العلاقة العضوية بين الاستبداد والعداء للفلسفة

طلعت رضوان
2020 / 5 / 26

العلاقة العضوية بين الاستبداد وكراهية الفلسفة
ذكركثيرون من الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين، واقعة اغتيال الفيلسوفة المصرية/ السكندرية (هيباتيا) ومن بين المؤرخين (ول ديورانت) الذى كتب عنها أنها كانت أهم شخصية فى فترة الحكم الرومانى..وأنها جمعتْ بين الفلسفة وعلم الرياضيات..ونقل عن مؤرخ مسيحى اسمه (سقراط) أنها تفوّقتْ على جميع فلاسفة عصرها، بينما كان معظم المسيحيين ((ينظرون إليها شزرًا، باعتبارها كافرة)) وأنّ الفلاسفة المؤمنين بأفكارها غادروا الاسكندرية..وذهبوا إلى أثينة خشية الأذى من المسيحيين..وكان تعقبب ديورانت ((وهكذا كان الانتقال من الفلسفة إلى الدين..ومن أفلاطون إلى المسيح..وبدأ ظهورالكثيرمن الكتب التى تــُـروّج للخرافات المصحوبة بالمعجزات..وانتشرالشك والارتياب فى الفن..وتحريم الرسم والتماثيل بحجة (عودة الوثنية) وعبادة الأصنام..ولكن مع مرورالسنين كان المؤمنون ((بحاجة إلى تماثيل للمسيح ومريم..وهكذا وُلدتْ فنون النحت والفسيفساء والتصويرمن جديد)) (قصة الحضارة- المجلد السادس بعنوان (قيصروالمسيح) من ص246- 252)

وبينما هذا هوموقف المفكرين الذين كتبوا عنها بما فيهم (مؤرخ مسيحى اسمه سقراط) فإنّ كثيرين من الباحثين المسيحيين المصريين أنكروا واستبعدوا أنْ يكون البابا كيرلس هوالمسئول عن قتل الفيلسوفة المصرية هيباتيا..وعندما رجعتُ إلى المراجع وجدتُ عددًا كبيرًا من المؤرخين يؤكدون دورالكنيسة فى اغتيالها من بينهم (ول ديورانت) الذى كتب أنّ كبيرالأساقفة سيريل Cyril أمرأتباعه الرهبان بطرد اليهود من الإسكندرية، فغضب الحاكم أرستيز، فكان عقابه أنْ رموه الرهبان بالحجارة. ثم اتهموا الفيلسوفة السكندرية (هيباتيا) بنفوذها وتأثيرها على الحاكم الذى لم يعتنق المسيحية مثلها، فهجم عليها جماعة من المتعصبين يتزعمهم أحد موظفى كبيرالأساقفة..وجرّدوها من ملابسها وقطعوا جسمها إربًا فى مرح وحشى شنيع (م6ج2 ص248) أما مارتن برنال فكتب أنّ اغتيالها كان بتحريض من القديس كيرلس (أثينه السوداء- ص237)
عندما دخلتْ المسيحية مصرآمن بها كثيرون وتخلوا عن ديانة جدودهم..وعانوا من اضطهاد الرومان 250 سنة. إلى درجة تقديمهم للوحوش فى الملاهى الكبرى..واستمرالاضطهاد والقتل إلى عام 313 بصدورإعلان ميلان الذى نصّ على (التسامح الدينى) فاستقرالوضع أكثربعد أنْ اعتنق الامبراطورقسطنطين المسيحية. ثم أصبحتْ هى الديانة الرسمية لكل الدول الخاضعة لروما.
كان المنتظرأنّ من عانى الظلم ينشأ لديه وجدان يرفض أنْ يكون ظالمًا..ولكن ماحدث هو العكس، إذْ مارس الأساقفة الاضطهاد ضد الذين رفضوا اعتناق المسيحية..وظلوا على إيمانهم بالديانة القديمة..كما شمل الاضطهاد بعض الطوائف المسيحية..وشمل تحطيم التماثيل بإعتبارها (وثنية) وتحويل المعابد إلى كنائس..وتحطيم معبد السرابيون..وهوتحفة معمارية..وكانت قمة التصاعد المأساوى عندما قرّرالمؤمنون بالمسيحية الأتقياء اغتيال الفيلسوفة هيباتيا.
هيباتيا (370- 415) فيلسوفة مصرية وعالمة فى الرياضيات..وهى ابنة (ثيون) أستاذ الرياضيات فى متحف الاسكندرية..وكتب عنها ديورانت فى قصة الحضارة- المجلد الثانى. وجورج سارتون وادوارد جيبون وبرتراند رسل وآخرون..ومن المصريين د. توفيق الطويل ود. زكى نجيب محمود. غيرالروائيين والشعراء الأوروبيين..ووصل اهتمام العالم المتحضربهذه الفيلسوفة المصرية أنْ أصدرتْ جامعة الينوى الأمريكية مجلة فلسفية اسمها (هيباتيا) وفى أوروبا وأمريكا عشرات الجمعيات والمجلات العلمية والفلسفية التى تحمل اسم جدتنا (هيباتيا)
كانت هيباتيا ذات جمال أسطورى..ورغم ذلك رفضتْ كل عروض الزواج وفضّلتْ التفرغ للعلم والفلسفة..وكتبتْ عنها دائرة المعارف البريطانية أنها جمعتْ بين التواضع والجمال والقدرة العقلية ((فجذبتْ عددًا هائلا من التلاميذ)) وكان من تلاميذها أساتذة وفلاسفة، كانوا يأتون من أكثرمن دولة ليستمعوا إلى محاضراتها، من بينهم الفيلسوف اليونانى (دمشيوس) والعالم (سينسيوس) الذى اعترف بفضلها عليه فى تثقيفه..وأنها شرحتْ له مؤلفات أرسطو وأفلاطون وبعض العلوم الطبيعية مثل الفلك والميكانيكا والرياضيات..وكانت تـُكرس لأهمية الحب الروحى لا الجسدى..ويقول عنها معاصروها أنها كانت تتربع بشرف ((على قمة الأسرارالفلسفية)) وذكر د.إمام عبدالفتاح إمام أنّ هيباتيا أنجزتْ حسب ما كتب سويداس فى معجمه ثلاثة كتب: شرح على كتاب ديفونطس السكندرى فى علم الحساب..والثانى شرح على كتاب بطليموس (المجموع الرياضى) والثالث شروح على (قطوع المخروط) أبولونيوس البرجى..كما أنها اخترعتْ (البلانسفير) وهى خريطة ذات ثلاثة أبعاد لنصف الكرة السماوية. أوالآلة الفلكية القديمة المسماة الاسطرلاب..والاختراع الثانى هوجهازقياس الوزن النوعى للسوائل..وهونوع من الهيدرومتر.
ولأنّ الأصوليين فى كل دين متعصبون أحاديون منغلقون، لذلك جاءتْ النهاية الدامية لهذه الفيلسوفة التى كانت تنادى بترسيخ قيم الحب والعدل والجمال..كما تعلــّمتها من الفلسفة المصرية..ولكن لأنها رفضتْ اعتناق المسيحية، ولأنّ شهرتها فاقتْ فى الأهمية شهرة رجال الدين، فقد دبّر رئيس الأساقفة خطة اغتيالها، عندما أطلق إشاعة هومصدرها تقول أنّ هيباتيا هى العقبة الوحيدة للتوفيق بين الحاكم ورئيس الأساقفة كيرلس..ولأنّ المتدين يُصدق رمزه الدينى، صدّق المسيحيون ما يقوله كيرلس من بذاءات وافتراءات ضدها إلى أنْ جاءتْ لحظة اغتيالها فى شهر الصيام الكبير..وعن مشهد الاغتيال كتب د.إمام عبدالفتاح ((اعترضتْ جماعة من رهبان صحراء النطرون، الذين قضوا فى الصحراء سنوات طويلة يصارعون قوى الشركما يقولون ويديرون معركة صراع باطنى ضد شهوات الجسد، اعترضوا عربة هيباتيا بإيعازمن كبيرهم كيرلس، فأوقفوها وأنزلوا الفيلسوفة الشابة الجميلة. ثم جروها إلى كنيسة قيصرون حيث تقدّمتْ مجموعة من هؤلاء الرهبان وقاموا بنزع ثيابها حتى تجرّدتْ من ملابسها لتصبح عارية..وتقدم بطرس قارىء الصلوات فى الكنيسة وقام بذبحها وهى عارية..وقد أمسك بها مجموعة من الرهبان ليتمكن قارىء الصلوات من ذبحها. ثم عكف الرهبان (الأتقياء القلب) على تقطيع جسدها مستمتعين بما يفعلون. ثم راحوا يكشطون اللحم عن العظم بمحارحاد الأطراف. ثم أوقدوا نارًا وقذفوا فى الناربأعضاء جسدها وهى ترتعش بالحياة كما يقول الفيلسوف برتراند رسل، حتى تحول الجسد إلى رماد وهم يتحلقون حوله فى مرح وحشى شنيع على حد تعبيرديورانت))
هذا هودرس التعصب: اغتيال الفيلسوفة والعالمة التى يعتقد بعض المؤرخين أنّ العالم كوبر نيكوس تأثربنظريتها فى علم الفلك..وأنّ الروائى الإنجليزى تشارلزكنجزلى كتب رواية اسمها (هيباتيا) وكتب عنها الأديب الفرنسى Gille Menage فى كتابه الفلاسفة من النساء قصيدة قال فيها ((لابد لكل من يشاهد ويتأمل بيتك الطاهر/ الخالى تمامًا من كل زخرف أوزينة/ أنْ ينشغل بأمرالثقافة/ حقــًا، لقد انشغلتِ أنتِ بالسماء/ هيباتيا.. أيتها المرأة الحكيمة/ لغتك عذبة..ونجمك متألق فى سماء الحكمة)) (د. إمام عبدالفتاح إمام- نساء فلاسفة- مجلد 4) وكتبتْ عنها الشاعرة ماريا ذليسكا ((لن يقدرالموت يومًا / أنْ يُميتها / إنها قائمة هناك.. بسكونها / الموت لايقدرأنْ يُميت مثلها / الموت يقدرفقط / أنْ يُبعثر هذا الزمن/ بعوالمه المرتجفة/ أما هى ستظل دائمًا هى)) (د. مرفت عبد الناصر- لماذا فقد حورس عينه- دارشرقيات- عام 2005 ص 82)
ألاتــُـذكرنا مأساة هيباتيا بمأساة المفكرالفارسى ابن المقفع الذى كان مصرعه بتقطيع جسده وهوينظرإلى أعضائه وهى تـُلقى فى النار..وبالنهاية المأساوية لعبد الحميد الكاتب الذى قتله العباسيون بوضع طست محمى على رأسه..وبمحنة الإمام أبى حنيفة الذى رفض أوامرابن هبيرة الذى طلب منه تأييد تصرفه بقتل أحد الأشخاص، فقال أبوحنيفة ((كيف أقبل هذا العمل؟ تأمرأنت بقتل إنسان ظلمًا أومصادرة أمواله وأختمه أنا. هذا لن يكون أبدًا)) وكانت النتيجة أنْ أمرابن هبيرة صاحب الشرطة بحبس أبى حنيفة وأنْ يُضرب كل يوم عشرة أسواط..وفى عهد أبى جعفرالمنصورأيضًا تم جلد الإمام مالك..وفى عهد الرشيد كاد الإمام الشافعى أنْ يُـقتل لأنه اختلف مع أتباع الإمام مالك..وفى العهد الأموى قال الجعد بن درهم أنّ القرآن مخلوق ومحدث. فأتى به الوالى خالد بن القسرى إلى مسجد الكوفة مقيدًا بالأغلال يوم عيد الأضحى..وصلى خالد بالناس صلاة العيد وقال فى آخرخطبته ((اذهبوا إلى بيوتكم وضحوا تقبل الله منكم. أما أنا فإنى أريد أنْ أضحى بالجعد بن درهم..ونزل من على المنبروقتل الجعد بن درهم مُطيحًا برأسه بالسيف. ثم يجيىء المأمون ويتبنى فكرالمعتزلة حول خلق القرآن..واعتقل كل من رفض تأييد رأيه..وكان من بينهم الإمام أحمد بن حنبل الذى ظل فى السجن 28 شهرًا..وكان يُضرب بالسوط إلى أنْ يُغمى عليه، لدرجة أنه لم يكن يشعربنغز السيف.
ويصل التعصب إلى درجة اغتيال الصوفى الكبيرالحلاج الذى حاول التوفيق بين الدين والفلسفة اليونانية، فكان مصيره السجن 8 سنوات وضربه بالسياط وحرق جثمانه..ورغم أنّ القضاة حكموا بتكفيره، فقد كان من الصالحين فى نظرالجماهير..والتعصب ينهش صدورالفقهاء ضد السهروردى فيتآمرون عليه لدى صلاح الدين الأيوبى الذى أمربقتله..وبعد نفى ابن رشد إلى اليسانه كتب الخليفة الأندلسى المنصورمنشورًا أمرفيه الجماهيربعدم الاشتغال بالفلسفة..والعداء للمختلف لم يتوقف فيكون اغتيال فضيلة د .محمد حسين الذهبى وفرج فوده ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ..والموقف من الفلسفة لم يتغير، إذْ فى عهد عبد الناصرأصدروزيرالتعليم كمال الدين حسين قرارًا بإلغاء مادة الفلسفة من المرحلة الثانوية..ومع بداية الألفية الثالثة أصدروزيرالتعليم قرارًا بأنْ تكون مادة الفلسفة اختيارية..وهكذا يتلازم ثنائى الشرالمطلق: العداء للمعرفة (بمراعاة أنّ الفلسفة هى المدخل للمعرفة) واغتيال كل صاحب فكر..وصدق من قال ((من يبدأ بحرق الكتب ينتهى بحرق البشر)) ومع ذلك فإنّ الأحرارفى كل مكان مازالوا يبحثون عن أية معلومة عن الفيلسوفة المصرية هيباتيا..ويعيش سقراط فى الوجدان وفى الكتب..ونقرأ ما كتبه الحلاج والسهروردى وابن المقفع وابن الراوندى..وصدق الفيلسوف هيجل فى قوله الحكيم الذى لخص مأساة التعصب المصحوب بالدم فى جملة تحمل الأمل لذوى الضمائرالحية ((إنّ الخنجرلايقتل الأفكار)) وهكذا تبدو العلاقة العضوية بين الاستبداد وكراهية المعرفة.
***