هي ديانات لا رابط قوي فيما بينها، لأن العقائد الأساسية لهذه الديانات مختلفة بشدة بما لا يمكن حتى وصفها بالديانات الإبراهيمية وأن كل ما يقال بأنها من مصدر واحد ومن عقيدة واحدة ومن كذا وكذا ما هو إلا نوع من محاولات مزج الزيت والماء للتلاقي الثقافي والاجتماعي لعل ابناء هذه الديانات تتقبل بعضها كؤمنين! وهذا أمر غير وارد لدى أبناء كل دين، وبدل أن تتقبل الناس بعضها البعض جاء إتجاه مناهض للحوار يصف الآخر بعدم الإيمان وبالكفر وبالتزوير وبغيرها من النعوت، وهي ردة فعل طبيعية لكل حوار بين نقيضين، وثبت تاريخيًا أن أي محاولة للحوار كانت تجابه بردة فعل قوية رافضة تصل أحيانًا للدموية، لذلك أخذ الحوار بين أبناء هذه الديانات في العصر الحديث شكلا بروتكوليًا خاليًا من المضامين ولا يهم العامة ولا الخاصة... مجرد لقاء لغايات التصوير ينطق فيه كل طرف بقيم التسامح والمحبة الموجودة في دينه.
نعم الكلمات التي تصف الآخر بالكافر والزنديق والمزور والشرير والمرتد وغيرها وجدت قبلها، أي أنها سابقة جدًا لما يسمى بالحوار بين الديانات ولكن هذه الكلمات تأصلت وأخذت بُعدًا خطيرًا وأكثر تشددًا وتطرفًا مع كل محاولة للحوار جرت في الماضي، والسبب أن " المعتدلين" يحاولون تطويع آياتٍ من إيمانهم تساند رؤيتهم في الحوار مع الآخر، بينما يجد " المتطرفون" من كل دين آياتٍ ومواقف من دينهم تُحرم وتمنع هذا التحاور إلا اذا كان الهدف منه اظهار " الحق"! الحق الذي يعتقد كل طرف أنه يملكه حصرًا.
اذا لم يكن هناك حوار فماذا يمكن أن نطلق على اجتماعات رجال الدين من الديانات المختلفة التي تهدف نوعًا ما إلى التقارب ووقف الحروب الكلامية وصدام الديانات الكلامي وأحيانًا الصدام الدموي؟
أولا: لا يمكن وقف هذا الصدام الدموي لكن يمكن لجمه. الإرهاب موجود طالما البشرية موجودة، فالمتطرفون موجودون في كل دين وفي كل عقيدة، ولا يمكن وقف ومنع ألسنتهم ودعوتهم حتى لو تدخلت السلطات السياسية والمدنية لفعل هذا. قد يكون عامل الأيام والظروف ما يجعل شعبًا ما يخفف من تطرفه ولكن لا يمكن أن يختفي التطرف من وجه الحياة.
ثانيًا: إن اجتماعات كهذه يجب أن تتوقف عن الجدال الديني من جهة وعن محاولات كسب نقاط ضد الجهة الأخرى، بمعنى التوقف عن المناظرة والمبارزة وأسلوب الرابح والخاسر.
ثالثًا: أن تتوقف هذه الاجتماعات عن أسلوب المجاملة المفتعلة والتمثيل غير السوي.
رابعًا: أن هذه الاجتماعات يجب أن تركز على التلاقي الإنساني لا التلاقي العقائدي، فتشارك رجال العلم والثقافة والأدب والفن في اجتماعاتها فيصبح حوارًا حضاريًا لا دينيًا وجدلا علميًا لا جدلا عقائديًا عقيمًا وهنا يمكن التلاقي والتلاقح والحوار والتقارب. بالمناسبة لا يشعر رجال العلم والثقافة غالبًا بالراحة بوجود رجال الدين في حوارات إنسانية لكن لنفترض أن الأمر ممكن الحدوث.
خامسًا: أن تلغي هذه الاجتماعات فكرة المراجعة التاريخية! التاريخ لن يقرب بين الناس. الأفضل هو أن نطوي صفحات التاريخ بما فيها الدموي منه، وأن نترك التاريخ على رفٍ وأن نركز على مستقبل البشرية.
سادسًا: أن يؤمن كل طرف بأن هذا التلاقي هو لخير الإنسانية وأن التركيز على الدين لن يجمع الناس، فالمدنية تطلب نقاط مشتركة للتعاون وأما الدين وممارسته فحق للجميع يمارس فقط في دور العبادة.
اذا لا حوار بين الديانات، ولا ينفع بالتأكيد الجدل العقائدي بين الديانات، إنما التعريف الأفضل هو لقاءات بين أبناء الديانات ليس بهدف الحوار والجدل العقائدي بل لقاءات في شؤون إنسانية بعيدة عن تسويق أي فكرة أو عقيدة تسامح دينية عند كل طرف، لقاءات إن جرت فلتجري لمناقشة قضايا إنسانية وفك الإشتباك الحضاري السلبي، وتأسيس مجتمعات مدنية هدفها العلم والنهضة والعمران، مع احترام حق كل إنسان باعتناق ما يشاء من الديانات وحرية ممارسة العبادة دون قيد أو إكراه.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي