الجبهة الحاضرة/الغائبة

حسن أحراث
2020 / 5 / 21

نموذج الجبهة الاجتماعية المغربية

يمكن لأي متتبع للحياة السياسية بالمغرب، ودون أن يكون من دهاقنة السياسة، أن يلاحظ أن التقييم والنقد الذاتي (النقد الذاتي تقييم في حد ذاته) غائبان تماما في ممارسة أحزابنا ونقاباتنا وجمعياتنا، وكذلك في حركاتنا وائتلافاتنا وشبكاتنا وتجمعاتنا... فرغم العديد من المحطات والمناسبات، سواء منها الناجحة أو الفاشلة، لا نجد أثرا لفعلي التقييم والنقد الذاتي. ومرة أخرى، يطرح السؤال: أي ديمقراطية لأي ديمقراطيين؟ ونتفاجأ من حين الى آخر بإطلاق مبادرات جديدة مؤسسة على ردود فعل لحظية تعكس الرغبة في تسجيل الحضور والتعبير عن التذمر من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، وهو سقف الطموح السياسي لجل المشتغلين في الحقل السياسي ببلادنا.
بدون شك، غياب النقد الذاتي موروث سيء وثقيل. إلا أنه رغم الوعي بما يشكل اعتماده من تجويد للممارسة السياسية وتطويرها على أسس صلبة، ورغم الإلحاح على ذلك في جل الأدبيات والشعارات، لا نرى ترجمة فعلية له في الواقع. ومن بين أهم الأسباب التي تقصي هذه الآلية التدبيرية التهرب من المسؤولية وتبعاتها وبالتالي تكريس نفس أساليب الفعل الضامنة للاستمرارية. ويصح هنا القول إن النقد والنقد الذاتي ملازمان للممارسة الثورية، وحيث تغيب هذه الأخيرة يغيب النقد والنقد الذاتي. ومن الغباء توقع/انتظار تقديم النقد الذاتي من طرف جهة لاديمقراطية، حيث سيادة البيروقراطية والفساد المالي؛ لأن ذلك يعني محاسبتها وبالتالي نهايتها المأساوية. لذا تمتنع جل الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية في شخص قياداتها عن تقديم النقد الذاتي؛ وللدقة، تمتنع عن القتل الإرادي لذاتها (L’EUTHANASIE POLITIQUE). ومن بين تجليات غياب الديمقراطية الداخلية وما يرافقها من حروب تفريخ إطارات جديدة والسقوط بعد ذلك في نفس النفق المسدود، دون خوض الصراع من أجل تصحيح الأوضاع الداخلية ومحاسبة المتورطين في التجاوزات التي تمس القوانين المعتمدة، وخاصة القانون الأساسي والنظام الداخلي، وتعرقل إنجاز الأهداف المسطرة. وتعتبر هذه السلوكات المشينة نقطة الضعف التي يستغلها النظام للمزيد من تركيع الأحزاب والنقابات والجمعيات. فجل هذا "الكوكتيل" السياسي يتأرجح بين ثنائية معركة الانتخابات من جهة ومعركة فرض الذات من جهة أخرى. وهناك هيئات تتهافت على الفتات وتبتغي الرضى لطمس حقيقتها والتصدي لخصومها، أي ربح حروبها الصغيرة. وبالمناسبة، أحيي الرفيق عبد الحميد أمين على تشبثه بالنقابة الأم الاتحاد المغربي للشغل رغم كل الظروف. لكن ألومه في نفس الآن على سكوته عن الكثير من الاختلالات في صفوفها. ومن بين أكبر الاختلالات المسكوت عنها الخلل المالي. فإذا لم يتكلم الرفيق أمين وهو من جايل المحجوب بن الصديق والميلودي موخاريق، فمن سيفجر القنبلة المالية من الداخل؟! إن التاريخ لا يرحم أحدا!
ونجد الترجمة المأساوية لتغييب التقييم والنقد الذاتي في مبادرة تأسيس الجبهة الاجتماعية المغربية، خاصة أن هذه الأخيرة أريد لها أن تشكل استمرارية لحركة 20 فبراير. وبدون تقييم وبدون نقد ذاتي بشأن مآل حركة 20 فبراير ومصير مجلس "دعمها" الذي فاق عدد مكوناته المئة (100)، انعقد جمع عام لثلاثين (30) هيئة سياسية ونقابية وجمعوية وتم الإعلان عن ميلاد الجبهة الاجتماعية والدعوة الى تأسيس فروعها المحلية. علما أن مسؤولية بعض هذه الهيئات ثابتة بخصوص إخماد وهج 20 فبراير وإجهاض أفقها الثوري. إنه السعي الحثيث نحو التكرار المشوه للتجارب السابقة. فمن يذكر الآن تجربة تنسيقيات مناهضة ارتفاع الأسعار بالمغرب؟ من التفت اليها بالتقييم والدراسة؟
الآن التأم شمل ثلاثين (30) هيئة، وكل هيئة تعرف الأخرى، والبعض منها لا يملك قرار نفسه. ولأن لكل نقابة حزب سياسي يوجهها، فالمسؤولية مشتركة، وهي نفس حال الجمعيات؛ وبالتالي فالعدد "ثلاثون" لا دلالة سياسية له. والعدد الفعلي و"الدال" هو عدد الأحزاب المشاركة، أي أربعة (04) أحزاب. ولنتذكر عدد مكونات الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان الذي يفوق العشرين (20) هيئة، لكنه بدون أثر أو تأثير في الواقع. فانتهاكات حقوق الإنسان متواصلة والمعتقلون السياسيون وراء القضبان... وبالمناسبة، ما هو مآل وثيقة "2020: مغرب بدون اعتقال سياسي ومعتقلي رأي"؟ نتذكر أيضا الفترة التي كانت إبانها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان شبه وحيدة، لكنها كانت حاضرة بكل قوة ومتابعة لأوضاع المعتقلين السياسيين وعائلاتهم. واليوم، وهي تجر وراءها "جيشا عرمرما" من الهيئات، غابت الفعالية وغابت النتائج (ثقُلت الأرجل). شروط المرحلة مختلفة، نعم؛ لكن النضال يتقدم..
والخطير سياسيا بالنسبة للجبة الاجتماعية وغيرها من "التحالفات" (تنسيقيات ومجالس الدعم...) هو استقبال ومعانقة أي هيئة دون معايير المسؤولية والديمقراطية كمعايير دنيا، أي "تبييض" سجل بعض الإطارات والسكوت عن تجاوزاتها السابقة. فقد يسود بعض الانسجام لسبب أو لآخر في صفوف القيادات (كثيرا ما يكون عابرا)، إلا أن الألغام تنفجر تحت أقدام القواعد، خاصة التي تحتفظ بصفاء ذاكرتها. ويتم نقل الداء (العدوى)، أي الممارسة اللاديمقراطية، من المكون الفرد، حزبا أو نقابة أو جمعية، الى المكون الجمع، جبهة أو شبكة أو حركة أو ائتلاف...
والأخطر هو لي عنق الحزب السياسي وإخضاعه لسقف النقابات والجمعيات. وتصير الآلية التنسيقية أداة كبح وترويض، فالحزب والحال هذه يتخلى عن طيب خاطر عن وظيفته السياسية، أي السعي الى السلطة، لدرجة أن أحزابنا السياسية وبرامجها عبارة عن نقابات أو جمعيات حقوقية. ولهذا سجلت في البداية محدودية طموح أحزابنا السياسية وأهدافها. هناك بالفعل مطالب ديمقراطية، لكنها لا تجيب على متطلبات المرحلة السياسية، وتغيب آليات تنزيلها. فحتى الهيئات الحقوقية تشتغل على الحقوق السياسية والمدنية وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... والنتيجة معروفة..
باختصار، مشروع الجبهة الاجتماعية لا يناسب دينامية الصراع الطبقي المتقدمة ولا يرقى الى تطلعات الجماهير الشعبية المضطهدة، وفي مقدمتها الطبقة العاملة، أمام المخططات الطبقية المدمرة وشراسة الهيمنة الامبريالية ومؤسساتها المالية والعسكرية. واعتماد غير المدخل السياسي كمن يضع الفعل النضالي على رأسه، وهي حال الجبهة الاجتماعية المغربية. ومن بين أعطاب هذا المشروع كذلك، وهي أعطاب "مزمنة"، ابتعاد مكونات الجبهة عن الواقع، وطنيا ومحليا. فهناك معارك وأخرى لا تواكبها الجبهة، مركزا وفروعا. لا أقصد المواكبة الإعلامية (بيانات وبلاغات...)، بل المتابعة الميدانية الداعمة. وأشير الى التجاهل الكبير لليوم الوطني التضامني (19 ماي 2020) مع عمال أمانور وهم في الشهر الرابع من معركتهم البطولية. فهل بهذا التجاهل غير المبرر "سننفذ إلى عمق انشغالات المواطنين ونكون قريبين منهم" (عن تصريح لأحد قادة الجبهة)؟ فالحصار والعزلة يستنزفان النضالات ويكرسان فقدان الثقة في العمل السياسي وفي الفاعل السياسي أيضا. وباعتماد نفس "مقاربة" الجبهة، خسرنا العديد من المعارك وفقدنا العديد من الطاقات. ونذكر هنا معركة المدرسة العمومية ومعركة الوظيفة العمومية ومعركة التقاعد ومعركة الإعلام العمومي ومعرك الاعتقال السياسي ومعارك العمال والعمال الزراعيين المطرودين... هناك نقط ضوء نتيجة التضحيات المقدمة، لكن ليس بمثل شعارات "تقهرنا" و"ماساكتينش" و"كتبغي حبابك بقى فدارك"، وبمثل هذه اللغة "تنبيه الدولة والحكومة إلى أن المرحلة الحالية تقتضي التضامن واتخاذ إجراءات اجتماعية لضمان شروط العيش الكريم للمواطنات والمواطنين، بدل إحياء تشريعات سنوات الرصاص" (من بيان للجنة المتابعة) سنغير موازين القوى السياسية وسنفرض تحقيق المطالب ووقف مسلسل الإجهاز على المكتسبات وانتزاع مكاسب جديدة!!
وبالإضافة الى ذلك، نتابع الاحتكاك، أحيانا الحاد، في صفوف مكونات الجبهة بأكثر من مدينة وموقع، ولجوء كل مكون منفردا الى عاداته وطقوسه وقوامسه. وهو ما يكرس النظرة القدحية للحزب والنقابة والجمعية.
عموما، نجاح أي تجربة تحالفية جديدة يقوم على نضالية مكوناتها السياسية (تصورا وممارسة)، ويتوقف على قاعدتها الطبقية وعلى وزن قيادتها السياسي والميداني وعلى مدى تأثير هذه القيادة على المسار العام...