الفرق بين المعرفة والفقر المعلوماتى

طلعت رضوان
2020 / 5 / 29

كتب ول ديورانت أنّ الليدى (مارى) عبــّـرتْ عن رأيها فى المرأة فقالت: لستُ أحاول المطالبة بمساواة المرأة بالرجل، حيث لاشك فى أنّ (الله والطبيعة) قد وضعا جنس المرأة فى ((مرتبة أحط)) فنحن النساء أدنى من الرجال..وعلينا إطاعة الجنس الأعلى والإذعان له..وكل امرأة تسمح لغرورها وحماقتها، أن تنكرذلك، فإنها تتمرّد على ناموس الخالق..ونظام الطبيعة الذى لانزاع حوله..وأضاف ديورانت: لقد كانت فترة حكم البيورتان فى إنجلترا، قد أنزلت المرأة إلى الحضيض..وأنه فى حوالى عام 1750كانت النساء فى إنجلترا إلى مستوى منحط..ولم يكن وضعهنّ أفضل من وضعهنّ فى القرن الثانى عشر(قصة الحضارة- المجلد الثامن عشر- ص95)
وكتب ديورانت أنّ التاريخ لم يعرف أمة ظــُـلمت كما ظــُـلم الأيرلنديون، إلاّفيما ندر..وأنه طوال الانتصارات المتكرّرة التى أحرزتها الجيوش البريطانية، على الثورات الوطنية، شرّعت مجموعة من القوانين ((قيــّـدت الأيرلنديين بالأغلال، جسدًا وروحــًـا، فصودرت أراضيهم، حتى لم يبق غيرحفنة من المـُـلاك الكاثوليك، ولكن البرتستانت استولوا على أراضيهم..وعاملوا فلاحيم ((معاملة العبيد)) وأنّ الكاتب (تشسترفيلد) قال: إنّ الفقراء فى أيرلندا يلقون من المُـلاك معاملة أسوأ مما يلقاه الزنوج..واستشهد بكاتب آخرقال: لم يكن من الغريب فى أيرلندا (تحت حكم بريطانيا) أن يكون للكبارمن مُـلاك الأراضى ((سجون دائمة فى بيوتهم، لعقاب الطبقات الدنيا عقابـًـا عاجلا))
وفى إشارة ذات دلالة مهمة، ذكرأنه بالرغم من معاناة الشعب الأيرلندى واضطهاد الإنجليز له، فإنّ الحياة الأيرلندية لم تخلُ من عناصرمشرقة..وظلّ للشعب مزاجه البشوش، الضحوك خلال شدائده كلها..واحتفظ بأساطيره ودافع عن خصائصه وثقافته القومية (المصدرالسابق- من ص149- 153)
حدث هذا فى القرن الثامن عشرالميلادى (بريطانيا تفرض عبودية على شعب أيرلندا) وفى نفس الوقت النظرة للمرأة (على أنها أقل من الرجل..وصلت إلى مستوى منحط..ولم يكن وضعهنّ أفضل من وضعهنّ فى القرن الثانى عشر) كما كتب ديورانت (المصدرالسابق- ص95)
000
لقد قرأتُ مجلدات قصة الحضارة فى شبابى..وخطرعلى ذهنى أنْ أقوم بعملية (تنشيط لذاكرتى) فى شيخوختى، فذهلتُ عندما قرأتُ ما كتبه ديورانت عن العبودية وعن وضع المرأة المتدنى، فى بعض دول أوروبا فى العصرالحديث..ولكن ما أذهلنى أكثرما قرأته لبعض الكــُـتاب (مصريين وأوروبيين) يــُـروّجون المقولة أنّ الحضارة المصرية حضارة موت وأنها تأسّستْ على العبودية والطغيان..واحتقار المرأة.. إلخ. فما مدى صدق هذا الكلام؟ وهل قرأوا بعض الكتب المتخصصة فى علم المصريات الذى يُفنّد هذه المزاعم؟ فمثلا الهرم ليس مجرد مقبرة للملك.. وإنما جمع بفضله بين علوم الفلك والهندسة والرياضيات..ولم يتم البناء بالسخرة..ونفى كثيرون هذه التهمة ومنهم- كمثال- سيرفلندرزبترى الذى أكد أنّ العمل كان يجرى أثناء موسم الفيضان، عندما يكون معظم الأهالى بلا عمل..وذكرهيرودوت أنّ العمال كانوا يُمنحون طعامًا طيبًا.
وكيف تكون الحضارة المصرية مع (الموت) فى حين أنّ النيل كان فى البدء مجرد مجموعة من الأحراش والمستنقعات..وأنّ جدودنا هم الذين هذبوه وشذبوه فصارالنيل المعروف حاليًا..وعندما لاحظوا انخفاض منسوب مياه النيل أنشأوا الترع لرى الأرض أيام التحاريق..وعن هذا الموضوع كتب العالم برستد أنّ المصريين القدماء برعوا فى هندسة الرى منذ أقدم العصور. فهل هذا سلوك شعب يُفكرفى الموت؟ وبسبب الزراعة تطوّرت الحضارة المادية، فتـمّ تطويع المعادن لاختراع أدوات الزراعة..والزراعة- أيضًا- هى السبب فى ابتكارالتقويم الشمسى الذى هوأدق تقويم سارعليه العالم كله حتى يومنا هذا..وبسبب الزراعة- ثالثًا- غنى جدودنا أثناء جنى المحصول خاصة فى موسم الحصاد (شمو) ومن هذا الاسم جاء الاحتفال ببداية الربيع (شم النسيم)
وتطوّرت الحضارة المادية فكان إجراء أول عملية جراحية فى المخ (تربنة) فى التاريخ وفق الترجمة الموجودة فى المتحف البريطانى إلى آخرالاكتشافات الطبية والتخصص الدقيق لكل أعضاء الجسم البشرى..كما أنّ الطب فى مصرالقديمة أذهل العلماء فى العصرالحديث..ويكفى الإشارة إلى البردية التى اكتشفها عالم المصريات (إدوين سميث) وسُميتْ باسمه..وفى مجال الفلك تقف العالمة الفرنسية كرستين نوبلكورمندهشة وهى تؤكد أنّ مصرعرفتْ منذ آلاف السنين أنّ القمريستمد نوره من الشمس..ودليلها على ذلك ما وجدته مكتوبًا على تمثال لآمون ((العين اليمنى هى الشمس..والعين اليسرى هى القمر..والعين اليسرى تستمد نورها من العين اليمنى))
الحضارة المادية لخصها برستد فى جملة دالة إذْ كتب ((إنّ الصناعة المصرية أخرجتْ كتانــًـا على النول اليدوى بلغتْ فيه دقة النسيج ماجعل من الصعب أنْ نُميّزه عن الحرير..وإذا قارناها بخيرما يمكن أنْ يُنتجه النول الميكانيكى الحديث، فإنّ صناعتنا الحالية تبدوخشنة بالنسبة إليها)) (إنتصارالحضارة ص 100)
وإذا انتقلنا إلى الحضارة الثقافية (الروحية) نجد اعتراف العلماء بفضل جدودنا فى وضع أسس علم الأخلاق..ولم يكن الاجماع بينهم مصادفة على نشأة (الضميرالإنسانى) الذى هوأهم من القوانين الوضعية. إجماع شمل المؤرخين القدامى مثل هيرودوت الذى وصف جدودنا بأنهم ((أتقى البشرأجمعين)) إلى فرويد الذى وصفهم ب ((الودعاء)) وبرستد الذى خصص كتابًا عن مصرالقديمة بعنوان دال هو(فجرالضمير) ويؤكد العلماء أنّ البرديات التى تركها جدودنا شملتْ الحياة اليومية بما فيها من أشعارالحب والخطابات المتبادلة بين الزوج وزوجته..وكتابة عقود الزواج وعقود البيع مثل العقد المحرربين السيدة (تاحب نفر) وشخص آخرحول شروط بناء بيت لها لصيق ببيته، لدرجة ذكرتفاصيل الحدود من كل الجهات..والعقد محفوظ فى المتحف البريطانى..وذكرالعالم ت.ج. جيمس أنّ العقد ((يُظهرالمرأة المصرية فى صورة تحفظ لها كيانها القانونى وحقها فى التملك والمحاسبة القانونية بصفة مستقلة)) وذكرماسبيروأنّ ((المرأة المصرية من الطبقة الدنيا والمتوسطة أكثراحترامًا وأكثراستقلالامن أية امرأة أخرى فى العالم)) وذكرماكس ميلر(( لم يكفل أى شعب قديم أوحديث للمرأة مركزًا قانونيًا مماثلا فى سموه..كما كفله لها سكان وادى النيل)) وذكرباتوريه ((كل الشعوب القديمة- فى الغرب كما فى الشرق- يبدوأنها أجمعتْ على فكرة واحدة: أنْ تجعل من المرأة كائنًا أدنى من الناحية القانونية. أما مصرفإنها تعرض لنا منظرًا جد مختلف. فنحن نجد فيها المرأة مساوية للرجل من الناحية القانونية. لها نفس الحقوق وتُعامل بنفس الكيفية)) (نقلاعن د. محمود سلام زناتى- تاريخ القانون المصرى) وأضاف ((لقد تمتعتْ المرأة فى مصرالفرعونية بمكانة فى المجتمع والأسرة لم تبلغها المرأة لدى شعب من الشعوب القديمة. بل فى كثيرمن المجتمعات الحديثة. فلم يعرف المصريون فكرة انفصال الجنسين وحجاب المرأة..وكانت تخرج بين الناس سافرة الوجه وتُسهم بنصيب كبير فى الحياة الاجتماعية..وأنّ الزوج والزوجة كانا يُعاملان بالنسبة لحق الطلاق على قدم المساواة..وكان للزوجة حق الانفصال عن زوجها وذلك عكس الكثيرمن الشرائع القديمة التى لم تكن تــُـساوى بين المرأة والرجل حيث كان الرجل ينفرد بحق الطلاق..والقانون المصرى سمح بزواج الأرملة وهوما يُخالف بعض المدنيات القديمة)) وذكربرستد أنّ القانون الجنائى فى مصرالقديمة كان يُطبّق على الجميع بغض النظرعن المركزالاجتماعى للمذنب عكس قانون حمورابى..وأنّ مصرالقديمة ((أول دولة متحضرة فى وقت كانت فيه أوروبا ومعظم غربىْ آسيا لاتزال مسكونة بجماعات مشتتة من صيادى العصرالحجرى)) وذكرجاردنر((إنّ الذى نُعلنه ونُباهى به باعتباره تاريخ مصرالقديمة لايعدوأنْ يكون عملية تجميعية للكسروالأسمال)) ولأنّ أكثرمن عالم وفيلسوف يونانى عاشوا فى مصر..ولذلك كتب العالم فون درشتاين ((فى مصروجد أفلاطون الحقيقة)) وذكرالعالم رندل كلارك أنّ الحضارة المصرية ((حضارة راقية)) ووجد نصًا فى كتاب تركه جدودنا بعنوان (كتاب الطريقيْن) وفيه يقول رب الكون ((خلقتُ كل إنسان مثل أخيه..وخلقتُ الآلهة من عرقى. أما البشرفخرجوا من دموع عينى)) وأبدع جدودنا إلهة للعدالة (ماعت) ولأنّ شعوب أوروبا تُقدّرحضارتنا فإنّ البرلمان الإنجليزى يضع فى مبناه صورة لهذه الإلهة..وحكت د.مرفت عبدالناصأنها دُعيتْ لإلقاء محاضرة فى الطب النفسى فى إنجلترا..وأراد رئيس المؤتمرتكريمها، فوضع خلفها صورة للبرلمان الإنجليزى وفوقه صورة كبيرة ل (ماعت المجنحة) (لماذا فقد حورس عينه- قراءة جديدة فى الفكرالمصرى- دارشرقيات- ص77) والحضارة المصرية التى يراها البعض أنها حضارة موت وعبودية لم يحدث فيها أنْ تمتْ محاكمة حكيم مصرى وإعدامه مثلما حدث مع سقراط أوبيع حكيم مصرى مثلما حدث مع أفلاطون..وعلى الذين يخلطون بين لغة العلم والأيديولوجيا أنْ يتأمّلوا كلمات الحكيم آنى ((إذا كنتَ قد تعلمت شيئــًـا.. فأين أنت من بحورالمعرفة)) وهكذا يتبيــّـن أنّ المعرفة تختلف عن الأيديولوجيا المصحوبة بالفقرالمعلوماتى.
*****