تفكيك لمسودة دستور جزائري

رابح لونيسي
2020 / 5 / 25

تمهيد
وصلتني الكثير من الرسائل الإلكترونية تطالبني لما لم أدل بدلوي علانية في مسودة الدستور التي عرضتها السلطة في الجزائر لإثرائها ومناقشتها، فكان ردي دائما على هؤلاء بأننا نعتقد أنكم تعلمون جيدا، بأنني كتبت عشرات المقالات في المجال الدستوري والفكر السياسي، بل ألفت كتابا اطرح فيه نظاما سياسيا بديلا عنوانه "النظام البديل للاستبداد--تنظيم جديد للدولة والاقتصاد والمجتمع-"، لكن تبين لنا فيما بعد بأن من يفكر في الجزائر هو كمن يحرث في البحر، فلو طرحت أجمل ما عندك من حلول واقعية للجزائر، فلا النظام سيبالي بها، لأن ما يهمه منك أن تقول له ما يريده، وتبرر ممارساته لا غير، بل حتى الإعلام في عمومه لن يهتم بما تكتب وتطرح وتقول ولو ينشره، لأنه إعلام خاضع للسلطة التي تريد إقناع المجتمع أنها هي الوحيدة التي تفكر وتمتلك الحلول، فأي طرح بديل يجب طمسه، أما عن غالبية الشعب، فإنه لن يهتم بما تطرحه، فهو تحت سيطرة إعلام السلطة من جهة، ومن جهة أخرى فهو لايهمه لا فكر ولاحلول ولا دستور أصلا، فشغله الشاغل لأغلبيته هي المسائل الهوياتية فقط لا غير، لكن قلت لهؤلاء أنه من الممكن أن اكتب مقالات حول مسودة هذا الدستور مستقبلا، فلن أكتبها إلا لابرأ ذمتي لا غير كي لا يقول أي أحد في المستقبل أنني سكتت، وأنا المتعود على قول رأيي في كل ما يخص الرأي العام وكل القضايا سواء الوطنية أو الدولية، ولهذا سأنشر هذه المقالة لهذا الهدف لاغير، وقبل شروعي في مناقشة وتفكيك أهم ما ورد في هذه المسودة وطرح بعض البدائل، فإنني أتحفظ على إستخدام كلمة مسودة، فالأصح في نظري هو مشروع تمهيدي للدستور.

أولا- ثوابت المجتمع الجزائري
أن اكثر ما شغل الرأي العام هي المسائل الهوياتية، مما يدل على أن شعبنا لازال يعيش عصر العصبيات الدينية والطائفية واللسانية والقبلية والجهوية، وهو ما من شأ،ه تعقيد أي عمل سياسي ديمقراطي، لكن ما لاحظناه في مسودة الدستور في المسألة الهوياتية هو تعبيرها عن واقع المجتمع الجزائري الذي تتعايش فيه ثلاثية الإسلام والعربية والأمازيغية طيلة قرون، فعندما نتحدث عن ألأمازيغية لانحصرها في اللغة فقط كما يريد البعض، بل بصفتها أيضا كبعد ثقافي وعمق تاريخي للجزائر، فمادام مسودة الدستور تعبر عن هذا الواقع فلما غضب البعض من ذلك، ويسعون لإقصاء جزائريين من حقوقهم المواطنية الكاملة؟.
أن مسألة جعل الأمازيغية كمادة صماء يمنع تعديلها تستهدف تصحيح وضع آخر، لأنه في التعديل الدستوري الأخير الذي قام به بوتفليقة نلاحظ كأن هناك محاولة التلاعب بما يخص الامازيغية وجعلها كمادة مساومة، لأنها لم تكن ضمن المواد التي يمنع تعديلها، لكن اليوم في مسودة الدستور المقدمة اليوم، فقد أصبحت كذلك، خاصة أننا نعلم كيف حاول بعض الاقصائيين وأعداء البعد ألأمازيغي إبعادها من الدستور القادم للجزائر، إلا أن الرئيس تبون قد قطع الطريق على كل هؤلاء بجعلها من ضمن المواد غير القابلة لأي تعديل مستقبلا، والهدف من ذلك هو تعزيز الوحدة الوطنية التي أصبحت مهددة بفعل التهميش الذي تعرض له البعد الامازيغي في الجزائر منذ استرجاع الجزائر استقلالها، ولحسن الحظ أدركت السلطة ذلك متأخرا، لكن الوقت لم يفت بإعادة الاعتبار لهذا البعد الذي يشكل مع العربية والاسلام الأسمنت الذي تسقط أمامه كل محاولات ضرب وحدة الأمة الجزائرية أين تشبه فيها هذه الأبعاد الثلاث مثلث، فأي محاولة لإقصاء أحد أبعاد الهوية الوطنية الثلاث تنهار الأمة، كما يسقط المثلث بإسقاط أي ضلع له، ولهذا اعتقد انه بالإمكان تعزيز ذلك بوضع قانون يعاقب أي محاولة لضرب أو المساس بإحدى هذه الأبعاد الثلاث، لأننا نعرف أن تلك المحاولات والخطابات المعادية لإحداها هي التي تؤدي إلى ردود فعل عاطفية مقابلة، مما يضعف التماسك الاجتماعي ويهدد الوحدة الوطنية.
كما أن إعطاء المكانة اللائقة للبعد الامازيغي إلى جانب الإسلام والعربية سيسحب نهائيا البساط من كل من سيستغلها لأغراض أخرى، خاصة من دعاة الانفصال في منطقة القبائل، بل ظهر بعضهم حتى في الاوراس ووادي ميزاب مثلا، لكن كل هؤلاء الإنفصاليين ضعفوا نهائيا منذ أن بدأ البعد الامازيغي ياخذ مكانه الطبيعي في أرٍضه، وهو ما يحتاج إلى دعم اكثر كي لانترك أي مساحة لكل هؤلاء.
كما يجب الإشارة الي مسألة هامة علينا أن ناخذها بعين الاعتبار وهي أنه كلما اخذ البعد الامازيغي مكانته الطبيعية إلى جانب الإسلام والعربية تظهر أصوات ضده، لكن نعتقد بأن الكثير من هذه الأصوات الفايسبوكية تدخل في إطار مخطط مدبر منذ سنوات انطلاقا من بريطانيا وبتحريك صهيوني يستهدف تفكيك كل البلاد المغاربية، ومنها الجزائر على أسس أوهام عرقية واؤكد على كلمة أوهام، كما توجد أطراف هي ضحية المدرسة والتهميش الذي تعرض لها البعد الامازيغي، فهؤلاء من السهل إقناعهم، فما هم إلا ضحايا لاغير، وبالمناسبة فعندما نتحدث عن البعد الامازيغي لا يجب حصره في اللغة فقط، بل هو أيضا بعد ثقافي وعمق تاريخي يجب إعطائه أهمية اكبر كي تتصالح الجزائر مع ذاتها، وننتهي نهائيا من هذا المشكل الهوياتي الذي أختلق بسبب تعصب البعض أو ضعف الرؤية السياسية، فأخذ أبعادا خطيرة مهددة للجزائر ووحدتها ومستقبلها، فالحل النهائي للمشكلة الهوياتية سيسمح لنا للانطلاق الي آفاق أوسع، ونبني الجزائر في مجالات الاقتصاد والديمقراطية أين يعد مبدأ المواطنة فيها هام جدا، وكذلك الحريات دون المساس بأي بعد من أبعاد هويتنا وإحترام الاخر، كما يجب أن تسحب نهائيا هذه الأبعاد الثلاث للهوية من أي توظيف سياسوي.
كما نلاحظ هناك إختلالات بشأن الهوية في ديباجة المسودة، فكان بالأحرى عليها أن تقول فقط أن الجزائر أرض مغاربية تنتمي للفضاء الحضاري الإسلامي، فتتجنب بذلك أي إشارة إلى عرق معين سواء كان عربية أو أمازيغية لأن تحديد ذلك يمكن إثارة حزازات البعض.
كما لاحظنا ان الحديث عن ثلاثية الإسلام والعربية والأمازيغية فيها خلط كبير عندما تستخدم في نص المسودة باللغة العربية مصطلح "العروبة" بدل العربية على عكس النص باللغة الفرنسية الذي يقول العربية بصفتها لغة وثقافة على عكس العروبة التي هي أيديولوجية، لكن نعتقد ذلك كله ليس متعمدا بل يعود ذلك إلى عدم التنبه أو إتقان مسألة المصطلحات والمفاهيم.

ثانيا- المادة 95 المتعلقة بالجيش
أثارت هذه المادة بعض الإهتمام من المواطنين رافضة لها لأنها تعتقد بأن الهدف منها هو إرضاء أطراف تريد جر الجزائر إلى حروب ضد دول أخرى كما وقع في الحرب على العراق مثلا او تحت غطاء محاربة الإرهاب، فيصبح هذا الجيش في خدمة مصالح قوى كبرى، فهم محقون في ذلك في نظري، كما أن التاريخ قد اثبت لنا أن تدخل أي جيش ما في أي منطقة خارج الحدود يمكن أن يغرق فيها، ويحولها إلى مقبرة له كما وقع مثلا للجيش المصري في حربه في اليمن عام1963 أو السعودية في نفس البلد اليوم، كما أن أي مشاركة لهذا الجيش في حرب مايسمى ضد ألإرهاب الدولي خارج الحدود يمكن أن يضع الجزائر عرضة لإعتداءات إرهابية، خاصة أن الإرهابيين قادرون على التجنيد بتوظيف الدين وبإتهام أي جيش يشارك إلى جانب القوى العالمية كفرنسا أو أمريكا بأنه عميل لما يسمونها ب"القوى الصليبية الصهيونية"، وهو ما سينعكس سلبا على الجزائر وجيشها الذي يعد العمود الفقري للدولة.
لكن في نفس الوقت هناك طرح ينطلق من قراءة لمستقبل العالم وللنظام العالمي الذي هو بصدد التشكل منذ فترة، ويرى أن العالم مقبل في المدى المتوسط أي بعد سنوات علي تشكيل جيش عالمي أو دولي مشكل من جيوش بعض الدول، وتكون مهمته حفظ السلم والاستقرار في العالم، فلهذا تفكر بعض الدول في التموقع منذ اليوم كي يكون لها دور في هذا الجيش الدولي، ولا تبقى على الهامش، فهناك من نقل فكرة التموقع في أنظمة الدول الي التموقع على مستوى دولة عالمية هي بصدد التشكل بحكم تحول البرجوازية الوطنية التي كانت وراء تشكل الدول الوطنية في أوروبا الي برجوازية عالمية ستشكل حتما على المدى المتوسط دولة عالمية بنفس الطريقة، كما أن هناك دول تسعى أيضا للتموقع في هذا الجيش كي لاتكون ضحية لهذا الجيش الذي سيتشكل بفعل التطورات العالمية المستقبلية.
ممكن ما نقوله هو كلام عام، لكن بشأن هذه المادة، فنعتقد أنها ستطبق في حالات استثنائية جدا تخص الدفاع الوطني، لأن عقيدة الجيش التي تمنع أي عمل خارج الحدود بالمطلق دون أي إستثناء يمكن أن تضر في بعض الأحيان، خاصة بحكم ازمة المالي وليبيا وكل الأخطار الموجودة على الحدود، ولهذا أرتأى المشرع أنه لا يجب تقييد كل تحركات الجيش بالإطلاق مفضلا ترك هامش حرية ضيق جدا لتحركاته، فهذه المادة تشبه تقريبا آية القرآن الكريم التي تسمح بتعدد الزوجات لكن بتقييد كبير جدا.

ثالثا- السلطة القضائية
أن من أهداف القضاء هو الحكم بالعدل بين الناس دون أي تحيز وفقا للقوانين التي يجب أن تصدر من ممثلي الأمة في السلطة التشريعية، ولايمكن ضمان ذلك كله إلا بإستقلالية تامة للقضاء وبتوازن السلطات الثلاث كي لا تطغى أي سلطة على الأخرى حيث ستشكل كل سلطة حدا لسلطة أخرى عندما تتجاوز حدودها، فبالنسبة للجزائر، فقد وقع فساد سياسي ومالي كبير تجاوز كل الحدود، وقد حاول قائد الأركان قايد صالح رحمه الله محاربة ذلك، كما وعد في إحدى خطبه بأن الرئيس القادم ستكون أهم سمة له هي محاربة الفساد، وهو أمر يطالب به الجزائريون لأن الفساد المالي ونهب ثروات الأمة كانت سببا في تفقير فئات كبيرة من الشعب، لكن فلنضع في الحسبان أنه يستحيل محاربة الفساد إلا بقضاء مستقل فعلا وبتحصين الحريات وتطبيق فعلي لمبدأ "من أين لك هذا؟"، كما لا يمكن ضمان إستقلالية القضاء إلا بمجلس أعلى للقضاء مستقل وينتخب أعضاءه كلهم دون إستثناء من رجال العدالة ضمن شروط قاسية للمرشحين لهذه العضوية، وستكون في يد هذا المجلس تسيير كل ما يتعلق بالقضاء.

رابعا - نائب الرئيس وصلاحيات الحكومة
طرحت مسودة الدستور مادة تخص تعيين الرئيس نائبا له، فلنسجل أولا أن تعيين النائب كانت موجودة في مصر عبدالناصر ثم السدات، فلم يصل السادات ومبارك إلى السلطة إلا لأنهما كانا نائبين لعبدالناصر بالنسبة للأول وللسادات بالنسبة لمبارك، وبحكم ذلك تولوا الرئاسة بعد وفاة سلفيهما، ثم ثبتهما البرلمان في ذلك بعد فترة، وهناك نائب الرئيس في أمريكا الذي ينتخب مع الرئيس، فطبعا المسودة أخذت بالنموذج المصري في عهدي عبدالناصر والسادات، فلنشر أن هذه الفكرة كانت موجودة للدراسة في عهد بوتفليقة، وقد تحدثت عنها في إحدى حواراتي مع يومية الخبر(عدد 14أوت2018)، وذلك بهدف بقاء بوتفليقة وتسيير الشؤون العامة من طرف النائب الذي سيصبح رئيسا بعد وفاته، فعادت نفس الفكرة اليوم، فأغلب المعارضين لذلك، يرون يقولون بأي حق للرئيس تعيين نائبا له دون إنتخاب، لكن أنا أذهب ابعد من هؤلاء في شأن تعيين الحكومة كلها، وقد كتبت عن ذلك من قبل، فكنت أٌقول إنها ليست ديمقراطية عملية إنتخاب رئيس دولة ثم نفوض له الأمر في كل شيء، فنترك للرئيس المنتخب حقه الكامل في اختيار وزرائه ومساعديه، لأن عملية كهذه هي عملية انتخاب دكتاتور، ويبدو لنا أن الحل الأفضل هو انتخاب كل طاقم السلطة التنفيذية سواء كان على المستوى المركزي أو المحلي، ولهذا فعلى كل حزب سياسي أو تحالف أحزاب أو مواطنين تقديم قوائم حكومية مختلفة ينتخبها الشعب بالأغلبية المطلقة في دورين، وبالتالي يكون الشعب قد اختار كل الطاقم الحكومي الذي يسير الحياة العامة لمدة معينة وببرنامج معين له أهداف محددة، وتتم محاسبة السلطة التنفيذية عن مدى تطبيق برنامجها وتحقيق أهدافها في نهاية العهدة من طرف أجهزة خاصة، لأن الانتخاب عملية عقد بين الناخب والمنتخب، وإلا تعرض الطاقم المنتخب وحزبه لعقوبة صارمة مثل إقصائه نهائيا من ممارسة العمل السياسي لأنه نقض العهد، إلا إذا قدم أسبابا موضوعية لعجزه في تحقيق وعوده، وبهذا ستكون البرامج السياسية واقعية وعلمية بدل الديماغوجية والكذب والميكيافيلية كوسائل للوصول إلى السلطة.
فبهذا الشكل فقط سيظطر كل مترشح للرئاسيات إختيار أفضل طاقم حكومي يراه لأنه شرط لإنتخابه من الشعب. يبدو أن الشعوب في الغرب بدأت تبتعد تدريجيا عن النقاشات السياسية، كما ضعفت نسب المشاركة في الانتخابات العامة، ويعود ذلك في نظرنا إلى يأس هذه الشعوب من التغيير عن طريق الانتخابات، لأنه لا فرق بين ما تقوم به مختلف الأحزاب التي تصل إلى السلطة، وبأنه تنافس سياسي داخل طبقة برجوازية همشت أغلبية الشعب، بالإضافة إلى أن النظام سواء أكان رئاسيا أم برلمانيا، فإن الحكم الفعلي هو في يد هذه الطبقة البرجوازية التي تملك المال الذي يوصل إلى السلطة، ما دام المال هو عصب الحملات الانتخابية والإعلام في الديمقراطية الغربية، مثلما لا توجد للبرلمان أية رقابة فعلية على السلطة التنفيذية في الأنظمة البرلمانية، ما دامت هذه السلطة تنبثق من أغلبية البرلمان، فكيف يراقب برلمان حكومة منبثقة من أغلبيته؟.
أما في النظام الرئاسي فنفس الأمر تقريبا إذا كان الرئيس يمتلك الأغلبية في البرلمان، وإذا كان لا يمتلكها فعليه إما حل البرلمان أو التعايش مع حكومة متنافسة معه، مما يوقع الدولة في جمود وانعدام الديناميكية، هذا ما يدفعنا إلى طرح إشكالية: كيف نوفق بين الحفاظ على فعالية السلطة التنفيذية وإبقائها في نفس الوقت في خدمة مصالح كل شرائح المجتمع دون استثناء لا خدمة طبقة أو فئة أو شريحة معينة تحت غطاء القانون أو منطق ومصلحة الدولة وغيرها من الحجج والذرائع الواهية التي تستخدم لإبقاء الإستغلال والسيطرة.

ما دام قد قلنا أن الحكومة أو السلطة التنفيذية بكامل أعضائها تنتخب مباشرة من طرف الشعب، مما يمنع أية ضغوطات على الرئيس المنتخب عند اختيار طاقمه الحكومي، ومادامت الأحزاب ينتهي دورها في ترشيح قوائمها للانتخابات والتنافس على السلطة التنفيذية على المستويات المركزية والمحلية، وبعبارة أخرى فإن الحكومة تكون من حزب واحد فقط، وما دامت الأحزاب السياسية يمكن أن تكون برجوازية منفصلة عن الجماهير، أو يمكن أن تمثل شرائح ضيقة فقط من المجتمع، فإن البرلمان من المفروض أن يتشكل من ممثلي مختلف مكونات الأمة والشرائح الاجتماعية والمهنية كالأطباء والعمال والمهندسين والأساتذة ورجال الأعمال أو أصحاب رؤوس الأموال في المؤسسات... وغيرهم، بل وحتى البطالين إن وجدوا في المجتمع، ويتم الانتخاب على هؤلاء الممثلين مباشرة من طرف الذين يمثلونهم –حسب عددهم ونسبتهم في المجتمع-، وليس عن طريق المؤتمرات كما يحدث اليوم لممثلي مختلف النقابات التي أصبحت مافيا متحالفة مع الكمبرادور في العالم الثالث ومع البرجوازية في المركز الرأسمالي، إن لم نقل أن دورها يتلخص في كبح العمال عن المطالبة بحقوقهم أو المتاجرة بهم لتحقيق امتيازات وراء أخرى.
وبهذا الشكل تتحقق الرقابة المباشرة من طرف ممثلي كل المجتمع دون استثناء أية شريحة منه على السلطة التنفيذية المنتخبة مثل أعضاء البرلمان، إلا أن قوة البرلمان تكمن في أنه يمثل كل الشعب أو المجتمع عكس الحكومة أو السلطة التنفيذية التي تمثل أغلبية مطلقة يمكن أن لا تتعدى في بعض الأحيان 51% من الشعب، مما يستدعي تقييد تصرفاتها بدقة، لأنه لا يمكن لـ 51% أن يفرض دكتاتورية على 49% المتبقين، وعلى هذا الأساس فإن للبرلمان رأيا قويا في القوانين التي تقترحها الحكومة، ولممثلي كل شريحة اجتماعية أو مهنية تمتلك حق الفيتو ضد أي مشروع قانون مرتبط بها أو يمس مصالحها مباشرة، حتى ولو صادق عليه كل ممثلي الشرائح الاجتماعية الأخرى، وفي حالة تناقض مصلحة الدولة مع مصلحة شريحة معينة من المجتمع أو وقع تناقض بين مصالح عدة شرائح اجتماعية حول مشروع قانون معين، فيمكن التفاوض بين الأطراف المختلفة والتنازل فيما بينها برضى كل الأطراف المتنازعة حول مشروع القانون .
كما يجب على هؤلاء الممثلين عدم الحصول على أي إمتيازات، وسيتقاضون نفس الأجور التي يتقاضونها في عملهم الأصلي، ويبقوا تابعين لنفس الشريحة الإجتماعية والمهنية التي يمثلونها كي تبقى مصالحهم مرتبطة بمصالح تلك الشريحة.

خماسا- تحصين الحريات
لايمكن تحصين الحريات إلا بإنتخاب رجال الإعلام بل حتى الفكر والثقافة ممثليهم في مجلس أعلى للإعلام والثقافة تكون مهمته مثل مهمة المجلس الأعلى للقضاء أي اعضائه كلهم منتخبون وفقا شروط قاسية للترشح لهذا المجلس الذي ستكون مهمته تسيير كل ما يتعلق بالإعلام ومنها عملية الإشهار التي يجب أن تنتزع من السلطة، لأنها به تتحكم في تمويل الإعلام وبه تتحكم في حرياته.
فعلى هذه الهيئة أن تقوم بتسيير وإدارة مختلف أجهزة الإعلام والثقافة كالتلفزيون والمؤسسات السينمائية والفنون ودور النشر... وغيرها من الوسائل التي عبرها يمكن صناعة الرأي العام، كما توكل إليها مهمة ضبط الإشهار، الذي يعد مربط الفرس في عملية حرية الإعلام، لأن السلطة التي تعمل من أجل إحتكار عملية الإشهار لا تستهدف من خلال ذلك إلا التحكم الغير مباشر في وسائل الإعلام، وبهذا الشكل فقط نكون قد وضعنا أخطر الأجهزة في هذا العصر المتصف بعصر الاتصالات في يد أصحابها الحقيقيين بدل وضعها في أيدي السلطة في الأنظمة الدكتاتورية والشمولية أو تحت سيطرة رجال المال والأعمال مثلما هو حاصل اليوم في الديمقراطيات البرجوازية.
ولا يمكن ضمان فعلي لمختلف الحريات التي نصت عليها مختلف الدساتير الحديثة إلا بإعطاء الحصانة لهؤلاء سواء أكانوا أعضاء في الهيئة الدستورية التي تمثلهم أم لا، ولا يمكن رفع الحصانة عنهم إلاّ من طرف هذه الهيئة فقط ، وذلك في حالة القيام بأعمال يعاقب عليها القانون أو تناقض المهمة النبيلة التي كلفهم المجتمع والأمة بها.
وعلى هذأ المجلس الأعلى للإعلام والثقافة أن تكون مستقلة استقلالا تاما عن مختلف السلطات الأخرى والأحزاب السياسية

سادسا- مجلس الأمة
تعرض إبقاء مجلس الأمة لعدة إنتقادت، فقد تناسى البعض بأن جذور وضع هذا المجلس في دستور1996 هو كبح نهائي للمجلس الشعبي الوطني بواسطة الثلث الرئاسي الذي له حق الفيتو ضد أي قانون لايرضي السلطة يكون قد مر بالموافقة في المجلس الشعبي الوطني، ولهذا طالب البعض بإلغائه، لكن هذا المجلس موجود في عدة دول، ومنها فرنسا وحتى بريطانيا فيما يسمى بمجلس اللوردات، وهو يضم رجال ذوي حكمة وتجربة، لكن نحن أصلا الثلث الرئاسي يجب أن يتكون من رجال العلم والفكر، لكن أنحرف بوتفليقة عن ذلك على عكس زروال الذي وضع هذا المجلس في الدستور المقترح منه في 1996، ولهذا فلنسجل ملاحظة هامة جدا لإعطاء هذا المجلس دورا أخر اكثر فعالية ومنها خدمة المجتمع، فلنوضح ذلك.
فلنبق على مجلس الأمة لكن بمزج نظامين سياسيين فليكن المجلس الشعبي الوطني منتخب حسب الدوائر الإنتخابية أي الولايات على أساس حزبي، أما مجلس الأمة، فيتم الإنتخاب له على أساس شرائح المجتمع والفئات المهنية التي طرحناها من قبل، والتي تتحول إلى دوائر إنتخابية بدل الولايات، وذلك كي تمثل كل الشرائح والفئات المهنية فيها كي يتسنى لها الدفاع عن مصالحها، فيعطى حق الفيتو لكل شريحة أو فئة مهنية على كل قانون يخصها، وفي حالة وجود قانون يخص عدة فئات أو يستحيل ‘لى الحكومة تجاوزه، فيتم التوصل إلى الإتفاق فيما بينها بتنازلات من كل الأطراف.
ولايمكن تحقيق ذلك إلا بمنع أي إمتيازات عن هؤلاء الممثلين كي تبقى مصالحهم مرتبطة بمصالح الفئة الإجتماعية أو المهنية المنتمين إليها، كما يطبق مبدأ "من أين لك؟" على الجميع كي يمنع شراء ذمم أي كان من السلطة التنفيذية ورجال المال، ويطبق مبدأ منع الإمتيازات على كل من يتولى مناصب سياسية في البلاد من القمة إلى القاعدة، وتبقى أجورهم هي نفس الأجور التي يتقاضونها من عملهم بإستثناء الذين ليس لهم أجور كالبطالين الذين من المفروض أن ينعدموا في المجتمع بفعل ثورة صناعية وإقتصادية شاملة.