لماذا البعض يكره الخنزير ؟

بارباروسا آكيم
2020 / 5 / 28

قد يبدو هذا السؤال غريباً بعض الشيء أو غير ذا معنى عند البعض الآخر أو حتى غبياً


و لكن عند التدقيق في تفاصيل و حيثيات هذا السؤال سنجد بالفعل صورة نمطية ترسبت في الذهنية اليهودية الشرقية و من ثم وجدت صداها في أماكن أُخرى من الشرق الأوسط و العالم


( علاقة النص الديني بالصورة النمطية )


قد يعتقد البعض واهماً بأن النص الديني اليهودي هو السبب في الكراهية الشديدة لهذا الحيوان بسبب التحريم
و لكن على هذا البعض أن يعلم إن التحريم النصي اليهودي شمل عشرات الآلاف من الكائنات دون أن يكون هناك سبب وجيه لكراهيتها و نشر الشائعات حولها

فلماذا يختص الخنزير دون سواه بالكراهية ؟

القصة بأختصار تتعلق بالذاكرة الجمعية لليهود في إسرائيل و العالم ، فلليهود ذكرى سيئة جداً و أليمة مع هذا الحيوان دون أن يكون للخنزير نفسه دخل فيها

القصة تعود إلى سنة ٧٠ أو ٧١ أو ٧٢ م

في هذا التاريخ دخل الفيلق الروماني العاشر المظفر إلى أورشليم و لعن سلسفيلها و جعل عاليها واطئها و أعزة أهلها أذلة و دمر الهيكل ونهب المتاع و أستوطن الضياع

يومها حكم على اليهود وهم يتشتتون حول أصقاع العالم إلى حين بأن يشاهدوا رايات الفيلق الروماني العاشر ترفرف في قدس أقداسهم الذي صار اثراً بعد عين و كذا على أسوار مدينتهم التي غادروها بعيون باكية و قلوب منكسرة

و كانت راية الفيلق العاشر المظفر يومذاك
عبارة عن رأس خنزير بري

* الخنزير البري : رمز الشجاعة عند الرومان

أما الشعار هو
مثلث يتوسطه خنزير بري و تعلوه أحرف الفيلق
LEGXX
و هو إختصار لعبارة
Legio XX Valeria Victrix
اللاتينية
و التي تعني
الفيلق العاشر المظفر
و الفيلق العاشر تم تأسيسه سنة 25 م من قبل القائد اوكتافيان
و هو نفس الفيلق المقتحم لأورشليم

هذا الحدث لم يكن هيناً البتة
بل كان لابد من التعبير عنه بكل الرمزيات الممكنة لإستنهاض مشاعر الهوية و الإنتماء


(( شعار الفيلق الروماني في السردية اليهودية ))


قصة ترد في كتاب المكابيين الثاني في الفصل 6 و العدد 18
و المكابيين لمن لا يعلم كتاب عن سيرة بطل اليهود القومي يهوذا المكابي يقع في جزئين 1 و 2 دون أن يكون الثاني مكمل للأول بل سرد للقصة من مصدرين مختلفين

و ترد في هذا الكتاب بعض من تشنيعات انتيوكس بحق اليهود

حيث أجبر أحد كتبة اليهود الأبرار الذين بلغوا من العمر عتيا ، مئة إلا عشر أو يزيد و المدعو بأسم لعازر بأكل لحم الخنزير نكاية بشرع اليهود و استحقاراً لهم
فأبى أكل ذلك اللحم و القاه من فيه فقتله الرومان ضرباً
ثم يحكي في الفصل 7
عن عائلة يهودية قتلت تقطيعاً و طبخت لحومهم في قدور لأنهم رفضوا أكل الخنزير !

و في المكابين 1 الفصل 1 و العدد 50
يذكر عن جرائم الرومان بحق اليهود - حسب قول الكاتب -
وَيَبْتَنُوا مَذَابِحَ وَهَيَاكِلَ وَمَعَابِدَ لِلأَصْنَامِ وَيَذْبَحُوا الْخَنَازِيرَ وَالْحَيَوَانَاتِ النَّجِسَةَ

و لعل هذه الأحداث
الحقيقية منها و الأسطورية قد تم صياغتها لتعزيز مفاهيم القومية و الإنتماء الصميمي للأرض و التقاليد الموروثة و رفض الغزاة و ثقافتهم الهيلينية الدخيلة

فصارت الرمزيات في هذا الصدد تتعدى البشر لتصل إلى عالم الحيوان

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا