مغزى تلميع الأصولى الإسلامى الغنوشى

طلعت رضوان
2020 / 5 / 24

الرئيس التونسى (قيس سعيد) لأنه (مؤمن) بالتعريف العلمى لمعنى (الوطن) لذلك اتخذ الموقف الوطنى الواجب على أى رئيس دولة، يحترم منصبه..وفى نفس الوقت يحرص على مصلحة شعبه..واستقراروطنه..ومن أجل ذلك لم يخش ردود أفعال تيارالأصولية الإسلامية، عندما انتقد أفعال الزعيم الإسلامى (راشد الغنوشى) الذى بارك وأيــّـد تدخل تركيا فى الشأن الليبى..وقال الرئيس قيس: إنّ تونس دولة واحدة..ولها رئيس واحد سواء فى الداخل أوفى الخارج..وهونفس الموقف الذى تبنــّـاه أغلب أعضاء البرلمان، الذين عارضوا تصرفات الغنوشى المشبوهة، وطالبوا بعقد جلسة لمناقشة (سحب الثقة منه) وأيــّـدوا الرئيس فى ضرورة عودة الأموال المنهوبة، إلى تونس لأنها من حق الشعب التونسى.
إنّ شخصية راشد الغنوشى تــُـثيرالكثيرمن علامات الاستفهام على رأسها أنه فى عام2014منحته مؤسسة ابن رشد جائزتها وهى تعلم أنه رئيس(حزب النهضة الإسلامى التونسى) ويشغل منصب مساعد الأمين العام للاتحاد العالمى لما يسمى (علماء) المسلمين..وعضومكتب (الإرشاد) العالمى للإخوان المسلمين..والسؤال التالى: كيف وصل لمنصب رئيس البرلمان التونسى..وفى آخرتصريح له (يوم27 نوفمبر2019) قال: إنّ العلمانيين مرتدون..ويجب قتالهم حتى ولوكانوا يصلون.
أعتقد أنّ مؤسسة ابن رشد التى تزعم أنها (مع التنوير) بينما منحها جائزتها لأحد الأصوليين الإسلاميين، مغزاه أنها تسعى- بقصد أوبحسن نية- لتكريس التخلف..ومعاداة شعوب المنطقة (العربية المنكوبة بأمثاله) لأنّ هذه الشعوب تتوق لآفاق الحرية..كما أنّ منح الجائزة لواحد من رموزالإسلام السياسى..ودأب على معاداة كل أشكال الديمقراطية..ومحاولة (سجن) شعبه فى (كهوف الماضى) بينما الشعب التونسى هوالذى انتفض فى عام2011ضد الظلم الاجتماعى..وأعلن عن إيمانه بالتعددية الثقافية والدينية..وضد الانغلاق فى (سجن الأحادية) التى هى بضاعة الإصوليين من أمثال الغنوشى..وهذه البضاعة هى أحد أسباب تخلف الشعوب التى استسلمتْ لهذه البضاعة المخدرة للعقول.
وإذا كانت مؤسسة ابن رشد ارتكبتْ هذا الفعل المدان من (تيارالفكرالحر) فإنّ مجلة (فورين بوليسى الأمريكية) فعلتْ شيئــًـا مشابهـًـا عندما وضعتْ الغنوشى فى (قائمة أفضل مفكرفى العالم) عن عام2011(عام الانتفاضة التونسية) بالمشاركة مع آخرين..ومجلة (فورين بوليسى) أسّـسها عام1970(صامويل هنتجون) مؤلف كتابه الشهير(صراع الحضارات) والمخطط للسياسة الخارجية للرئيس جيمى كارتر..وفى عام2004أصدركتابه (من نحن؟) الذى حاول فيه (تفنيد) الحقيقة الثابتة (تاريخيـًـا) والمؤكدة..وهى أنّ أمريكا الشمالية (تكوّنت من المهاجرين الأوروبيين) ولكن تلك الحقيقة لم تعجب هنتجون..وكتب ((لم يكونوا مهاجرين بل مستوطنين))
وإذا كان كلام هنتجون يحتاج لمقال مستقل، لأنّ تركيزى هنا هوعن مغزى (تلميع) أحد وجوه الإسلام السياسى (العدوللدولة المدنية الليبرالية) من مؤسسة ابن رشد مرة..ومن المجلة الأمريكة (فورين بوليسى) مرة ثانية؟
فهل الغنوشى أصبح أحد التنويريين من وجهة نظرمؤسسة ابن رشد..ومن المجلة الأمريكية؟ وإذا كان الغنوشى أحد التنوريين، فهل يكون المفكرالكويتى الراحل د.أحمد البغدادى (يناير1951- أغسطس2010) من أعداء التنوير..وأعتقد أنه برحيله المُـبكرخسرالمؤمنون بالتعددية النابذون للأحادية، كاتـبًـا امتلك شجاعة اقتحام أرض الأصوليين رغم كثرة الألغام بها..وبدأ الهجوم عليه عندما أكد فى كتاباته المبكرة أنّ الحرية والتقدم لن يتحققا إلاّبعلمنة مؤسسات الدولة. أى بفصل الدين عن السياسة. بفصل المقدس عن غيرالمقدس. بفصل الثابت والنهائى عن المتغيرواللانهائى..ولذلك صوّب عليه الأصوليون مدافع التكفير، خاصة بعد أنْ نقد نظام التعليم الكويتى الذى يُـقحم الدين حتى فى المواد العلمية، لكن التحريض على قتله لم يجعله يتراجع..وإنما كتب مقاله الشهيرالذى ذكرفيه أسباب سحب ابنه من مدارس الكويت، لأنه يتمنى له أنْ يكون فنانــًا تشكيليـًا أوموسيقارًا أوطبيـبًا أعالمًا يُفيد البشرية ولايريد له أنْ يكون ضمن كتائب المتاجرين بالدين فى الفضائيات..ولم تكن معركته مع الأصوليين وحدهم، وإنما مع الثقافة العربية السائدة..وهوواحد من تيارالليبرالية قليل العدد عظيم التأثير، أمثال المفكرالسورى صادق جلال العظم والمفكرعزيزالعظمة والمفكراللبنانى عادل ضاهروالمفكرالعراقى هادى العلوى والمفكرالسعودى عبدالله القصيمى والمفكرالمصرى عبدالهادى عبدالرحمن وأ.محمد سعيد العشماوى والراحل خليل عبدالكريم، وبالطبع جيل الرواد أمثال لطفى السيد وطه حسين وسلامة موسى وسعاد الرملى إلى آخرقائمة هذا الجيل.
فى كتابه (أحاديث الدين والدنيا) الصادرعن مؤسسة الانتشارالعربى عام 2005أكد د.البغدادى الحقيقة التى يتغافل عنها الأصوليون وهى أنّ بعض الأحكام الدينية توقف العمل بها مثل الرق وملك اليمين..وأشارإلى ما أثبته السيوطى فى كتابه (الإتقان فى علوم القرآن) عن اختلاف القراءات وما أدخله البعض من تعديلات على بعض الكلمات..وأنّ الخليفة عثمان جمع المسلمين على مصحف واحد وأحرق بقية المصاحف..وأنّ البخارى أخذ سبعة آلاف حديث من أصل سبعمائة ألف، لذلك أصبح من لايصلى كافرًا استشهادًا بحديث قاله نبى الإسلام، فى حين أنّ القرآن الذى هوالأصل ومبتدأ الوحى لم يقل بذلك..ومع ملاحظة أنّ الأحاديث كــُـتبتْ بعد أكثرمن مائتى عام من زمن الرسول..وعلى المفكرأنْ يسأل عن مدى صحة الحديث المنسوب إلى الرسول (يقطع الصلاة الكلب والحماروالمرأة) الوارد فى صحيح البخارى وكذلك حديث (ما أفلح قوم قط ولوا أمرهم امرأة)
ما يُميزالراحل أحمد البغدادى رفضه للتزويرأوحتى التزويق (= التجميل) فرغم أنه كويتى الجنسية فهويرى أنّ تخلف العرب (الثقافى والمادى) وثيق الصلة بالموروث العربى..وعلى سبيل المثال فإنّ مايفعله الحكام العرب فى القرن الحادى والعشرين..هوماكان يفعله الخلفاء فى العصورالوسطى ((فإهدارالمال العام وإطلاق يد الحاكم فى إنفاق هذا المال بما يُهدد مبادىء العدالة والمساواة..هوأمرمعروف فى التراث العربى الإسلامى على المستوى السياسى، بسبب خلوهذا التراث من مبدأ الفصل بين السلطات الذى أخذ به الفكرالأوروبى لغل يد الملوك من التصرف فى الشأن العام)) لذلك تخلوكتب الفقه من الحديث عن مفهوم (الدولة) ((والفقهاء الذين حرصوا على تبيان أدق التفاصيل حول الوضوء لم يبدوا أى إهتمام بالسلطة السياسية..وتخلوكتب الأحكام السلطانية والسياسية من أى تأصيل فكرى حول كيفية نشأة السلطة..ومن ثم الدولة على غرارالفكرالأوروبى..كما أنّ اللغة العربية تخلومن المعنى الاصطلاحى للدولة)) (ص 123) وعن المواطنة ذكر((لايرد فى دساتيرالأنظمة العربية أى ضمان لحرية الأديان ويقتصرالأمرعلى حرية العقيدة التى تظل حبيسة الصدرمن دون الممارسة الخارجية خوفــًـا من مُـحددات النص الدينى، فى حين أنّ حرية الأديان حق أصيل من حقوق الإنسان..وبسبب ترسخ مبدأ المواطنة ماعاد أحد يهتم بديانة أحد..وبلغ الأمرمداه فى إلغاء شرط الديانة من تولى المناصب العامة فى الدولة القومية حتى لوكان دينها الإسلام)) إنّ الدولة القومية رسّختْ فكرة المواطنة ((وألغتْ التمايزبين المواطنين بسبب الدين فكان من الطبيعى أنْ يزول مصطلح (أهل الكتاب) لعدم ملاءمته للواقع الاجتماعى والسياسى الحديث حيث أصبح الجميع سواسية أمام القانون))
ولم يُـخالف د.البغدادى ضميره العلمى حين كتب ((إنّ الحياة المرفهة التى عاشتها النخب فى العصورالإسلامية، ماكان لها أنْ تتم لولا الاستغلال الفاضح للأعراق الأخرى غيرالعربية التى تمّـتْ مصادرة حقوقها الإنسانية كرقيق، فالعرب كانت تتعامل مع فكرة الغزوكمؤسسة مالية واجتماعية توفرالرقيق للعمل اليدوى فيما هم ينصرفون إلى ممارسة التجارة واللهو، كما يوفرالغزوسبى النساء للمتع الجنسية بشكل واضح وصريح وقاطع..وأنه لولاالغزو..ومشروعيته لما توفرالمال بين المسلمين)) وأنّ الجماعات الإسلامية المعاصرة يستندون إلى حديث "من قتل قتيلا فله سلبه" وهذا فى الغزويدل دلالة قاطعة على أنّ الغزوكان المورد الاقتصادى الوحيد..وبتعبيرآخرلم يكن المجتمع الصحراوى منتجًا للسلع ولايزال..ومجتمع لاينتج لايمكن أنْ يكون فيه اقتصاد حقيقى بالمفهوم المعاصر)) (ص 152،153)
وإذا كان الخليفة عمربن الخطاب أوقف بعض النصوص مثل المؤلفة قلوبهم فإنه أسس قاعدة (إذا اتسع الواقع ضاق النص) ولذا فإنّ ((الدنيا أوالواقع اليوم واقع مُـفارق للنص مهما حاولنا إيجاد الأعذار، فاتساع الدنيا الجديدة أكبربكثيرمن حجم النص الذى تحدّدتْ أحكامه ب (دنيا) المدينة المنورة..وهى دنيا ضيقة لايتوافرفيها تراث حضارى كما هى الحال فى مصروالعراق والشام..ومع انعدام التراث الحضارى لم تشهد الجزيرة العربية أية نهضة حضارية خاصة وأنّ العرب أمة أمية. إنّ الحضارة ترتبط بالدنيا لابالدين..ومن هنا خطأ مقولة (الحضارة الإسلامية) كما أنّ اللغة العربية والدين الإسلامى يخلوان من أى تعريف لغوى أواصطلاحى للحضارة، لأنّ التراث التاريخى والفلسفى والعلمى لم يقم على النص الدينى..وهذه الثقافة الدنيوية ليست مستمدة من الدين..وإنما من المؤثرات الثقافية للبلاد التى تم غزوها باسم الإسلام)) (من 158- 162)
ومن بين أسباب غضب الأصوليين عليه موقفه من المتاجرين بالدين حيث ذكر((لقد أصبح الدين اليوم مجالا للاسترزاق..ورجل الدين اليوم دنيوى بكل معنى الكلمة. رجل الدين خلقه الواقع لا النص الدينى..وهل قضى النص الدينى على الفقركما يدّعى د. يوسف القرضاوى، فى مجتمع مُـنقسم اجتماعيًا إلى طبقتين: الأحراروالعبيد، حيث تمتلك الطبقة الأولى كل شىء ولاتمتلك الثانية إلاّعبوديتها)) (ص 181) أما القضاء الحقيقى على الفقرفقد تم بوسائل بشرية100% (التوزيع العادل للثروة ، توفيرفرص عمل) أى الوسائل الاقتصادية الحديثة..وليس فرض الزكاة والصدقات التى لايمكن أنْ تفى باحتياجات المجتمعات المعاصرة.
وعن دورأمريكا فى دعم الأصولية ذكرأنها هى والسعودية شجعتا على مصطلح الجهاد، دافعة بالشباب نحوأفغانستان لإذلال الجيش السوفيتى بالسلاح الأمريكى والمال السعودى، حتى تجارة المخدرات كانت مقبولة ومسكوتًا عنها..وتدورالدائرة فإذا بمنشورات الأصوليين، سواء حين الاعتداء على القوات الأمريكية أوالمؤسسات السعودية أوحين يقومون بذبح أحد الرهائن، دائمًا يفتتحون منشوراتهم بآية قرآنية ويختتمونها بآية أخرى من آيات القتال، وهى مشاهد تؤكد للغرب أنّ الدين الإسلامى يدعو للعنف، لذا يجب تفعيل باب أسباب النزول والتحفظ على قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لابخصوصية السبب) لأنّ ذلك سيؤدى إلى كارثة بالإسلام والمسلمين (من ص 202- 205) وفى فصل مهم عقد مقارنة بين مواد حقوق الإنسان العالمى ودساتيرالدول العربية المخالفة لهذه الحقوق بسبب التفرقة بين المواطنين على أساس الجنس (ذكروأنثى) والدين (مسلم وغيرمسلم) وأنه إذا كانت دولة عربية ترفض بناء كنيسة على أراضيها، فهى فى نفس الوقت تبنى آلاف المساجد فى البلاد ذات الديانة المسيحية..ويرى أنّ خروج العرب من مأزقهم الحضارى لن يكون إلاّ بتحويل ((النظام السياسى العربى من العلمانية الجزئية التى يعيشها (فى إشارة إلى ما نادى به د.عبدالوهاب المسيرى) إلى العلمانية الكاملة على مستوى الدولة، أى تبنى سياسة فصل الدين عن الدولة، بوضع حاجزواضح قاطع بين الدين وصناعة القرارالرسمى بأنواعه المختلفة..وهذا هوالأسلوب الوحيد لإنهاء حالة النفاق السياسى الذى تمارسه الأنظمة العربية والإسلامية مع الدين، فى حين أنها تمارس الميكافيلية بأبشع صورها..ومن دون أنْ نتجاهل حقيقة التحالف السياسى بين أنظمة سياسية فاقدة للمشروعية الدستورية..والجماعات الدينية التى توفرالمشروعية الدينية لأنظمة سياسية مستبدة)) (ص 280، 281)
فمن الذى يستحق جائزة ابن رشد؟ الغنوشى الإصولى المكفراتى؟ أم المفكرالحر د.أحمد البغدادى؟ سؤال أتركه لضميرالمسئولين عن الجوائزالعربية..وإلى متى سيستمرالتضليل العروبى/ الإسلامى/ الأمريكى؟
***