نقض النص الإلهي حول إسطورة إبليس

هيبت بافي حلبجة
2020 / 5 / 23

بعدما إنتقدنا المفكر السوري محمد شحرور في مفهومه للشيطان ، في إطروحته الجوهرية حول عصيانه لأمر إلهي ، وهو عدم السجود لآدم ، وكذلك ، بعدما إنتقدنا المفكر السوري صادق جلال العظم في قضية ذات إشكالية عظمى ، ذات إشكاليات عديدة ، وهي ماتسمى تاريخياٌ بمأساة إبليس ، نود ، الآن ، أن نبدي عدة ملاحظات إنتقادية للنص الأصلي ، للنص الإلهي ، للنص المعتمد حول إسطورة إبليس . ذلك النص المذكور في سورة الأعراف ، الآية 10 إلى 17 ، وفي سورة بقرة ، الآية 30 إلى 34 ، وفي سورة الحجر الآية 28 إلى 41 .
سورة الأعراف : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . قال فأهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج منها إنك من الصاغرين ، قال فأنظرني إلى يوم يبعثون ، قال إنك من المنظرين ، قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ، ثم لأتينهم من بين إيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين . قال اخرج منها مذوماٌ مدحوراٌ لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين .
سورة البقرة : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك . قال إني أعلم ما لا تعلمون . وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال إنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، قال يا آدم إنبئهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ماتبدون وماكنتم تكتمون . وإذ قلنا للملائكة إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وأستكبر وكان من الكافرين .
سورة الحجر : وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراٌ من صلصال من حمأ مسنون ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين . قال يا إبليس مالك ألا تكون من الساجدين ، قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون . قال فأخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين . قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ، قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ، قال رب بما أغويتني لأزينن لهم الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين .
هذه النصوص المقدسة تحتوي في ثنايا جملة من الإشكاليات التي قد لاتوافق القصد الفعلي منها ، سواء من الناحية الحدوثية أم من الناحية الإنطولوجية المتماثلة معها . لذلك نود ان نبدي عدة ملاحظات جوهرية تتعلق بمحتوى هذه الواقعة ، أي عدم السجود لآدم :
الملاحظة الأولى من الملاحظ مباشرة إن هذه النصوص الإلهية قد أتت بصورة كيفية ، بطريقة سردية متباينة ، وكإنها تقص إقصوصة حدثت في موضع ما ، ففي سورة الحجر ، إني خالق بشراٌ من صلصال من حمأ مسنون ، وإذا سويته ونفخت فيه من روحي ، وفي سورة البقرة ، إني جاعل في الأرض خليفة ، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، وفي سورة الإعراف ، خلقناكم ومن ثم صورناكم ، لآتينهم من خلفهم ومن بين أيديهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم . أما والحقيقة ، فإن القضية حدثت في هذه الآن ، في الآن المحددة ، أي إن إله الكون قد أراد وشاء في الآن ، هذه الآن ، أن يجمع الملائكة ويقدم لهم آدم ويأمرهم بالسجود له ، ومن ثم ينتظر النتيجة التي على ضوئها حدثت تداعيات مصيرية . فالقضية هي حدث وليست قصة ، أي إنها وقعت بطريقة واحدة وحيدة ، أي صدور أمر إلهي وسجود أم لاسجود . والتباين والمفارقة في سردها لايمكن أن يحدث إلا إذا كان المصدر هو أرضي وليس سماوي ، أي إنها ، في أصولها ، حدثت في ذهنية أرضية ، في قراءة أرضية مباشرة للنجربة البشرية ، وليس في ذهنية سماوية ربانية . فهل يعقل أن يسرد إله الكون ، وهو الإله المفترض للواقعة وللنص المقدس معاٌ ، أن يسردها بطرق عديدة متباينة وهي ، في جوهرها ، قد تحققت بمنظور حصري مقيد .
الملاحظة الثانية قد ينبري أحدهم للدفاع ضد الملاحظة الآولى بإدعائه إن القضية هي ، برمتها وأصلها وتأصيلها ، رمزية صرفة ، إن هذا الإدعاء مردود ومتهافت ، ولايقوى على الصمود ، من الزوايا الأربعة التالية :
الزاوية الأولى فلو كانت القضية رمزية لتهالكت كافة النتائج المترتبة عليها ولأصبحت باطلة ، وهذا نقد آخر ضد إطروحات صادق جلال العظم ، وضد المنظومة الفكرية لمحمد شحرور ، أي لغدت الغواية ، مثلاٌ ، مجرد مقولة للإستئناس بدون أية قيمة ذات فاعلية في عملية الثواب والعقاب ، وفي إطروحات الجنة والجحيم .
والزاوية الثانية لولا البعد الإنطولوجي ، الذي ينفي جذرياٌ أية إمكانية للرمزية ، ماكان ثمت وجود لإبليس وللمعصية وللشر وحتى لإله الكون ، فحقيقة بناء البعد الإنطولوجي في الواقعة ، حقيقة وجود إبليس ، حقيقة وجود آدم ، حقيقة السجود ، حقيقة بقاء إبليس إلى يوم الدين ، هي التي جعلت الإله إلهاٌ ، ووهبت التجربة البشرية التفسير الوجودي المفترض ، وإلا ماكانت هناك أية تجربة بشرية حسب مفهوم الخلق والخالق ، ولاحتى بشر ، ولا حتى إله الواقعة .
والزاوية الثالثة لو وجدت الرمزية لخلقت أبعادها من ذاتيتها ، على خلاف هذه الواقعة ، فإن بقاء إبليس إلى يوم يبعثون هو مطلب خارجي لبنية الواقعة سواء من قبل إرادة إبليس في موضوع الطلب وحدوثه ، سواء من قبل إرادة إله الكون في موضوع القبول وحدوثه ، وهذا نقد إضافي ضد إطروحات صادق جلال العظم ، وضد المنظومة الفكرية لمحمد شحرور ، فالواقعة مؤتلفة من القسم الحقيقي الأصيل وهو موضوع الأمر الإلهي وموضوع عدم سجود إبليس لآدم ، ومن القسم المزيف الإضافي وهو طلب إبليس من إله الكون ، رب أنظرني إلى يوم الدين ، ومفهوم الغواية ، ومفهوم إستمرارية المعصية إلى يوم الدين ، ولولا هذا القسم الإضافي ما كان للواقعة أي معنى .
الزاوية الرابعة إن موضوع الغواية يستنزف كل إمكانية لتوافر الرمزية ، وبدون الغواية تنعدم أصول الواقعة ، فعلى فرض إن الأمر الإلهي قد صدر ، وإن إبليس لم يسجد للملائكة ، وتحققت المعصية ، وعلى فرض إن إبليس طلب من إله الكون أن ينظره إلى يوم يبعثون ، وقبل هذا الإله هذا الطلب ، فماهي ضرورة إنتقام إبليس من آدم عن طريق الغواية !! لماذا الغواية تحديداٌ !! هل الغواية تجبر البشر على معصية الأوامر الإلهية !! أم إن الغواية جعلت من إبليس إلهاٌ ، وهذا ما حدث فعلاٌ ، أي إن الغواية مطلب إلهي ولاعلاقة لها ببنيوية الواقعة .
الملاحظة الثالثة وهي مؤتلفة من جانبين ، الأول وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، والثاني قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك .
في الجانب الأول وحسب التكويني الخلقي ، هناك إله الكون ثم خلقه للملائكة ، ثم خلقه لآدم ، ومن المفروض أن يكون آدم في الجنة وليس على الأرض ، ولقد أهبطه إله الكون إلى الأرض بعد الغواية ، أي بعد أن أغوى إبليس آدم ، وليس في البداية . زد على ذلك ، ولو صدق النص الإلهي ، لدل ذلك على إن إرادة إله الكون كانت قد قررت مصير آدم على الآرض بغض النظر عن حدوث الغواية وموضوع الشجرة وعدم الإقتراب منها .
وفي الجانب الثاني إن قول الملائكة ، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، هو قول لاحق للتجربة البشرية وليس قولاٌ سابقاٌ ، والدليل على ذلك ، لو تصورت نفسك في موضع الملائكة ، وأنت تسبح بحمد إله الكون ، ثم يأتي هذا الإله قائلاٌ لك وأنت في السماء ، في الجنة معه ، إني جاعل في المشتري خليفة ، فما هو القول الأولي ، أو الفكرة الأولية التي تبادر إلى ذهنك ، إن هذا المخلوق سوف يسبح بحمد إله الكون مثلك ، وسيقدس له ، ومن المستحيل ، بالقطع التام ، أن يتبادر إلى ذهنك إن هذا المخلوق سوف يفسد في المشتري وسوف يسفك الدماء ، ولو تبادر ذلك إلى ذهنك ، فهذا دليل ، بالمطلق ، إنك لاتؤمن بإله الكون ، ولاتثق به ، ولا تأتمن لجانبه ، فكيف يخلق هذا الإله ، الذي هو كلي الرحمة ، كلي المحبة ، كلي الرأفة ، مخلوقاٌ شريراٌ حسب زعم الملائكة ، أو حسب زعم النص الإلهي . علاوة على ذلك ، إن هذا القول ، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، قولاٌ ليس صادقاٌ على إطلاقه ، فثمت بشر رائعون ، ويملكون من الرحمة ، ومن المحبة ، ومن الرأفة ، ماهو مميز وأخاذ وجميل في الروعة .
الملاحظة الرابعة وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال إنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا ، قال يا آدم إنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض . من المؤكد إن هذا النص الإلهي ليس سماوياٌ ولاربانياٌ ولا إلهياٌ ،إنما هو نص أرضي بالقطع ، لوجود تراكمات تناقضية في مجمل إطروحاته .
أولاٌ لاتوجد أية قيمة للحجة والتحاجج في هذا النص ضد الملائكة ، فإله الكون هو الذي ، علم آدم الأسماء كلها ، ولم يعلم الملائكة بها ، فمن الطبيعي أن ينبئهم آدم بتلك الأسماء ، تصور إنك أستاذ كبير ولديك تلاميذ من الصف الخامس الإبتدائي ، وأخذت تلميذ ، خالد ،على طرف وأخبرته بكل أسماء المدن الفرنسية ، وبعدها قلت للتلاميذ ، ماهي المدن الفرنسية ، فهل توجد قوة تحاججية في هذا الأمر ضد بقية التلاميذ .
ثانياٌ يقول إله الكون للملائكة إنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، فهل أدعوا إنهم يعلمون تلك الأسماء !! وهل معيار الكذب والصدق أن يعلم الملائكة أسماءهم !! وفي الحقيقة إن إله الكون يتهم الملائكة إنهم كاذبون ، فجملة إن كنتم صادقين تحتوي على فرضين أثنين ، الفرض الأول إما أن الملائكة ( في موقع اللاصدق ) بالأصل والأساس ، حينها يكون الطرف الآخر صادقاٌ تماماٌ ، الفرض الثاني إما أن الملائكة صادقين بالأصل والأساس ، حينها يكون الطرف الآخر ( في موقع اللاصدق ) تماماٌ .
ثالثاٌ يقول إله الكون ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ، وهل تحاججت الملائكة بعكس هذا الكلام ، وهل كانوا ، يوماٌ ، في حالة شك إن إله الكون لايعلم غيب السموات والأرض !! أم إن إله الكون ، هو ، في حالة شك من ذلك !! .
رابعاٌ يقول إله الكون ، إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى وأستكبر وكان من الكافرين ، كيف يكون إبليس من الكافرين وهو يقول ، أنك خلقتني ، وخلقته ، رب أنظرني إلى يوم يبعثون ، رب أقعدني إلى يوم الدين !! في الحقيقة إن إبليس ، ورغم كل هذه القضايا المرتبكة والمهشومة والممزقة ضده ، لم يلحد ، لم يشرك ، لم يكفر ، وما ألحد ، وما أشرك ، وما كفر ، وهاهو يرجو من إله الكون ، وليس من إله ثان ، رب إنظرني إلى يوم الدين ، وذلك حسب تعبير النص الإلهي نفسه .
الملاحظة الخامسة يقول إله الكون ، وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراٌ من صلصال من حمأ مسنون ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، هنا ، الإشكالية مزدوجة ، الأولى تتعلق ب صلصال من حمأ مسنون ، والثانية تتعلق ب نفخت فيه من روحي .
الأولى من المؤكد إن هذا النص الإلهي مرتبك من ثلاثة زوايا ، الأولى أليس خلق آدم من صلصال يعني إن آدم قد دخل الجنة بصلصاله ، ونستنتج من ذلك إنك ، أنت ، قد تدخل الجنة بذات الجسد الحالي ، بنفس الصوت الحالي ، بنفس العيون الحالية ، وبذات الإعضاء الداخلية !!! الثانية طالما إن آدم قد خلق من هذا الصلصال فهذا يعني إنه ، أي الصلصال ، سابق في وجوده على وجود آدم ، وطالما إنه من مكونات الآرض ، هذا يعني إن هذه الأرض ، هي سابقة في وجودها على وجود آدم !!! ولو صدقت هذه الفرضية لدلت على إن الكون برمته هو خارج الجنة ، وإن ليس له أية علاقة بالوجود البشري !!! فهل يرضى إله الكون عن هذه النتيجة !!! الثالثة في الواقع ، ماهي قيمة هذا الصلصال في الوجود الإلهي !! وهل يحتاج هذا الإله إليه لكي يخلق آدم منه !! أوليس بمقدور هذا الإله أن يخلق آدم من ، كن فيكون ، أم إن هذا التفكير ، في أصليته ، هو أرضي ، وتصور أرضي ، وحيثيات أرضية ، ولاعلاقة له بأي مفهوم رباني إلهي سماوي !!! .
والثانية نفخت فيه من روحي ، إذا كنا من روح إله الكون فهذا يعني إنه قد أدخل روحه في صلصال من حمأ مسنون !! إذا كنا من روح إله الكون فهذا يعني إنه خلق روحه في كبد ، إنا خلقنا الإنسان في كبد !! إذا كنا من روح إله الكون فهذا يعني إنه قد ألهمها فجورها وتقواها !! والسلسلة طويلة جداٌ ، لكن إذا كنا ، نحن ، من روح إله الكون ، فممن روح الحيوانات وروح الطيور وإحساس النباتات !! في الحقيقة لسنا من روح أحد ، نحن من وعي وإدراك وإرادة هذا الكون ، ربما نكون ظاهرة من فيزيائية الكون الفيزيائي ، ربما تسعفنا فيزياء الكوانتوم ، يوماٌ ما ، في فهم وإدراك مايجري حولنا ، وفي إدراك الخطوات التمهيدية الأولية البسيطة لوضعنا في الكون ، لكن حتى هذه اللحظة لم تبدأ الطريق بعد !! وإلى اللقاء في الحلقة الحادية والتسعين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول