هل كان أفلاطون ماديًّا؟!

حسين محمود التلاوي
2020 / 5 / 30

هل كان "أفلاطون" ماديًّا؟! ربما يبدو السؤال للوهلة الأولى مجافيًا لكل ما هو معروف عن فلسفة أفلاطون المثالية، وعالمه المكون من المثل والذي يحكم عالمنا الحسي المادي. ولكن ببعض التدقيق يمكن للمرء أن يجد في السؤال بعض المنطق ويكتشف حجية فيه.
في العجالة التالية سوف نحاول إيجاد مبرر السؤال والحجية الكامنة وراءه إلى جانب محاولة الإجابة عنه بطبيعة الحال.

ما المبرر للسؤال؟!
يمكن تلخيص الفكرة العامة لفلسفة أفلاطون بخصوص بالإدراك في العبارة التالية: "هناك حقائق ثابتة هي موضوعات للفكر الخالص في عالم المثل الكامن وراء عالمنا المادي المحسوس الذي يحوي تمظهرات مادية لتلك الموضوعات الفكرية التي يسميها المثل".
ليسامحنا التاريخ والفكر والفلسفة على هذا التبسيط شديد الإخلال لفكرة فلسفية كان لها دورها في توجيه الفكر العالمي. ولكن عدم الرغبة في الدخول في تفاصيل هي الدافع؛ فالدافع الرئيسي للكتابة لدى كاتب هذه السطور هو تبسيط المعرفة وتقديم ألفبائيات الموضوعات التي يتكلم عنها بما يساعد على بسط أساس يمكن البناء عليه فيما بعد.
المبرر يكمن في سؤال أراه مشروعًا؛ وهو: "من أين جاءت المثل؟". من أين جاءت الحقائق الثابتة الفكرية المثالية الكامنة في ذلك العالم؟! هذا السؤال شديد المشروعية؛ لأن أفلاطون لم يقدم وسيلة توضح كيفية انتقال الأفكار من عالم المثل إلى العالم المادي. ما الأداة التي نقلتها؟! هو لم يقل إن الآلهة التي نقلتها إلى عقول البشر.
إذن مسألة كيفية انتقال الأفكار من عالم المثل إلى العالم المادي المحسوس لم تتحدد بشكل قاطع عند أفلاطون؛ من ثم يمكن السؤال إذن: هل كانت فلسفة أفلاطون في جوهرها مادية؟!

هل يمكن القول بـ"مادية أفلاطون"؟!
نعيد القول إن أفلاطون قال بوجود مثل لها صور في العالم المادي الحسي، لكنه لم يوضح كيفية انتقال المثل هذه إلى إدراك الناس.
كيف تشكلت المثل؟! سؤال مشروع... هل وضعتها الآلهة في عقول البشر؟! هل نقلتها الآلهة إلى العالم الحسي؟! لم يقل أفلاطون بذلك.
الحل هو أن هذه الأشياء المادية موجودة من قبل إدراك البشر لها. يمكن النظر إلى هذه العبارة باعتبارها رفضًا لفلسفة أفلاطون؛ وهو أمر فعله الكثير من الفلاسفة من قبل، وإن كنت لا أقول إن فيلسوف، ولكنه أقصد أنه أمر حدث من قبل
ما الجديد إذن؟!
يمكن القول بوضوح وقطعية: عندما قال أفلاطون بوجود المثل، كان ينطلق من الواقع المادي؛ فهو قد تصور المثل والصور الفكرية الخالصة والعالم المثالي ككل انطلاقًا من إدراكه الحسي نفسه للواقع المادي؛ فالمدركات المادية هي الأساس الذي انطلق منه أفلاطون في رسم تصوراته المثالية.
إذن بدأ أفلاطون بالمدرك الحسي ليرسم عالمه المثالي ليقول إن ذلك العالم المثالي هو الأساس الذي تأتي منه مسميات الملموسات المادية.
كذلك لو سلمنا بصحة ما قال أفلاطون، لقلنا أمرين؛ الأول إنه ما كان ليدرك وجود العالم المثالي لولا العالم المادي؛ فالعالم المادي هو الدليل على وجود العالم المثالي. والأمر الثاني أنه لولا العالم المادي ما كان لعالم المثل أن يعقل أو يدرك أو يوجد.
العالم المادي هو الدليل على وجود العالم المثالي، وكذلك العالم المادي هو سبب كشف العالم المثالي؛ فلا معرفة بالمثالي لولا المادي.
ألا يحق لنا أن نتشكك بعد هذا في أن العالم المادي هو الأساس الذي قام عليه العالم المثالي في تصوراته الكلية؟! أن نعتقد أن العالم المادي هو أساس وجود العالم المثالي؟! ألا يحق لنا أن نقول إنه قد جرى استخلاص الكليات من العالم المادي لتصبح مثالية فكرية خالصة لتحكم العالم المادي في تطوراته المحسوسة اللاحقة؟! فقط وسيلة لوضع المسميات؟!
أعتقد أنها كلها أسئلة مشروعة يمكن القول إن الإجابة عنها بنعم هي أيضًا من الأمور المشروعة.
كان منطلق أفلاطون ماديًّا؛ فهو انطلق من العالم المادي ليرسم تصوراته المثالية ويقول إنها الحاكمة للعالم المادي وصورة كلية فكرية خالصة له.
مرة أخرى نتساءل: هل كان أفلاطون ماديًّا؟! أو يمكن التساؤل بصورة أفضل: هل كان مرتكز تفكير أفلاطون المثالي ماديًّا؟!

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار